اضطراب النوم في أوقات الأزمات: استراتيجيات نفسية للراحة تقدمها أخصائية نفسية عبر "هي"
تأثير الأزمة الحالية على صحتنا لا يقتصر على جانبٍ واحد، بل يمتد إلى الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية معًا. والأزمات — سواء كانت صراعًا، أو ضغوطًا اقتصادية، أو كوارث طبيعية — تُحدث سلسلةً مترابطة من الآثار التي تتفاقم مع الوقت، إذا لم تُدار بشكلٍ صحيح. وتُظهر المعلومات المتاحة عالميًا أن الأزمات تُضعف الأنظمة الصحية، تزيد الاضطرابات النفسية، وتؤثر على جودة الحياة بشكل واسع.
تُؤثر فترات الصراع وعدم اليقين العالمي تأثيرًا عميقًا على الجهاز العصبي البشري، ومن أكثر عواقبها شيوعًا وفوريةً اضطراب النوم. ففي أوقات الأزمات، من الطبيعي أن يُعاني الناس من صعوباتٍ في النوم، الاستيقاظ المتكرر، الأحلام الواضحة، أو الشعور بالإرهاق الشديد مع فرط النشاط. هذه الاستجابات هي طريقة استجابة الجهاز العصبي للتنبيهات والتهديدات المحتملة، ولذلك تُعدَ هذه الأعراض طبيعية جدًا في مثل هذه الأوقات. إن فهم سبب تأثر النوم يُساعد الناس على التعامل مع أنفسهم بتعاطفٍ أكبر واتخاذ خطوات عملية لاستعادة الشعور بالهدوء.
تشرح الدكتورة جين هالسال، أخصائية نفسية استشارية معتمدة ومقيمة لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في عيادة كورنرستون دبي، لتأثير الأزمة التي نمرَ بها حاليًا على أنماط النوم، وكيفية معالجتها، كي نستعيد الراحة والإطمئنان اللذين نجنيهما عادةً من دورة النوم الطبيعية.
تأثير الأزمات على النوم وجودته
عندما نتعرضُ لمعلوماتٍ مُهددة، سواء بشكلٍ مباشر من خلال تجاربنا الشخصية أو غير مباشر من خلال الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، يتم تنشيط نظام كشف التهديدات في الدماغ. وتُرسل اللوزة الدماغية، المسؤولة عن رصد الخطر، إشاراتٍ إلى الجسم لإفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين.
هذه الاستجابة مفيدة في حالات الخطر المباشر، لكنها تصبح إشكالية عند استمرارها. فارتفاع مستوى الكورتيزول في الجسم يُعيق إنتاج الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم. ونتيجةً لذلك، يبقى الدماغ في حالة تأهبٍ قصوى، مما يصعب معه الاسترخاء ليلاً.
إضافةً إلى ذلك، يُغذي عدم اليقين، التفكير المُفرط. فعندما يشعر الإنسان بفقدان السيطرة على الأحداث الخارجية، يحاول عقله باستمرار إيجاد حلولٍ للمشاكل؛ وللأسف، غالباً ما يصبح وقت النوم اللحظة التي تطفو فيها هذه الأفكار بقوة.

تطبيع التجربة
من أهم الخطوات الأولى المفيدة هي تطبيع التجربة. ففي فترات عدم الاستقرار، يُعدَ اضطراب النوم استجابةً نفسية شائعة جداً. وتُظهر الدراسات التي أُجريت بعد الأزمات العالمية الكبرى، بما في ذلك الأوبئة والنزاعات، استمرار الزيادة في الأرق والقلق الليلي.
إن اعتبار اضطراب النوم استجابةً طبيعية للتوتر، يُمكن أن يُقلَل من القلق الثانوي، أي القلق بشأن عدم النوم، والذي غالباً ما يُفاقم الأرق.
تقنيات نفسية لتعزيز جودة النوم
مع أننا لا نستطيع التحكم في الوضع العالمي العام، إلا إنه بإمكاننا التأثير على كيفية استجابة جهازنا العصبي. وهناك العديد من الاستراتيجيات النفسية القائمة على الأدلة، التي يمكن أن تساعد في دعم النوم خلال أوقات التوتر الشديد.
1. إنشاء "منطقة عازلة نفسية" قبل النوم
في حالات الأزمات، يتعرض الكثير من الناس باستمرار لتحديثات الأخبار. ومع ذلك، يحتاج الدماغ بعض الوقت للانتقال من حالة اليقظة إلى حالة الأمان.
