خاص "هي": الذاكرة النسائية في الخليج.. 3 مسارات تحفظ ما لم يُكتب
في الصور العائلية، والملابس، والروايات المتناقلة، بقي جزء من تاريخ النساء بعيدًا عن الوثائق الرسمية. تفاصيل تبدو عابرة، لكنها تحمل زمنًا عاشته النساء خارج أي صيغة مكتوبة. اليوم، ومع الاهتمام بالهوية والذاكرة الجمعية، لم تعد هذه المواد تُرى بوصفها حنينًا فقط، بل تُقرأ من جديد بصفتها مساحة تفتح طرقًا أخرى لفهم التاريخ، دون أن تلغي ما كُتب، بل تضيف إليه.
في هذا السياق، نتحدث مع 3 نساء يعملن في حقل الأرشفة، ينتمين إلى جيل يتعامل مع هذه المواد بوصفها مصدرًا معرفيًا، لامجرد ذاكرة شخصية. غادة المهنا، باحثة سعودية في الأنثروبولوجيا البصرية، وجدت في الأرشيف المرئي مساحة لإعادة قراءة التاريخ. وآية ظاهر، باحثة مؤرشفة إماراتية في التاريخ الشفاهي، بدأت رحلتها من مقتنيات جدتها وصولًا إلى توثيق ما لا تقوله الوثائق. أما جود الذكير، فهي مؤسسة مكتبة وأرشيف النساء في الخليج، مشروع يعيد النظر فيما نعتبره أصلًا يستحق الحفظ. يروين لنا ما وجدن حين فتحن هذه المواد، وما تكشفه عن المرأة الخليجية مما لم تقله الوثائق الرسمية.
غادة المهنا ما لا يُعرض رغم حضوره

رغم حضور المرأة الخليجية في المادة الأرشيفية، إلا أن هذا الحضور لم ينعكس في الطريقة التي قُدّم بها الأرشيف للعالم. بالنسبة إلى غادة المهنا، لم تكن هذه مفارقة عابرة، بل نقطة انطلاق لقراءة أوسع.
بدأ اهتمام غادة المهنا بالأرشيف من علاقة قديمة بالصور والتصوير. لكن هذا الاهتمام الشخصي أخذ منحى مختلفًا حين دخلت إلى بيئة مراكز الأبحاث، وتعاملت مع باحثين غربيين متخصصين في المنطقة. هناك، بدأت تلاحظ فجوة واضحة بين الصورة المتداولة عن المرأة الخليجية، وبين الواقع الذي تعرفه وتعيشه. تقول: "لاحظت أن الصورة الذهنية عند بعضهم لا تشبه الواقع الذي أعرفه، هذا الشيء حوّل الاهتمام الشخصي إلى سؤال بحثي: من أين تأتي هذه الصورة؟".
هذا السؤال لم يتوقف عند الملاحظة، بل قادها مباشرة إلى الأرشيفات. وما وجدته هناك لم يكن غيابًا كما قد يتوقع، بل حضورًا غير مستخدم. تضيف: "لاحظت أن المرأة الخليجية حاضرة في المادة الأرشيفية أكثر بكثير مما هي حاضرة في الطريقة التي يُقدّم فيها هذا الأرشيف". هنا، يتحول البحث من محاولة لإثبات وجود، إلى تفكيك آليات العرض نفسها: كيف تُختار الصور؟ ولماذا تُعرض بعضها دون غيرها؟
تقول غادة إن ما غيّر نظرتها لم يكن اكتشافًا محددًا، بل ملاحظة الغياب ذاته. "لماذا هذه الصور موجودة ولكن لم يعرضها أحد؟ من اختار ما الذي يبقى وما الذي يُهمّش؟". هذا السؤال، كما تصفه، فتح بابًا كاملًا في البحث، حيث لم تعد القضية في المادة، بل في القرارات التي تحدد ما يُرى منها وما يُترك خارج الإطار.
