الرومانسية الفيكتورية… حين تنكسر هيمنة البساطة ويستعاد فائض الشعور

الرومانسية الفيكتورية… حين تنكسر هيمنة البساطة ويستعاد فائض الشعور

22 أبريل 2026

تدخل الموضة الفاخرة مرحلة إعادة تموضع واضحة، موجة البساطة التي امتدت لسنوات فرضت نظاماً بصرياً قائماً على الاختزال، على الحياد، على تهذيب الحضور حتى حدّه الأدنى. هذا الامتداد بلغ ذروته، وفتح في المقابل انعطاف معاكس تماماً: عودة إلى الكثافة، إلى الصورة المشبعة بالتفاصيل، إلى العاطفة بوصفها مادة تصميم. من هنا، يتصاعد حضور الرومانسية الفيكتورية، لا كاقتباس تاريخي، وإنما كحالة مزاجية كاملة، تميل إلى الظلمة، إلى الغموض، إلى دراما بصرية تعيد للجسد حضوره المركّب.

من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة

هذه العودة تحمل موقفاً واضحاً ضد ما عُرف بالفخامة الصامتة. اللون يعود، القماش يستعيد وزنه، والخطوط الظلية تخرج من انضباطها الصارم نحو تشكيلات أكثر تعقيداً. الفستان لم يعد قطعة هادئة تؤدي وظيفة، وإنما مساحة سرد، تُبنى عبر طبقات، عبر شدّ وإرخاء، عبر تباين محسوب بين الصلابة والسيولة. هنا، تدخل عناصر العصر الفيكتوري بوصفها أدوات بناء: الدانتيل، الياقات المرتفعة، الأكمام المنتفخة، والكورسيه، جميعها تعمل كهيكل بصري يعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والقطعة.

من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة

ضمن هذا السياق، قدّم "ديور" تحت إدارة "جوناثان أندرسون" الإبداعية معالجة لافتة لاستحضار الـbustle skirt، ذلك العنصر المرتبط مباشرة بأواخر القرن التاسع عشر، حيث يتحول الجزء الخلفي من التنورة إلى كتلة معمارية قائمة بذاتها. هذه العودة لا تقف عند حدود الإحياء، وإنما تفتح حواراً مع ذاكرة "جون غاليانو"، حيث تُستعاد روح التعقيد البصري، وتُعاد صياغتها ضمن حس معاصر يوازن بين الدراما والانضباط.

من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
الممثلة Mia Goth بتصميم خاص من Dior في حفل Vanity Fair Oscar Party. الصورة من AFP
الممثلة Mia Goth بتصميم خاص من Dior في حفل Vanity Fair Oscar Party. الصورة من AFP
الممثلة Mia Goth بتصميم خاص من Dior في حفل Vanity Fair Oscar Party. الصورة من AFP
الممثلة Mia Goth بتصميم خاص من Dior في حفل Vanity Fair Oscar Party. الصورة من AFP

لفهم هذا التوجه، يجب العودة إلى جوهر العصر الفيكتوري نفسه. الأزياء في تلك الحقبة اتسمت بكثافة رمزية واضحة، بعيدة عن أي حياد أو بساطة شكلية. الكورسيه شكّل الجسد وفق معايير دقيقة، خلق انحناءة حادة بين الخصر والصدر، وفرض حضوراً قائماً على الانضباط. الياقات المرتفعة عكست مفهوماً صارماً للوقار، في حين عملت طبقات الدانتيل والتطريز على بناء سطح بصري غني، يكاد يلامس الزخرفة المعمارية. أما الـbustle، فقد أعاد توزيع الكتلة نحو الخلف، مانحاً الحركة بعداً مسرحياً واضحاً.

هذه العناصر تعود اليوم، معاد تفكيكها وإعادة تركيبها. لدى "الكسندر مكوين"، يتحول الكورسيه إلى أداة نحت دقيقة، يحدد الخطوط دون أن يقيد الحركة، ويُستخدم كوسيلة لإبراز التوتر بين القوة والهشاشة. أما "ارديم"، فيغوص في الجانب الأكثر شاعرية، حيث تُستخدم الياقات العالية والدانتيل ضمن سرد بصري يستدعي الذاكرة، ويعيد تقديمها ضمن إيقاع معاصر مشبع بالحس الرومانسي.

من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Erdem خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Alexander McQueen  خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Alexander McQueen  خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة

اللافت في هذه العودة أنها لا تنحصر في الشكل، وإنما تمتد إلى المعنى. الرومانسية هنا لا تُقرأ بوصفها نعومة، وإنما ككثافة شعورية، كميل نحو استعادة العمق داخل زمن سريع. الظلمة التي تلوّن هذا التوجه تحمل بعداً جمالياً وفكرياً، حيث تتحول القطعة إلى مساحة تأمل، إلى بناء بصري يرفض الاختزال.

المشهد الحالي يكشف عن رغبة صريحة في إعادة التوازن داخل الموضة الفاخرة. البساطة أدت دورها، وفرضت نظامها، ثم تركت فراغاً يحتاج إلى امتلاء. الرومانسية الفيكتورية تدخل هذا الفراغ بقوة، تعيد تعريف الفخامة عبر التعقيد، وتمنح الأزياء مساحة لتروي قصصها مجدداً، بصوت أعلى، وبصورة أكثر كثافة.

من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للملابس الجاهزة

 

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية