جوليا قصّار لـ"هي": أرى في كل شخصية أجسدها مساحة مختلفة لاكتشاف الإنسان في داخلي

أيقونة تعيد تعريف الشخصية الدرامية.. جوليا قصّار لـ"هي": أرى في كل شخصية أجسدها مساحة مختلفة لاكتشاف الإنسان في داخلي

18 مايو 2026

في مشهد الدراما اللبنانية تبرز الممثلة جوليا قصار أحد أبرز الأسماء التي تحولت مع الوقت إلى أيقونة فنية بامتياز، ليس فقط بحضورها المتفرد، بل بقدرتها على تجسيد شخصيات تحمل عمقا إنسانيا وبصمة لا تنسى. فمن المسرح إلى الشاشة، ومن الأدوار المركبة إلى النماذج النسائية الاستثنائية، استطاعت جوليا قصار أن تبني مسيرة تقوم على الصدق الفني والاختيارات الدقيقة، لتصبح علامة فارقة في الذاكرة الدرامية اللبنانية والعربية.

بأدائها الذي يجمع بين القوة والحساسية، وبتعاملها مع كل شخصية على أنها مساحة اكتشاف جديدة، رسخت قصار مكانتها باعتبارها وجها أيقونيا يتجاوز حدود التمثيل التقليدي، ليحمل حضورها بعدا فنيا وثقافيا يعكس تطور الدراما اللبنانية وعمقها. وفي هذا الحوار مع "هي"، تفتح نافذة على تجربتها الغنية، وعلى رؤيتها للفن مسارا طويلا من البحث والالتزام والإبداع المستمر.

أيقونة لبنانية تعيد تعريف الشخصية الدرامية بين المسرح والشاشة جوليا قصّار لـ"هي": أرى في كل شخصية أجسدها مساحة مختلفة لاكتشاف الإنسان في داخلي

كيف تقيمين تجربتك في آخر عمل لك مسلسل "بالدم" (2025)؟ وماذا أضاف لك على المستوى الفني والإنساني؟

بالنسبة لتجربتي في مسلسل "بالدم"، فإنها تختصر إلى حد كبير الشروط التي أبحث عنها عند اختياري لأي عمل جديد. فقد توفر فيها نص مميز، وفريق عمل رائع، إلى جانب ظروف إنتاجية جيدة. وعلى الرغم من أننا كنا نصور في ظل الحرب، وتحديدا في رمضان، وهو ما شكل نوعا من المجازفة، إلا أننا كنا جميعا على قلب واحد، يجمعنا هدف مشترك وشغف حقيقي بما نقدمه.

هذا الانسجام والإيمان بالعمل انعكسا بوضوح على النتيجة، التي جاءت جميلة ومؤثرة. بالنسبة إلي، قدم لي "بالدم" الكثير على المستويين الإنساني والفني، كما كان لتفاعل الجمهور ومحبتهم أثر بالغ في نفسي. ولا تزال ردود الفعل الإيجابية مستمرة حتى اليوم. لقد كان التفاعل بين العمل والجمهور لافتا، وهو ما جعل هذه التجربة واحدة من أجمل التجارب التلفزيونية التي خضتها في الفترة الأخيرة.

ما الذي يجعلك متحمسة للاستمرار في ظل التحديات التي تواجه الدراما اليوم؟

على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه الدراما اللبنانية اليوم، لا تزال هناك أعمال نفتخر بها وترفع الرأس. برأيي، ما نمر به هو مرحلة صعبة طالت مختلف القطاعات في هذا البلد، لكن لبنان اعتاد أن يستمر في كل الظروف. أنا مؤمنة بأنه مع وجود مبدعين يؤمنون ببلدهم، ويسعون إلى الاستمرار فيه، ووجود من يعمل على تنشيط حركة الإنتاج الدرامي، فلا خوف على الدراما اللبنانية. إنها أزمة عابرة، وستزول.