ومن خلال هذه المواد، تظهر صورة مختلفة تمامًا عن حياة النساء في الخليج. ليست صورة مثالية ولا نمطية، بل حياة يومية حقيقية بتفاصيل لم تهتم الوثائق الرسمية بتسجيلها. تقول: "تكشف عن كيف يتحركن، أين يتواجدن، ماذا يرتدين"، مشيرة إلى أن المقتنيات الشخصية والصور العائلية تحفظ طبقة كاملة من التاريخ الاجتماعي الذي لم يصل إلى أي أرشيف مؤسسي.
لكن هذه الذاكرة، رغم حضورها، تبقى هشّة. جزء كبير منها لا يزال محفوظًا في البيوت، معرضًا للتلف أو النسيان مع مرور الوقت. تقول غادة بوضوح: "ما يُفقد لا يُستعاد".
ومع تسارع التغيرات التي تشهدها المنطقة، ترى المهنا أن توثيق التاريخ، خصوصًا تاريخ النساء الذي لم يأخذ حقه، ضرورة ملحّة، لأن ما يُفقد منه لا يمكن تعويضه لاحقًا.
جود الذكير بين ما يوثّق وما يُهمّش

إذا كانت بعض المواد بقيت خارج الأرشيف، فإن ما دخل إليه لم يكن محايدًا بالضرورة. هذا ما تنطلق منه جود الذكير في قراءتها، حيث ترى أن الأرشيف لا يُبنى فقط مما يُحفظ، بل مما يُختار. تقول: "أصبح واضحًا لي مع الوقت أن الأرشيف ليس مكانًا ثابتًا، بل يحمل طبقات من الظهور والاختفاء، ومن الاختيارات التي تحدد ما يُرى وما يُهمَل".
هذا الاهتمام لم يأتِ من محاولة توثيق تقليدية، بل من رغبة في تتبع كيف تظهر حياة النساء في الخليج عبر وسائط مختلفة؛ ليس فقط في ما كُتب عنهن، بل في ما كتبنه، وما صُوّر، وما سُجّل، وما جرى تداوله وحفظه بطرق متباينة. من هنا جاءت "مكتبة وأرشيف النساء في الخليج" كمحاولة لقراءة هذه الطبقات والعمل معها، لا باعتبارها مواد ثابتة، بل بوصفها مسارات متقاطعة من الظهور.
في هذا السياق، تتشكل المكتبة كمساحة متنقلة تُعنى بأصوات النساء وأعمالهن في الخليج، وتلتقط مسارات الهجرة والعمل، كما ترصد الإيماءات اليومية التي تشكل معنى الانتماء. وتتعامل مع الذاكرة بوصفها ملاذًا يحتضن برفق، لا يُنتزع من سياقه، مع مراعاة العناية والموافقة، وإتاحة المعرفة دون فصلها عن شروطها.عند جمع هذه المواد من صور، نصوص، منشورات، ووثائق، لا يظهر تاريخ واحد متماسك، بل عدة مسارات متداخلة، فيها استمرارية وانقطاعات، وفيها ما يكسر التوقعات المسبقة عن أدوار النساء وحضورهن. تقول: "حين ننظر إليها معًا يظهر تاريخ لا يمكن اختزاله في سردية واحدة... هناك أيضًا مفاجآت تكسر توقعاتنا عن الأدوار أو المسارات".
كما تكشف هذه المواد عن اتساع وتنوع في حياة النساء لا تلتقطه السرديات العامة بسهولة. تظهر أشكال متعددة من العمل والمعرفة، وحضور في الفضاء العام بطرق مختلفة، إلى جانب ارتباط واضح بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها المنطقة. وفي الوقت نفسه، تكشف عن حساسية خاصة تجاه التفاصيل: كيف تُعاش الحياة اليومية، وكيف تُوثّق، وكيف تُتداول.
