خاص لـ"هي": ليست مجرد حنين.. كيف تحول ميساء شلدان سعف النخيل والمعادن إلى ذاكرة حية؟
في وقت يتجه فيه الفن المعاصر نحو السرعة والتقنية، تختار الفنانة التشكيلية السعودية ميساء شلدان مسار مختلف أبطأ، مرتبط بالجذور. لا تتعامل مع المادة كوسيط فني فحسب، بل كحامل لذاكرة متراكمة، تقرأ من خلالها ما تركه الزمن في الأرض وما اختزنته التفاصيل اليومية من أثر.
في هذا اللقاء مع "هي"، تكشف شلدان عن علاقتها بالمادة، وعن ممارستها التي تنطلق من فهم عميق للذاكرة والبيئة، حيث تتحول أعمالها إلى مساحات تأملية تعيد طرح أسئلة الهوية والاستدامة بعيدًا عن الطرح المباشر أو السطحي.

تفتتح ميساء شلدان حديثها مع "هي" بتوصيف عميق لمسيرتها التي لا تراها مجرد تراكم لأعمال فنية، بل "رحلة بحث في الذاكرة"، مؤكدة أنها لا تنظر للذاكرة كإرث جامد نكتفي بالاحتفاظ به، بل ككيان حيّ يتنفس بيننا.
وفي هذا السياق، تقول لـ "هي": "أعمل عند تقاطع الفن المفاهيمي مع التجريب المادي، لكنني لا أتعامل مع المادة كخامة عادية، بل كشيء يحمل أثرًا إنسانيًا متراكمًا". وتضيف موضحة فلسفتها في الربط بين النوستالجيا والواقع: "بالنسبة لي، النوستالجيا ليست حنينًا للماضي، بل طريقة لفهم هذا الأثر واستحضاره في الحاضر".
هذا النضج الفلسفي انعكس بشكل جلي في أعمالها الأخيرة مثل She’s Hiding in a Cocoon وEarth Symphony، حيث تشرح لـ "هي" كيف تبدلت رؤيتها الفنية لتصبح أكثر شمولية، إذ لم يعد المعنى والشكل لديهما مرحلتين منفصلتين، بل تجربة واحدة تتكون مع الوقت.

وحول هذا التحول، تقول: "أصبحت أهتم بالمسار الذي يمر به العمل، من الفكرة إلى المادة إلى تفاعل المتلقي، وكأن العمل لا يكتمل إلا بهذه الرحلة كاملة.. تركيزي اليوم بات منصباً على التجربة التي يعيشها الإنسان داخل العمل، وليس فقط على ما يراه".
وعند الانتقال للحديث عن مشاركتها في "طويق للنحت 2026"، تبرز قدرتها على تطويع المساحات الضخمة دون فقدان "الروح" أو البعد الإنساني. فبالنسبة لها، العمل في الفضاء المفتوح هو تحدٍ للحفاظ على علاقة العمل بالإنسان والمكان.
وتؤكد لـ "هي": "تعاملت مع العمل كتجربة يمكن الإحساس بها والدخول فيها، حتى في فضاء مفتوح.. يهمني أن يشعر الإنسان أنه داخل العمل، لا أمامه فقط".
أما في استحضارها للرموز التراثية، كما في عملها Bride’s Plateau الذي وظفت فيه "الرشرش"، فهي ترفض النقل الحرفي للنقوش، بل تبحث عن "القصة الكامنة" خلفها. وفي هذا الصدد، توضح: "أتعامل مع النقش كمصدر إلهام، لا كعنصر ثابت، وأحاول إعادة صياغته بطريقة تجعله معاصرًا وقريبًا من الإنسان اليوم.. ما أبحث عنه ليس شكل النقش، بل ما بقي حيًا من قصته داخلنا".
هذا الارتباط الوثيق بالإنسان هو ما يدفعها لجعل المتلقي "حاملاً للذاكرة" وليس مجرد مشاهد، مؤكدة أن إحساس الشخص بالعمل أهم لديها من تفسيره، فـ "المتلقي لا يقرأ العمل، بل يشعر به.. ويحمله معه".

وفي قلب موضوع "الاستدامة"، تقدم الفنانة رؤية غير تقليدية تتقاطع مع عددنا الحالي، حيث تترك موادها مثل "المعادن المؤكسدة" تتغير مع الزمن كجزء من العمل الفني.
وعن هذا التوجه، تقول لـ "هي": "هذه التحولات تذكرنا أن المادة ليست ثابتة، بل تمر بتجارب مثلنا، وتتأثر بما يحيط بها.. أترك مساحة لهذه التغيرات لتكون جزءًا من العمل، وكأنها تكمل قصته مع الوقت".
ويمتد هذا المفهوم ليشمل استخدام "النخيل"، الذي تراه وسيلة لاستعادة قصص العمل والبيت والتعاون اليومي، مشيرة إلى أن "العودة إلى النخيل مرتبطة بالناس أكثر من كونها مرتبطة بالمادة نفسها".
وتختتم الفنانة حديثها لـ "هي" بتعريف جديد للاستدامة، يتجاوز الطرح البيئي التقليدي ليصبح نمط تفكير، مؤكدة أن "العمل المستدام هو الذي يراعي دورة حياة المادة ويعيد تقديمها بطريقة تحمل معنى".
ومع تزايد الوعي المحلي بالفن المفاهيمي، تراهن الفنانة على صدق التجربة وقربها من الإنسان كجسر للوصول إلى الجمهور، قائلة: "الجمهور اليوم أكثر انفتاحًا وفضولاً لاكتشاف معانٍ جديدة، وكلما كان العمل صادقًا، كان الوصول أعمق".