بعد مسيرة غنية بين المسرح والدراما، ما الذي لا يزال المسرح يمنحه لك، ولا تجدينه في أي وسيط فني آخر؟

العمل في المسرح أكثر صعوبة، إذ تتطلب التمارين وقتا طويلا قد يمتد لأسابيع أو حتى أشهر، لكنه في المقابل يحمل متعة خاصة. فاللقاء اليومي خلال فترة البروفات، قبل مواجهة الجمهور، يخلق حالة من الحماس والترقب، حيث تتسارع دقات القلب كلما اقترب موعد العرض. أما لحظة العرض نفسها، فهي حكاية مختلفة تماما، إذ تمثل تتويجا لكل الجهود والتعب والالتزام. واللقاء مع الجمهور يشبه إلى حد كبير لقاء الحبيب؛ نقدم خلاله أفضل ما لدينا، ونشعر بنبضه وتفاعله، فيكتمل العرض بحضوره وحماسه. وتبقى وسيلة المسرح مختلفة تماما عن السينما والتلفزيون، نظرا لهذا التفاعل المباشر مع الجمهور، الذي يخلق في كثير من الأحيان لحظات سحرية مشتركة بين الممثلين والمشاهدين.

في أحدث أعمالك، من شخصية "جانيت" في مسلسل "بالدم" (2025) إلى "جولييت" في "عرابة بيروت"، قدمت نماذج نسائية مختلفة ومليئة بالتحديات، كيف قرأت هاتين الشخصيتين، وأين وجدتِ نفسك أكثر إنسانيا بوصفك ممثلة؟

شخصيتان متناقضتان: جولييت امرأة قوية وصلبة تخفي هشاشة داخلية، خصوصا في علاقتها بابنتها، وهو ما يمنحها عمقا وتعقيدا. أما آسيا، فتمثل الجانب الإنساني الدافئ والقريب من العائلة. وعلى الرغم من الاختلاف، لكل منهما بعد إنساني خاص، لكنني أميل إلى جولييت، وأتعاطف معها أكثر لأن ضعفها الداخلي يجعلها أكثر قربا وصدقا.

جوليا قصّار لـ"هي": أرى في كل شخصية أجسدها مساحة مختلفة لاكتشاف الإنسان في داخلي

في ظل الظروف التي نعيشها، ما الدور الذي ترين أن الفن يجب أن يلعبه اليوم؟

في الأزمات، يلعب الفن دورا أساسيا، لأنه يمنحنا القدرة على الاستمرار والشعور بالحياة. هو مساحة تجمع الناس وتعيد إحياء إنسانيتهم، وتعزز الانتماء والتصالح مع الواقع. كما يعبر عن القيم ويواجه الخلل، فيبقى أكثر من مجرد جمال، بل يصبح مصدر أمل واستمرارية.

متى شعرت بأنك وصلت إلى مرحلة النضج الفني الحقيقي؟

تراكم الخبرات والتجارب، ولا سيما الأدوار الصعبة، يسهم بلا شك في خلق نوع من النضج الفني. لكن لا أستطيع تحديد محطة معينة شعرت فيها بأنني بلغت هذا النضج بشكل كامل. في هذه المهنة، هناك سعي دائم لا يتوقف؛ فلا مكان للاكتفاء، بل هناك عمل مستمر ومحاولات متواصلة لتجاوز الذات مع كل تجربة جديدة. لذلك، لا أرى أنني وصلت إلى مرحلة محددة يمكن القول عندها إنني بلغت نقطة معينة نهائية، فالمسار مفتوح، والتطور لا يزال مستمرا.

هل هناك محطة معينة أو عمل شكل نقطة تحول في مسيرتك؟

لم تكن هناك محطة واحدة محددة بالنسبة إلي، لأنني أرى أن كل خطوة خضتها، وكل تجربة عشتها مع مخرجين ومبدعين، سواء من الرواد أو من المواهب الجديدة، شكلت بحد ذاتها محطة أساسية في مسيرتي. النسبة إلي، لا تختصر الرحلة في لحظة واحدة، بل هي تراكم مستمر، درجة تلو الأخرى. لذلك، لا أؤمن بمحطة مفصلية واحدة، بقدر ما أؤمن بأن مجمل المسيرة هو الأهم. أما اليوم، فالمحطة التي تشغلني هي المشروع المقبل الذي يمكن أن يشكل تحديا حقيقيا ويحفزني على تقديم الأفضل. هذا هو ما أبحث عنه الآن، وليس التوقف عند محطة معينة في الماضي.

في النهاية، لكل تجربة مررت بها قيمتها، بغض النظر عن حجم نجاحها، لأن ما يصنع المسيرة هو الاستمرارية وتراكم الخبرات، وهما برأيي أهم المحطات على الإطلاق.

هل أصبحت أكثر تصالحا مع نفسك اليوم بوصفك ممثلة؟

أشعر بأنني اليوم أكثر تصالحا مع نفسي، لأن اختيار الإنسان لمهنة يحبها هو بحد ذاته شكل من أشكال المصالحة الداخلية. فحين يدرك المرء ما الذي يريده حقا، وما الذي يحبه ويسعى إليه، ويختار السير في هذا الاتجاه، يكون قد حقق انسجاما مع ذاته.

وبالنسبة إلي، ما إن اخترت هذه المهنة التي أحبها، حتى شعرت بهذا السلام الداخلي. إنها مهنة جميلة وراقية ونبيلة، وأعتبرها من أجمل ما في حياتي، ولا أطلب أكثر من ذلك.

بعد مسيرة طويلة في المسرح والدراما، كيف ترين اليوم واقع الإنتاج اللبناني، سواء في التلفزيون أو المسرح؟ وما التحديات التي تواجه الفن اللبناني، برأيك؟

أفضل دائما أن أتحدث بتفاؤل، على الرغم من إدراكي لحجم التحديات التي يواجهها الإنتاج الفني في لبنان اليوم، سواء في التلفزيون أو السينما أو المسرح، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. ومع ذلك، أؤمن بأن الإرادة الإبداعية لدى اللبنانيين ما زالت قوية، وأن لبنان قادر على الحفاظ على حضوره في الدراما العربية والعالمية. صحيح أن حجم الإنتاجات تراجع، لكن الأعمال التي تنجز ما زالت تترك بصمتها وتفرض حضورها.

ما نعيشه هو مرحلة صعبة لكنها عابرة، وستتجاوزها الصناعة طالما هناك مبدعون يؤمنون بهذا البلد، ويستمرون في العمل فيه. وأرى أن للدعم المؤسسي، وخصوصاً دور القنوات التلفزيونية، أهمية كبيرة في إعادة تنشيط الحركة الإنتاجية كما في السابق. وفي النهاية، يبقى تفاؤلي ثابتا، لأنه شرط أساسي للاستمرار في هذه المهنة ومواجهة كل التحديات.

ما الرسالة التي توجهينها اليوم إلى نفسك في بداياتك، بعد كل هذه المسيرة من الخبرة والتجارب؟

لو أردت أن أوجه رسالة لنفسي في بداياتي، لقلت لها ببساطة: أحسنت لأنك حلمت، وحاولت، وتمسكت بحلمك وصبرت. أنا لا أميل كثيرا إلى الالتفات إلى الماضي، بل أركز على الحاضر وما هو آت، لكن لو عاد الزمن ربما كنا سنختار الطريق نفسه، لأن الشغف هو ما قاد هذه المسيرة.

وقد أقول لها أيضا إنه كان يمكن أن تعطي أكثر في بعض المراحل، لكن الأهم أنها لم تتخل عن حلمها، وهذا بحد ذاته إنجاز يستحق التقدير.

مسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس
Credits

    تصوير نبيل اسماعيل