خاص لـ"هي": د. منيرة السبيعي تقرأ ما لم يُقرأ في التراث النسائي

خاص لـ"هي": د. منيرة السبيعي تقرأ ما لم يُقرأ في التراث النسائي

9 أبريل 2026

في مشهد فني يتجه نحو التخصص، تختار د. منيرة إبراهيم السبيعي مسارًا مختلفًا، يقوم على التداخل بين الحقول بدل الفصل بينها. تجربتها لا تُقرأ من خلال وسيط واحد، بل من خلال علاقة مركبة بين الشعر والفن التشكيلي. تمتلك السبيعي على دكتوراه في اللسانيات والتواصل في مجال التبادل الثقافي من جامعة عبد المالك السعدي في المملكة المغربية، وباحثة في التراث الثقافي الخليجي. 

في هذا الحوار، نبحر مع د.السبيعي في حضور التراث والموروث الشفهي في أعمالها، وكيف تعيد قراءتهما وتحويلهما إلى لغة بصرية معاصرة، إلى جانب علاقتها بالنص الشعري، وانعكاس البحث الأكاديمي على ممارستها، وحضور المرأة والانتماء في أعمالها.

منيرة السبيعي
د. منيرة السبيعي والعمل الفني " جال الرفاع " في معرض كوليكت في حي جاكس، الدرعية

الكلمة والصورة: بداية الحوار

في أعمالها، تتشكل العلاقة بين الشعر والفن البصري كحوار مستمر، لا يقوم على أولوية أحدهما على الآخر، بل على تكاملهما. تقول: "أؤمن أن اللغة، بصيغها المختلفة، هي جوهر التعبير الإنساني. في تجربتي، يتشكل حوار عضوي بين الكلمة والصورة؛ فالشعر يمنح العمل عمقه الرمزي والوجداني، بينما يترجم الفن البصري هذا البعد إلى لغة لونية محسوسة. لا أرى أن أحدهما يقود الآخر بقدر ما أراهما يتكاملان، حيث تتداخل الكلمة واللون لتشكلا معًا خطابًا بصريًا وشعريًا واحدًا يعكس الهوية الثقافية ويمنحها بعدًا معاصرًا."

الانتماء: نقطة الانطلاق

وسط هذه التداخلات، يبقى الانتماء عنصرًا ثابتًا في تجربتها، كأساس تنطلق منه الرؤية الفنية في مواجهة التحولات الثقافية المتسارعة. تقول: "الانتماء بالنسبة هو أساس تنطلق منه التجربة الفنية. في ظل التحولات المتسارعة، يصبح الحفاظ على الهوية الثقافية ضرورة إبداعية، وليس فقط موقفًا فكريًا. أحاول في أعمالي أن أوثق هذا الانتماء وأعيد صياغته بصريًا، بحيث يجمع بين الذاكرة والتراث من جهة، والوعي المعاصر من جهة أخرى."

ما لم يُقرأ بعد في التراث النسائي

ضمن هذا الإطار، تبرز قراءتها للتراث النسائي بوصفه أحد أكثر المساحات ثراءً وتعقيدًا، ليس فقط لما يحمله من عناصر جمالية، بل لما يخفيه من طبقات وجدانية لم تُستكشف بشكل كافٍ.

تقول: "التراث النسائي في الخليج ثري ومتعدد الأبعاد، ويشكل مصدر إلهام كبير لي، خصوصًا في الموروث الشفهي مثل الشعر، والأهازيج، والحكايات الشعبية. كما تلفتني جماليات الحرف والصناعات التقليدية وما تحمله من تفاصيل لونية وشكلية تعكس حس المرأة الخليجية.

منيرة السبيعي
العمل الفني " وجه عانق البرقع" من ليالي المحرق

ما أراه بحاجة إلى مزيد من الاهتمام هو البعد النفسي والوجداني لهذا التراث؛ تلك المشاعر والتجارب التي عاشتْها المرأة وانعكست في ما أنتجته من أشكال وأصوات، لكنها لم تُقرأ بعد بالعمق الذي تستحقه."

التراث: من الحضور إلى إعادة التشكيل

ومن هذه العلاقة، تتجه د. منيرة إلى التعامل مع التراث، كمساحة مفتوحة لإعادة القراءة. ليصبح جزءًا من عملية تفكيك وإعادة البناء. تقول: "بدأ اهتمامي بالتراث من خلال تجربتي الشعرية وارتباطي العميق بهويتي الخليجية. بالنسبة لي، التراث ليس مجرد مصدر إلهام، بل مساحة مفتوحة لإعادة القراءة والتأمل."

وتكمل:" أتعامل معه بوصفه ذاكرة حية تتجلى في اللغة والصوت والشكل واللون، وأحاول من خلال أعمالي استكشاف أبعاده الإنسانية والجمالية، وإعادة تقديمه ضمن رؤية معاصرة تحافظ على أصالته وتمنحه حضورًا جديدًا."

المرأة: حضور يتجاوز التمثيل

ضمن هذا الإطار، تحضر المرأة في أعمالها بصفتها عنصر مركزي في بناء السرديات البصرية والشعرية، يمتد من التجربة الشخصية إلى البعد الثقافي الأوسع. 

تقول: "المرأة حاضرة في أعمالي كرمز وذاكرة وتجربة إنسانية متكاملة. هي امتداد لخبرة شخصية وروحية، وفي الوقت ذاته تعبير عن دورها العميق في تشكيل الثقافة الخليجية. أرى في المرأة مصدرًا غنيًا للسرديات البصرية والشعرية، لما تحمله من تنوع في التجارب والمشاعر، وقدرة على التأثير في البناء الاجتماعي والثقافي."

منيرة السبيعي
مجموعة من الأعمال المطبوعة بعنوان " نقطة في بحر"

وتؤكد: "بالتأكيد، لا تزال هناك العديد من السرديات النسائية التي لم تُروَ بعد، خاصة تلك المرتبطة بالتجارب اليومية والداخلية للمرأة. هذه المساحات غير المكتشفة تمثل فرصة مهمة لإعادة النظر في حضور المرأة داخل المشهد الفني، ومنح صوتها مزيدًا من العمق والوضوح."

بين المحلية والعالمية: الحفاظ على التوازن

ومع انتقال أعمالها إلى فضاءات عرض أوسع، يبرز تحدي الحفاظ على هذا الصوت دون أن يفقد خصوصيته، وهو ما تتعامل معه كجزء أساسي من ممارستها.  تقول:" أحرص على أن يظل عملي مرتبطًا بجذوره الثقافية، حتى وهو يُعرض في سياقات عالمية. الخصوصية لا تعني الانغلاق، بل القدرة على تقديم تجربة صادقة ومتماسكة، قادرة على التواصل مع الآخر دون أن تفقد هويتها.

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.