بهذا الفهم، تصبح الأرشفة عملية إعادة بناء بقدر ما هي حفظ. ليست مجرد استبقاء للماضي، بل طريقة لإعادة طرح الأسئلة حوله: من يملك حق الرواية؟ وما الذي يُعتبر أصلًا مادة أرشيفية؟ وكيف يمكن قراءة التاريخ من خلال مصادر متعددة ومتقاطعة؟
تؤكد جود أن أهمية هذه المواد اليوم لا تكمن فقط في إضافتها إلى السجل التاريخي، بل في قدرتها على إعادة تشكيله. تقول: "الحفظ ليس فقط استبقاء، بل طريقة لفتح إمكانيات جديدة للفهم"، مشيرة إلى أن ما يُستعاد من هذه المواد لا يضيف فقط تفاصيل، بل يغيّر طريقة النظر إلى التاريخ نفسه.
آية ظاهر الذاكرة التي عاشت داخل البيوت

بعيدًا عن الأرشيفات والمؤسسات، تبدأ الذاكرة أحيانًا من مكان قريب: "البيت". في تجربة آية، لم يكن المدخل إلى هذا العالم بحثيًا بقدر ما كان شخصيًا، تشكّل أولًا في طفولتها من خلال علاقتها بمقتنيات جدتها من مجوهرات، وصور احتفظت بها العائلة دون أن تتعامل معها يومًا كمواد أرشيفية. حملت تلك القطع قصصًا من الهوية والذاكرة، وفتحت باب الفضول لمعرفة تفاصيلها وسياقاتها.
لاحقًا، ومع عملها في الأرشفة البصرية واهتمامها بالتصوير وتوثيق القصص المجتمعية، بدأ هذا الفضول يأخذ شكلًا أوضح، ويتحول من اهتمام شخصي إلى ممارسة فعلية في جمع وتوثيق هذه المواد. تقول: "كنت دائمًا أجد في أحاديث النساء وتفاصيل حياتهن اليومية سردًا غنيًا يعكس جوانب من التاريخ لا تُكتب غالبًا". بين ما عاشته في طفولتها وما طورته في عملها، تشكّلت رؤيتها لهذه المواد بوصفها مساحة تكشف ما لم يُوثّق.
مع مرور الوقت، يتضح أن الذكريات العائلية كانت في الحقيقة سجلًا حيًا لتجارب كاملة عاشت داخل البيوت، بعيدًا عن أي توثيق رسمي. هذه المواد لا تقدم تاريخًا محددًا، بل تاريخًا مختلفًا، تُكتب فيه التفاصيل الصغيرة التي لا تجد طريقها إلى السرديات الكبرى. من خلالها، تظهر المرأة الخليجية في حضورها اليومي، في علاقاتها، في اختياراتها، وفي تأثيرها داخل محيطها.
تقول آية: "ما أثّر فيّ بشكل خاص هو ما تكشفه هذه القصص عن قوة النساء وحكمتهن ومكانتهن في المجتمع، وتأثيرهن الواضح فيمن حولهن". كما تكشف هذه المواد عن قوة الترابط بين النساء، وعن روح التعاون والدعم التي كانت حاضرة في المجتمع، حيث لم تكن العلاقة بينهن فردية، بل شبكة من السند والمشاركة، تعكس دورًا محوريًا يتجاوز حدود الأسرة إلى تشكيل المجتمع نفسه.
لكن ما يلفت أكثر هو فكرة الامتداد، حيث لا تتوقف الذاكرة عند جيل واحد، بل تستمر عبر ما يُنقل بين النساء. توضح: "هذا التوارث لا يقتصر على قطعة تُنقل، بل يحمل معه الهوية والذاكرة، وكأن كل جيل يترك أثره في الذي يليه". بهذا المعنى، لا يكون الأرشيف وثيقة محفوظة، بل علاقة مستمرة. علاقة تُبنى عبر ما يُحتفظ به، وما يُروى، وما يبقى حيًا في التفاصيل اليومية.
ومن هنا، ترى آية أن حفظ هذه المواد اليوم ضرورة تتجاوز الحنين، لتصل إلى بناء مرجع يمكن للأجيال القادمة أن تعود إليه لفهم ماضيها واستيعاب جذورها بشكل أعمق.
وتختصر ذلك بوضوح: "الأجيال المقبلة بحاجة إلى تاريخ موثّق ومرجع موثوق تستند إليه"، مستحضرة المقولة التي تلخّص هذا المعنى: "من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل".