مسلسل The Last Thing He Told Me

مسلسل The Last Thing He Told Me… الأشياء التي لا تريد أن تقولها جينيفر جارنر

28 أبريل 2026

في الأعمال التي تُصنَّف ضمن دراما التشويق، لا يكون البطء عيبًا في ذاته… بل قد يكون فضيلة. كثيرًا ما يكون الإيقاع البطيء هو الأداة الأذكى لبناء التوتر الدرامي، وتأجيل الإجابات، ومنح المشاهد مساحة للتورّط النفسي في ما يحدث. لكن هذا الرهان لا ينجح إلا حين تكون عناصر الحبكة قوية بما يكفي.

مسلسل "The Last Thing He Told Me" (آخر ما قاله لي) يبدو، منذ حلقاته الأولى، وكأنه يراهن على هذا النوع من البطء المحسوب. اختفاء غامض، رسالة مقتضبة، وزوجة تُجبر على إعادة اكتشاف كل ما ظنت أنها تعرفه عن حياتها، وهي عناصر كافية — نظريًا — لخلق تجربة مشحونة بالقلق والترقّب.

الغموض في مصيدة الملل

انتهى الموسم الثاني من العمل الذي تبثه منصة Apple TV+ وينتمي إلى نوعية الإثارة والغموض. السيناريو مأخوذ عن رواية الكاتبة (لورا ديف) التي شاركت (جوش سينجر) في تحويل الرواية إلى نص درامي تليفزيوني. في موسمه الأول، وجدت هانا هول (جينيفر جارنر) نفسها مسؤولة عن رعاية بايلي (أنجوري رايس)، ابنة زوجها أوين (نيكولاي كوستر والدو)، بعد اختفاء الزوج المفاجئ.

مسلسل "The Last Thing He Told Me"
مسلسل "The Last Thing He Told Me"

الحكاية في الموسم الثاني لا تتقدم بقدر ما تدور حول نفسها، وكأن كل حلقة تضيف معلومة… دون أن تغيّر وزن ما سبقها. لا يوجد إحساس حقيقي بأن الخطر يتصاعد، أو أن الزمن يضغط على الشخصيات، بل سلسلة من الاكتشافات المتتالية التي تبدو — رغم أهميتها النظرية — منفصلة عن بعضها. حتى الانتقال بين الحاضر والماضي، الذي يفترض أن يكشف تدريجيًا عن هوية أوين ودوافعه، يأتي في شكل معلومات مبعثرة، لا تبني صورة كاملة بقدر ما تؤجلها.

أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يظهر في مشاهد الاقتراب من الانكشاف المتكررة — تلك اللحظات التي تكاد فيها هانا أو الشخصيات الأخرى تُكتشف أو تُفضح، ثم تنجو في اللحظة الأخيرة. في البداية، تبدو هذه المشاهد وسيلة فعالة لخلق توتر سريع، لكن مع تكرارها بنفس الإيقاع والنتيجة، تتحول إلى نمط متوقع، يفقد تأثيره تدريجيًا، ويجعل الخطر يبدو شكليًا أكثر منه حقيقيًا.

الغموض في مسلسل "The Last Thing He Told Me"
الغموض في مسلسل "The Last Thing He Told Me"

هناك لغزٌ ما… لكن دون إحساس مُلحّ بضرورة حله الآن، وهو ما ينعكس مباشرة على تجربة المشاهدة، ويجعل الملل يتسلل تدريجيًا إلى المتفرج.

الشخصيات داخل الفراغ درامي

تتحمل هانا، التي تؤديها (جينيفر جارنر) كممثلة ومنتجة، العبء الأكبر في السرد، ليس فقط لأنها محور الأحداث، بل لأنها البوابة الوحيدة تقريبًا التي يُفترض أن نعبر من خلالها لفهم ما يحدث. شخصية تُلقى فجأة في قلب لغز، وتُجبر على أداء دور المحقق، وتتعلم الفنون القتالية لمواجهة مافيا المخدرات، وهو حل ساذج يضعف من صدق الدراما.

لكن فقر التطور الدرامي يحوّل أداءها إلى سلسلة من الدهشة والتعبيرات السطحية.

الشخصيات داخل الفراغ درامي في المسلسل
الشخصيات داخل الفراغ درامي في المسلسل

هانا تتحرك داخل إطار درامي محدود، لا نرى تحولات داخلية حقيقية، وكأن الشخصية تُدفع للأمام بدافع الحبكة، لا بدافع قرار نابع منها. حتى علاقتها بابنة أوين، التي كان يمكن أن تمثل محورًا عاطفيًا حقيقيًا، تتطور بخطوات سريعة وسطحية، تبدأ بعداء بايلي، الابنة المراهقة، لزوجة أبيها، وتتطور — دون نضج درامي كاف — لعلاقة حب أمومية عميقة.

أما أوين، فيحضر بوصفه لغزًا أكثر منه إنسانًا. وجوده يعتمد على ما يُكشف عنه، لا على ما نراه منه، وهو اختيار درامي مفهوم، لكنه يضعف من أثر الشخصية. حتى مشاهد الماضي لا تضيف طبقات كافية تجعلنا نفهم دوافعه.

 لا يبدو The Last Thing He Told Me عملًا ضعيفًا بقدر ما يبدو عملًا ناقص الجرأة
لا يبدو The Last Thing He Told Me عملًا ضعيفًا بقدر ما يبدو عملًا ناقص الجرأة

تبقى بقية الشخصيات أدوات لتحريك الحدث أكثر من كونها كيانات مستقلة. أداء العميل الفيدرالي جريدي (أوجستو أجيليرا) الجيد يضيع وسط تشوش درامي، والحضور القوي لمحامي المافيا، نيكولاس (ديفيد مورس)، يخفت مع تطور الأحداث، والظهور الخاص للممثلة (ريتا ويلسون) في دور أم البطلة يبدو حشوًا زائدًا لأزمة علاقة أمومية. لا أحد يفرض حضوره الحقيقي على السرد، وهو ما يجعل المسلسل يبدو وكأنه يكتفي بالحد الأدنى من التفاعل الإنساني.

مسلسل "The Last Thing He Told Me"
مسلسل "The Last Thing He Told Me"

وعود الإثارة… لا تتحقق

يُصنَّف المسلسل ضمن أعمال التشويق، لكن مشكلته الأساسية لا تكمن في كونه بطيئًا، بل في كونه يتعامل مع التوتر بوصفه فكرة… أكثر من كونه تجربة تُعاش. فالمسلسل يمتلك، من حيث البناء النظري، كل ما يحتاجه هذا النوع: لغز مركزي، ماضٍ غامض، مافيا عائلية، شخصيات مهددة، وحقيقة تتكشف تدريجيًا. لكن هذه العناصر تظل في مستوى المفهوم، لا تتحول إلى إحساس فعلي ينتقل إلى المشاهد.

التوتر في الأعمال المشابهة لا يُبنى فقط على ما يحدث، بل على الإحساس بأن ما قد يحدث أسوأ. هنا تحديدًا يختل التوازن. فحتى في اللحظات التي يُفترض أن تحمل خطرًا مباشرًا — مطاردات، مواجهات، أو اكتشافات حساسة — يظل الإيقاع متماسكًا إلى حد الهدوء، وكأن العمل يرفض أن يدفع نفسه إلى انتقال حاد. والنتيجة أن المشاهد يتابع الأحداث، لكنه لا يشعر بأنه متورط فيها.

