خاص "هي": قراءة في معنى الاستدامة.. لماذا يبقى القديم من ذهب؟
بقلم: رائدة الأعمال رومي نصّار
تحمل الأزياء سحرها الخاص، سواء كانت معاصرة أم عتيقة. لكن في القطع الفنتج تحديدا، عمق ينبع من الزمن، والحرفية، والتاريخ. عاشت قبلنا، وفي ذلك شيء من الرومانسية. وفي المقابل، قد تبدو أزياء اليوم أكثر جرأة وابتكارا، لكنها أحيانا تمضي بسرعة، فلا تستطيع أن تترك الأثر العاطفي ذاته. أما الأزياء العتيقة، فتميل إلى الحميمية، وفيها روح وعلاقة شخصية. العثور على قطعة قديمة يتطلب وقتا، ورحلة بحث مميزة، خصوصا حين ندّخر مبلغا معيّنا لنقتنيها ونحن ندرك أننا قد لا نستطيع العثور عليها مرة أخرى.
لا أدّعي معرفة واسعة بعالم الاستدامة في الأزياء اليوم. لكن ما ألاحظه هو أن هذا المصطلح يُستخدم أحيانا بطريقة غير صادقة تماما. تحوّل إلى كلمة رائجة، تلجأ إليها علامات كثيرة لأغراض تسويقية أكثر من كونها التزاما حقيقيا. ربما حان الوقت لتجاوز المصطلح بحد ذاته، والتركيز بدلا من ذلك على الممارسات الفعلية، والشفافية، والمساءلة. بالنسبة إلي، لا تنحصر الاستدامة بالصيحات أو المواد فقط، بل تقوم على الاستمرارية.
عندما أجرّب ملابس جديدة، سواء كانت من دار معروفة أم لا، ألاحظ أن الهيكلية باتت أقل حضورا. القطع العتيقة تتعامل مع الجسد بطريقة مختلفة تماما؛ تحتضنه، تشكّله، وتبرز جماله بطريقة أو بأخرى. في الماضي، صُنعت الملابس لتدوم. كانت قطع والدتي مثلا تُرتدى وتُصلّح مرارا، وهو ما نفتقده اليوم إلى حدّ كبير. وحتى مع استخدام الأقمشة الصناعية، أرى أنها قد تكون أكثر استدامة من ألياف طبيعية نستهلكها سريعا ونرميها، لأن القطعة المتقنة لا ينتهي بها المطاف في مكبّات النفايات، بل ترافقك لسنوات وتغنيك عن الاستهلاك المتكرر. لهذا أؤمن بأن القديم أحلى أو القديم ذهب كما تقول المقولة الإنجليزية الشهيرة. والصعب اليوم هو ابتكار منتج يدوم ويحترم من يرتديه، ولا يعتمد على فكرة الاستبدال المستمر.

عند اختيار القطع الفنتج، أعود دائما إلى الحرفية قبل الاسم. ما يصنع الفرق الحقيقي هي المادّة، والقصّة، والبنية، لا العلامة التجارية. القطعة المتقنة تبقى، وتتجاوز تبدّل الصيحات ودورات الموضة المتسارعة. ربما اعتدنا أن ننظر أولا إلى الاسم، لكن ما إن يتغيّر هذا التوجّه ونبدأ بالنظر إلى كيفية صنع القطعة، حتى يتغيّر فهمنا للقيمة بالكامل. إن بعض أكثر القطع تأثيرا لا تحمل توقيعا حتى، ومع ذلك نلمس جودتها منذ اللحظة الأولى.
من المهم أيضا أن تكون البداية مع قطع تحمل حضورها الخاص. لا
أكثر ما يجذبني في الأزياء العتيقة هو ما تحمله من حكايات. كل قطعة تختزن شيئا ما، وإن لم نعرف من أين أتت بالضبط. يكفي أن تشعري بأنها تنتمي إلى زمن آخر، إلى حياة أخرى، وأعتقد أن هذا وحده يغيّر طريقة ارتدائها. تصبح العلاقة معها أكثر شخصية، وأكثر وعيا. أحيانا تنجذبين إلى قطعة من دون أن تعرفي السبب، ثم تكتشفين لاحقا أنها تعكس جانبا منك، أو شيئا كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة. هذا هو الإحساس الذي أبحث عنه دائما أثناء التسوّق.
لا بدّ من أن نكون واقعيين. فليس كل ما هو قديم يستحق الاحتفاظ به. يجب أن نفهم أصالة القطعة، وحالتها، وما يمكن إصلاحه وما لا يمكن. التعديلات البسيطة أو الإصلاحات الخفيفة جزء من سحر الأزياء العتيقة، بل ومن استدامتها أيضا. لكن هناك قطعا تضرّرت إلى حدّ لا يسمح بارتدائها.
أحب مزج الأزياء العتيقة بقطع معاصرة، لأن ذلك يجعلها ملائمة ليومنا، ويبقيها حيّة بدل أن تبدو وكأن الزمن عفا عليها.
بالنسبة إلى الاستثمار، يعتمد الأمر على النيّة قبل أي شيء. صحيح أن القطع التي تحمل توقيع دور معروفة، قد تحتفظ بقيمتها، تاريخيا وماديا، لكنني أؤمن أيضا بأن القطع التي ليست من علامات شهيرة، قد تكون بالقوة ذاتها، بل وربما أكثر تفرّدا، لأنها مختارة لجمالها وحرفيتها، لا للاسم المطبوع عليها. بالنسبة إلي، الأهم هو أن تستثمري فيما يحرّك شيئا فيك، فالعلاقة العاطفية مع القطعة لا تقلّ أهمية عن اسم ماركتها. وبصراحة، لا أنظر إلى الموضة كاستثمار مادي بحت، على الرغم من أنها قد تكون كذلك أيضا. ما يعنيني أكثر هو ما يبقى، وما يدوم، وما يحافظ على معناه مع الوقت.