الفنانة السعودية نورة سحمان

الفنانة السعودية نورة سحمان في عمل فني خاص لـ"هي": من يد إلى يد.. نعيد بناء الروابط

17 أبريل 2026

كبرت وأنا أرى الجمال في أشياء بسيطة في ظل نخلة، في امتداد الصحراء، في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها الجميع، لكنها باقية. هذا النوع من الجمال هو ما شكّل علاقتي بالفن. ليس كشيء منفصل عن الحياة، بل كجزء منها، كامتداد لها.

الفن بالنسبة لي يشبه الصحراء، هادئ من بعيد، لكنه مليء بالقصص لمن يقترب. كل خط، كل لون، كل فراغ، يحمل معنى حتى إن لم يُفهم مباشرة. وفي عالم يتسارع فيه كل شيء، وتزداد فيه المسافات رغم قربنا الرقمي، يبقى الفن واحدًا من أصدق الوسائل التي تعيدنا إلى جوهرنا الإنساني. ليس الفن مجرد تعبير جمالي أو وسيلة للترفيه، بل هو لغة مشتركة تتجاوز الحدود، "ويد" تُعيد بناء الروابط داخل المجتمعات.

عندما بدأت العمل على هذا العمل الفني، بتكليف من مجلة "هي" وجدت نفسي أعود لفكرة “اليد”.  اليد في ثقافتنا ليست مجرد أداة بل رمز للكرم، للعمل، وللحضور الحقيقي. يد تُقدّم القهوة، يد تُحيّي، يد تبني، ويد تحمي. وربما لهذا أشعر أن الفن، في جوهره، هو فعل يد، من خلال لوحة، أو قطعة خزف، أو تصميم، أو حتى كلمة مكتوبة، يمكن للفنان أن يعبّر عن مشاعر جماعية، عن أفراح وآلام، عن قصص قد لا تُروى بغير هذا الشكل. هذه القدرة على التعبير تجعل الفن أداة قوية لبناء التعاطف، وهو أول خطوة نحو مجتمع أكثر ترابطًا.

الفنانة السعودية نورة سحمان

لكن ما يجعل الفن أكثر تأثيرًا هو حين يُستخدم كوسيلة لخدمة المجتمع. هنا لا يقتصر دور الفنان على الإبداع فقط، بل يمتد ليصبح جزءًا من منظومة دعم حقيقية. قد يكون ذلك من خلال مبادرات فنية تهدف إلى تمكين الحرفيين المحليين، أو ورش عمل تُقدَّم للأطفال والشباب، أو حتى أعمال فنية تُباع ويُخصص ريعها لأعمال خيرية. وبذلك يتحول الفن من منتج فردي إلى فعل جماعي.

مدّ يد العون من خلال الفن لا يعني بالضرورة مبادرات كبيرة أو معقدة. أحيانًا، أبسط الأفعال تحمل أعمق الأثر. مشاركة المعرفة، دعم فنان ناشئ، تسليط الضوء على حرفة تقليدية، أو حتى اقتناء عمل فني من صانع محلي، كلها أشكال من الدعم التي تُسهم في استدامة الإبداع داخل المجتمع. هذا النوع من الدعم لا يُعزز الاقتصاد الإبداعي فحسب، بل يحفظ أيضًا الهوية الثقافية ويمنحها فرصة للاستمرار والتطور.

في مجتمعاتنا، حيث تلعب الثقافة والتراث دورًا أساسيًا في تشكيل الهوية، يصبح للفن دور إضافي يتمثل في الحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة. عندما يعمل الفنانون مع الحرفيين، أو يستلهمون من البيئة المحلية، فهم لا يخلقون فقط أعمالًا جميلة، بل يُوثّقون قصصًا ويُحيون تقاليد قد تندثر. وهنا، يصبح دعم هذه الجهود مسؤولية مشتركة من الفنان، ومن المجتمع، ومن المؤسسات.

الفنانة السعودية نورة سحمان

كما أن للفن قدرة فريدة على خلق مساحات آمنة للحوار. من خلال المعارض، أو المشاريع المجتمعية، أو حتى المنصات الرقمية، يمكن للفن أن يفتح نقاشات حول قضايا مهمة، ويمنح صوتًا لمن قد لا يُسمع صوتهم. هذه المساحات تُعزز الفهم المتبادل، وتُقرّب وجهات النظر، وتُسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وانفتاحًا.

ولا يمكن الحديث عن دعم المجتمع دون التطرق إلى البعد الإنساني المباشر. في أوقات الأزمات، كثيرًا ما نرى كيف يتقدم الفنانون للمساهمة سواء من خلال حملات توعوية، أو أعمال تُخفف من وطأة الواقع، أو مبادرات تجمع الناس حول هدف مشترك. الفن هنا يصبح وسيلة للشفاء، للتماسك، ولإعادة الأمل.

الفنانة السعودية نورة سحمان

أؤمن شخصيا أن العلاقة بين الفن والمجتمع علاقة متبادلة. أن دعم المجتمع من خلال الفن هو طريق ذو اتجاهين. فكما يُقدّم الفنان، فهو أيضًا يتلقى. يتلقى الدعم، والإلهام، والانتماء. هذه العلاقة المتبادلة هي ما يُغذّي العملية الإبداعية ويجعلها أكثر صدقًا وعمقًا. عندما يشعر الفنان بأنه جزء من مجتمعه، وأن عمله له قيمة وتأثير، فإنه يُبدع بطريقة مختلفة—أكثر ارتباطًا، وأكثر إنسانية.

واخيرا، ربما لا يحتاج الأمر إلى مبادرات ضخمة أو موارد كبيرة. ما نحتاجه هو نية صادقة، ورغبة في المشاركة، وإيمان بأن لكل فرد دور يمكن أن يلعبه. الفن يمنحنا هذه المساحة، مساحة لنعبّر، لنتواصل، ولنُساند بعضنا البعض. أن يكون الفن وسيلة لربط الإنسان بالإنسان، وبناء مجتمع أكثر دفئًا، وأكثر وعيًا، وأكثر إنسانية.

ومن يدٍ إلى يد، ينتقل هذا الشعور ويكبر.

الفنانة السعودية نورة سحمان