وعود الإثارة… لا تتحقق
وعود الإثارة… لا تتحقق

يتكرر هذا الإحساس مع اعتماد المسلسل على أنماط جاهزة من الإثارة، مثل مشاهد الاقتراب من حل لغز، أو التنقل المستمر بين أماكن مختلفة دون تصعيد حقيقي. هذه الأدوات، التي يُفترض أن تخلق توترًا لحظيًا، تتحول مع التكرار، إلى عناصر متوقعة، تفقد قدرتها على المفاجأة. ومع غياب مفاجآت حقيقية، يصبح الغموض نفسه أقل إلحاحًا، لأن الكشف عنه لا يبدو ضرورة درامية حقيقية بقدر ما يبدو خطوة مؤجلة.

 

حذر... يُضعف التجربة

يتعامل الإخراج مع المزاج الدرامي بحذر واضح، كأنه يخشى أن يبالغ في أي اتجاه: لا يدفع التوتر إلى أقصاه، ولا يسمح للحظات الإنسانية أن تصل للذروة. النتيجة هي أسلوب بصري وإيقاعي متماسك ظاهريًا فقط، لكنه يفتقر إلى الحدة التي يحتاجها هذا النوع من الأعمال.

التصوير يميل إلى اللقطات الهادئة، القريبة، التي تتابع الشخصيات في حركتها اليومية، وهو اختيار منطقي في عمل يحاول أن يركز على الجانب النفسي. لكن هذا التركيز لا يُستثمر بالكامل، لأن الكاميرا تظل مراقِبة… أكثر منها مشاركة. لا يوجد إحساس حقيقي بأن الصورة تضيف طبقة جديدة من المعنى، أو تكشف ما لا تقوله الشخصيات، بل تكتفي بتسجيل ما يحدث.

حذر... يُضعف التجربة
حذر... يُضعف التجربة

المونتاج بدوره يحافظ على هذا الإيقاع المتحفظ. الانتقالات سلسة، لكن دون مفاجآت، والتصعيد — حين يحدث — يأتي تدريجيًا، إلى حد يفقد معه أثره. حتى اللحظات التي يُفترض أن تحمل ذروة، تمرّ بنفس النبرة تقريبًا، وكأن العمل يرفض التمييز بين ما هو عابر وما هو مفصلي.

أما الموسيقى، فتؤدي دورها بوصفها خلفية، لا محركًا للحالة. لا تضغط على المشهد، ولا تحاول خلق توتر إضافي، وهو اختيار قد يبدو واعيًا، لكنه يساهم في ترسيخ الإحساس العام بالحياد العاطفي.

استمرار الحكاية... بلا داعي

في النهاية، لا يبدو The Last Thing He Told Me عملًا ضعيفًا بقدر ما يبدو عملًا ناقص الجرأة. يمتلك عناصر كافية ليكون تجربة مشوقة: لغز محوري، ممثلون قادرون، وبنية درامية قابلة للتصاعد. لكنه يختار أن يظل في منطقة آمنة… وكسولة، حيث لا شيء ينهار تمامًا… ولا شيء يتصاعد بما يكفي.

المفارقة هنا أن هذا الاختيار، الذي قد يكون هدفه الحفاظ على تماسك العمل، هو ما يضعفه. لأن التشويق لا يُبنى على الحذر، بل على المخاطرة، وعلى وضع الشخصيات — والمشاهد معها — في مواجهة احتمالات غير مريحة، وقرارات لها ثمن واضح.

حتى فكرة الامتداد إلى موسم ثانٍ تبدو امتدادًا لنفس هذا المنطق: استمرار الحكاية لا لأنها تحتاج إلى ذلك، بل لأن الغموض لم يُستنزف بالكامل. لكن الغموض، حين لا يرتبط بتجربة شعورية حقيقية، يفقد قيمته مع الوقت، ويتحول إلى دراما استهلاكية تُشاهد لتمضية الوقت.

The Last Thing He Told Me
The Last Thing He Told Me

وهنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: هل ما يحدث يستحق الانتظار؟

وهو سؤال لا يجيب عنه العمل بشكل حاسم، لكنه يتركه معلقًا… بنفس الطريقة الخاملة نفسها التي تعامل بها مع كل شيء آخر.

الصور من حساب Apple TV+

 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.