تتمثل إحدى الاستراتيجيات المفيدة في إنشاء منطقةٍ عازلة لمدة 60 دقيقة قبل النوم، حيث يتمَ تقليل التعرض للمعلومات المزعجة. وهذا يعني إيقاف تنبيهات الأخبار، الحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجنَب المحادثات المتعلقة بالنزاعات في وقتٍ متأخر من المساء. بدلاً من ذلك، انخرطي في أنشطة مهدئة تُشعر الجهاز العصبي بالأمان، مثل القراءة، أو تمارين التمدد اللطيفة، أو الاستحمام بماء دافئ، أو الاستماع للموسيقى.
2. تهدئة الجسم من خلال التنفس المنتظم
غالبًا ما يبقى الجسم نشطًا فسيولوجيًا حتى عندما نرغب في الراحة. تساعدُ تقنيات التنفس البطيء على تحفيز الجهاز العصبي اللاودي، وهو الجزء المسؤول عن الاسترخاء والتعافي.
إحدى التقنيات البسيطة هي التنفس من 5 إلى 10 ثوانٍ:
• استنشقي من الأنف لمدة 5 ثوانٍ
• أخرجي الزفير ببطء لمدة 10 ثوانٍ
• كرَري ذلك لعدة دقائق.
يُحفَز الزفير المطوّل العصب المُبهم، مما يُساعد على خفض معدل ضربات القلب وتهدئة استجابة الجسم للتوتر.
3. احتواء القلق من خلال "وقتٍ مُحدد للتفكير"
عندما تتراكم المخاوف خلال اليوم، غالبًا ما تطفو على السطح ليلًا. من الاستراتيجيات المعرفية المفيدة تخصيص 15 دقيقة في وقتٍ مبكر من المساء كـ"وقت مُحدد للقلق".
خلال هذه الفترة، دوّني مخاوفكِ أو أسئلتكِ. ليس الهدف بالضرورة حلها، بل التعبير عنها. تُشير الأبحاث إلى أن تدوين المخاوف يُقلَل من الاجترار الذهني ويُسهّل على الدماغ الاسترخاء قبل النوم. من الجيد اقتناء دفتر يوميات والبدء في هذا التمرين الكتابي يوميًا.
4. الحفاظ على روتين يومي ثابت
في البيئات غير المستقرة، يُوفر الروتين اليومي للدماغ إشارات الأمان والاستقرار. لذا يُساعد الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس الوقت، تقريبًا كل يوم، على تنظيم الساعة البيولوجية.
كما أن التعرض لضوء الصباح، ولو لمدة 10-15 دقيقة في الهواء الطلق، يُساعد على إعادة ضبط دورة النوم، الاستيقاظ وتحسين جودة النوم لاحقًا في المساء.
5. خفض قلق النوم
من المفارقات، أنه كلما حاولنا إجبار أنفسنا على النوم، كلما أصبح النوم أصعب. فإذا لم ننم بعد حوالي 20 دقيقة، قد يكون من المفيد النهوض لفترةٍ وجيزة وممارسة نشاطٍ هادئ في إضاءةٍ خافتة حتى يعود النعاس. هذه الطريقة تمنع ربط السرير بالإحباط أو الأرق.
6. دعم الأطفال والأُسر
الأطفال حساسون بشكلٍ خاص للإشارات العاطفية من البالغين. لذا، يُنصح بالحفاظ على روتين مسائي هادئ، الحد من التعرض لوسائل الإعلام المُزعجة، وتقديم الدعم النفسي لهم.
يمكن أن يساعد النوم المنتظم في حماية شعورهم بالأمان. ممارساتٌ بسيطة مثل القراءة معًا، تمارين التنفس اللطيفة، أو التأمل في مشاعر الامتنان قبل النوم، تدعم التنظيم العاطفي لدى الأطفال والبالغين على حد سواء.

متى يجب طلب دعمٍ إضافي؟
إذا استمر اضطراب النوم لعدة أسابيع وبدأ يؤثر بشكلٍ ملحوظ على المزاج، أو التركيز، أو الأداء اليومي؛ فقد يكون الدعم المتخصص مفيدًا. تُعدّ الأساليب النفسية، مثل العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I)، فعّالةً للغاية في استعادة أنماط النوم الصحية.
في الختام؛ وفي أوقات عدم الاستقرار، لا يُعدّ اضطراب النوم فشلًا في التأقلم، بل هو دليلٌ على استجابة جهازنا العصبي للغموض والتهديد المُتصوَّر. ومن خلال التركيز على تهدئة الجسم، السيطرة على القلق، وخلق لحظاتٍ من الاستقرار في الحياة اليومية، يمكن للأفراد دعم نومهم تدريجيًا وتعزيز مرونتهم النفسية بشكل عام.
وحتى عندما يبدو العالم غير قابل للتنبؤ، تظل رعاية جهازنا العصبي من أقوى الأدوات التي نمتلكها للحفاظ على صحتنا النفسية.