قوانين الأوسكار الجديدة: الضوء الأحمر للذكاء الاصطناعي والأخضر للفيلم الأجنبي
التعديلات الجديدة التي أعلنتها (أكاديمية علوم وفنون السينما) لقواعد الأوسكار في بداية الشهر الجاري تُطبَّق بأثر رجعي على الأعمال الفنية التي عُرضت منذ شهر يناير الماضي. تكشف هذه التعديلات عن قلق أعمق داخل الصناعة نفسها: قلق من المستقبل، من التكنولوجيا، ومن تغيّر موازين القوة داخل السينما العالمية.
لا تبدو هذه التعديلات مجرد محاولة لتنظيم المنافسة، بل محاولة لإعادة تعريف فن السينما في زمن يتغير بسرعة، بل وتحاول أيضًا إعادة الثقة في الجائزة السينمائية الأشهر عالميًا.
من قوانين محاربة الذكاء الاصطناعي، إلى تغيير تمثيل الدول في فئة الفيلم الأجنبي، إلى قواعد الترشيح نفسها… نحن أمام لحظة تحاول فيها الأكاديمية، أن تضع حدودًا جديدة للإبداع… وقواعد الحصول على الجائزة الأشهر عالميًا.

مزيد من الترشيحات لنفس الممثل
في فئة التمثيل، تتيح التغييرات الجديدة ترشيح الممثلين لأكثر من دور في نفس الفئة، إذا حازت تلك الأدوار على أحد المراكز الخمسة الأولى في التصويت النهائي. وهو ما يتيح للممثل الترشح أكثر من مرة داخل نفس الفئة. وربما نجد، في الحفلات القادمة مثلًا، الممثلة المحظوظة (إيما ستون) مرشحة لجائزة أفضل ممثلة مرتين عن فيلمين مختلفين، وهو ما يزيد بلا شك من فرص حصولها على الجائزة.
هذا التعديل لا يفتح الباب فقط أمام تعدد الترشيحات، بل قد يعيد تعريف فكرة المنافسة نفسها، حيث لم يعد الأداء الأفضل هو الفيصل الوحيد، بل الحضور الأكبر داخل نفس الموسم.
بالإضافة إلى ذلك، في فئة التمثيل، لن تُقبل إلا الأدوار المذكورة في بيانات الفيلم الرسمية، والتي أداها ممثلون حقيقيون بموافقتهم، وهو ما يُعد إشارة لرفض ترشيح شخصيات مولدة عن طريق الذكاء الاصطناعي لأي جوائز تتعلق بفئة التمثيل، حتى لو كانت شخصيات حقيقية تم إعادة توليدها بالذكاء الاصطناعي.


لكن هذه التعديلات، رغم بساطتها الظاهرية، تتجاوز مساحة الأداء التمثيلي…
ممنوع الذكاء الاصطناعي
في هذا السياق، كان أكثر القرارات إثارة للجدل هو موقف الأكاديمية الصارم من الذكاء الاصطناعي، لا ترشيح لأداء تم توليده بالذكاء الاصطناعي، ولا ترشيح لنصوص كتبها الذكاء الاصطناعي، ويجب أن يكون الإنسان في قلب العملية الإبداعية.
لكن المفارقة أن الأكاديمية، لم تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي بالكامل، بل سمحت به… بشرط ألّا يكون هو المؤلف الحقيقي للعمل.
فالأكاديمية لا ترفض التكنولوجيا، وتحتفظ بالحق في طلب مزيد من المعلومات حول طبيعة الاستخدام وحدوده لقبول العمل، وهذه منطقة ضبابية يصعب التحكم الكامل فيها. قد تسمح باستخدامها عن طريق وكيل بشري… لكنها ترفض مكافأتها ولن تمنحها الاعتراف الصريح.
هذا الموقف يمكن قراءته على أنه محاولة لحماية جوهر الإبداع البشري في زمن قد تتحول فيه السينما إلى عملية إنتاج خوارزمية. وهي قراءة مفهومة، خاصة في ظل القلق المتزايد في هوليوود من استبدال شركات الإنتاج الممثلين والكتاب بنماذج رقمية.
من ناحية أخرى، يمكن الشعور أن الأكاديمية لا تحمي الفن بقدر ما تحمي النظام القديم لصناعة السينما. نظام قائم على نفوذ النجوم والنقابات والملكية الفكرية البشرية، وهو نظام تهدده بوضوح نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
الفيلم الأجنبي… نهاية احتكار المؤسسة الرسمية؟
واحدة من التعديلات الأكثر أهمية تتعلق بطريقة تمثيل الدول في فئة الفيلم الدولي. لفترة طويلة، كان النظام بسيطًا — وربما قاسيًا: كل دولة ترشح فيلمًا واحدًا فقط. قاعدة تبدو عادلة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي مفارقة واضحة: أن السينما، كفن، تُختزل في قرار لجنة رسمية تابعة للمؤسسة الرسمية.

التعديلات الجديدة لا تلغي هذا النظام بالكامل، لكنها تعيد النظر في آلياته، وتفتح الباب أمام مرونة أكبر في تعريف التمثيل الوطني. لم يعد الفيلم مجرد مرشح دولة، بل يمكن ترشيحه من خلال الفوز بجائزة مؤهلة في مهرجان سينمائي دولي، كما هو محدد في قائمة المهرجانات المؤهلة لجائزة الفيلم الروائي الدولي.
المهرجانات المؤهلة لجوائز الأوسكار الـ99 هي: مهرجان برلين السينمائي الدولي (جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم)، ومهرجان بوسان السينمائي الدولي (جائزة بوسان - جائزة أفضل فيلم)، ومهرجان كان السينمائي (جائزة السعفة الذهبية)، ومهرجان صندانس السينمائي (جائزة لجنة التحكيم الكبرى للسينما العالمية)، ومهرجان تورنتو السينمائي الدولي (جائزة المنصة)، ومهرجان البندقية السينمائي الدولي (جائزة الأسد الذهبي).
بالإضافة إلى ذلك، يُذكر اسم الفيلم كمرشح، وليس اسم الدولة أو المنطقة، ويتسلم المخرج الجائزة نيابةً عن الفريق الإبداعي للفيلم. يُدرج اسم المخرج على قاعدة تمثال الأوسكار بعد عنوان الفيلم، واسم الدولة أو المنطقة إن وُجد.
وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لهذه التعديلات خارج إطارها الإداري الضيق.
سينما عالمية عابرة للثقافات
في هذا الإطار، يمثل هذا التغيير تحولًا مهمًا لفئة الفيلم الأجنبي، فهو يتيح للأفلام غير الناطقة باللغة الإنجليزية الترشح، حتى تلك التي يقف خلفها إنتاج مشترك، تمويل عابر للحدود، أو حتى هوية فنية لا تنتمي بوضوح إلى بلد واحد.
هذه التعديلات تعكس واقعًا واضحًا منذ سنوات، إذ لم تعد الأفلام تُنتج داخل حدود جغرافية صارمة؛ فالمخرج قد ينتمي لبلد، والتمويل لآخر، والتصوير لثالث، والهوية الفنية نفسها أصبحت عابرة للثقافات.

الأكاديمية تحاول اللحاق بعالم سبقها بالفعل، لكن هذا الانفتاح يطرح سؤالًا معقدًا: هل هذه القواعد تمنح فرصًا عادلة لصناع السينما حول العالم؟ أم أنها تفتح الباب أمام هيمنة الإنتاجات الكبرى تحت غطاء العالمية؟
لأن هذا الخطر ليس نظريًا. في النظام القديم، كان لكل دولة صوت واحد — حتى لو كان محدودًا.
أما الآن، فقد تتحول المنافسة إلى ساحة غير متكافئة، حيث الإنتاجات المدعومة دوليًا تملك فرصًا أكبر، والأفلام الصغيرة قد تضيع وسط شبكة توزيع أوسع وأقوى. هذا ربما ينقل ترشيح الفيلم الأجنبي من خانة احتكار المؤسسة الرسمية الممثلة لدولة ما… إلى احتمال احتكار المنصات وكيانات الإنتاج الضخمة.
هل الفيلم يمثل: البلد التي خرج منها؟ أم الثقافة التي ينتمي إليها؟ أم الجمهور الذي يشاهده؟
الأكاديمية، دون أن تقول ذلك صراحة، تميل إلى الإجابة الثالثة. وهذا، في حد ذاته، يمثل تغييرًا جذريًا وهو تحويل السينما من خطاب وطني… إلى منتج عالمي.
وإذا كانت هذه التغييرات تعيد رسم خريطة المنافسة عالميًا، فإن التعديلات داخل الفئات الفنية تكشف عن خلل من نوع آخر.
المصوتون لا يشاهدون
بعيدًا عن العناوين الكبرى، تكشف التعديلات في الفئات الفنية عن أزمة مختلفة: ليست في القواعد نفسها… بل في ضمان أن من يقرر، قد شاهد فعلًا.
تشمل التغييرات الجوهرية في القواعد عدة أمور، منها ما يلي:
- في فئة التصوير السينمائي: ستُنتج جولة التصويت التمهيدية قائمة مختصرة تضم 20 فيلمًا بدلًا من 10.
- في فئة المكياج وتصفيف الشعر: يجب على أعضاء فرع فناني المكياج ومصففي الشعر حضور اجتماع واحد على الأقل من الاجتماعين النهائيين للفرع (جلسات النقاش)، ليكونوا مؤهلين للتصويت في الجولة التمهيدية.
- في فئة الأغنية الأصلية: توضح القواعد أهلية الأغنية للترشح بناءً على موضعها في شارة النهاية. بالنسبة للأغاني المُقدمة كأول مقطع موسيقي جديد بعد بدء شارة النهاية، يجب أن يتضمن مقطع الفيديو آخر 15 ثانية من الفيلم قبل بدء الشارة.
- في فئة المؤثرات البصرية: يجب على جميع أعضاء الأكاديمية مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة التي توثق ما قبل وما بعد المؤثرات البصرية، ليكونوا مؤهلين للتصويت في الجولة النهائية.
ومن هنا، تكشف هذه القواعد، رغم دقتها التقنية عن أزمة أبسط بكثير: كيف يمكن ضمان عدالة التصويت… إذا لم تكن المشاهدة نفسها مضمونة؟
المزاج الجماعي وجوائز الأكاديمية
إذا كانت القواعد تحدد من يشارك، فإن آليات التصويت تحدد من يفوز. وهنا تحديدًا، تكشف التعديلات الجديدة عن محاولة مزدوجة: تنظيم العملية… دون الاعتراف بأن القرار لم يعد فنيًا خالصًا.

الأكاديمية شددت على قواعد المشاهدة والتصويت، وأعادت التأكيد على ضرورة أن يشاهد الأعضاء الأفلام المرشحة قبل التصويت. خطوة تبدو بديهية، لكنها في الواقع اعتراف ضمني بمشكلة واضحة خلال السنوات الماضية، وهي أن بعض القرارات كانت تُتخذ بناءً على السمعة، لا المشاهدة.
لكن هذه المحاولة التنظيمية تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا.
في جوائز الأوسكار، لا يكفي أن تصنع فيلمًا جيدًا. يجب أن تصنع له حملة. القواعد الجديدة المتعلقة بالترويج تحاول الحد من الممارسات العدوانية في الحملات الدعائية، وتقييد التواصل المباشر مع أعضاء الأكاديمية، وضبط لغة النقد تجاه المنافسين، والأهم منع التأثير غير المباشر عبر وسائل الضغط الإعلامي.
لكن هذه القيود، لا تلغي الحقيقة الأساسية، وهي أن الفيلم لا يُشاهد بحياد، بل وسط ضجيج إعلامي وتقييمات نقدية وتوقعات مسبقة وسرديات يتم بناؤها بعناية.
التأثير لم يعد يأتي فقط من شركات الإنتاج، بل من وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، والجمهور نفسه، وهو ما يخلق معادلة جديدة تمامًا: الأكاديمية تصوّت… لكن المزاج العام يضغط.

الأمر الواضح أن التعديلات تحاول إعادة السلطة إلى داخل الأكاديمية، لكن الواقع يقول إن هذه السلطة لم تعد حكرًا عليها. اليوم، جودة الفيلم أو حتى تفضيلات الأعضاء لا تحدد الفوز، بل توقيت عرضه، واستقباله الجماهيري، ومكانه داخل الواقع الثقافي الشعبي.

ويبدو أن الأوسكار يتحول من: جائزة فنية… إلى مؤشر ثقافي عابر، مقيد بضغوط التريند وحملات التسويق وهوى الجمهور.
تحاول الأكاديمية أن تبدو أكثر عدالة… لكنها تعمل داخل نظام سينمائي أصبح أكثر تعقيدًا من أن يُضبط بالكامل.
الصور من موقع أكاديمية الأوسكار.