خاص "هي": منازل المبدعين.. 3 مبدعات، 3 قراءات للهوية والذاكرة والانتماء
المنزل، في جوهره، هو مساحة شخصية تُعبّر عن علاقة الإنسان بذاته وبجذوره. هو المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة اليومية، حيث تتجاور التفاصيل المعاصرة مع عناصر متوارثة، تمثل الاستمرار الطبيعي لثقافة حية. وفي شهر رمضان، تتكثف هذه العلاقة أكثر، حين يعود البيت ليكون مركز الطمأنينة، واللقاء، والطقوس اليومية المشتركة. في هذا الملف، تدخل “هي” 3 بيوت لثلاثة مبدعين، يجمعهم وعي مشترك بأن البيت هو امتداد لطريقة التفكير، والعمل، والانتماء، ومساحة تُعاد فيها صياغة العلاقة مع الوقت، والعائلة، والذات خلال هذا الشهر.
في منزل مصممة الأزياء العُمانية لبنى الزكواني، تحضر روح الضيافة العُمانية بوضوح وأناقة. تنفتح المساحات لاستقبال الآخرين، فيما تسمح تفاصيل خشبية مقطوعة بالليزر للضوء بالعبور، مستوحاة من عمارة القلاع والحصون. أما مصممة المجوهرات البحرينية عائشة عبد الملك، فتفتح لنا أبواب منزل جدّتها، أحد أقدم البيوت في منطقة المحرق، والذي عاشت فيه جزءا من طفولتها. هنا، لا يُنظر إلى البيت كمساحة محفوظة في الزمن، بل كمكان حي ما زال ينعكس في أعمالها اليوم. ويكتمل المشهد مع لولوة علمدار الشريكة المؤسسة لعلامة The Variant، حيث تتجلى في منزلها العلاقة بين الذاكرة والتصميم بوصفها عنصرًا أساسيًا في تشكيل المكان. ومن خلال هذه البيوت، نرى كيف يمكن للعناصر التقليدية أن تعيش خارج القوالب، وأن تتحول إلى مصادر إلهام يومية تعيد أصحابها إلى الجذور، وتمنحهم إحساسا بالثبات في عالم سريع الإيقاع.
لولوة علمدار حين تتحول الذاكرة إلى لغة تصميم

في منزل لولوة علمدار، الشريكة المؤسسة والمشاركة في ابتكار علامة The Variant، تبدأ الحكاية من الذاكرة، ومن علاقة عميقة بالعائلة، تتقدمها علاقة خاصة بوالدتها بوصفها مصدرا للهدوء والتوازن. فالمكان، بالنسبة إليها، لا يُبنى للاستعراض، بل ليحتوي ساكنيه. وعن ذلك، تقول: "يعكس منزلي علاقتي بعائلتي بطريقة صادقة ومتجذرة.
العائلة بالنسبة إلي ليست صاخبة، بل تُحس. حضور والدتي يعيش في التفاصيل، في طريقة ترتيب المكان بعناية، وفي التوازن بين الجمال والبساطة، وفي الإحساس بأن لكل شيء سببا لوجوده".
وترى لولوة أن هذه الفلسفة، التي تعلمتها من والدتها، شكلت نظرتها للحياة والتصميم معا. فقد علمتها، كما تقول:
"أن البيت امتداد للراحة والسكينة، لا مساحة للزينة فقط"، وهي القناعة التي أصبحت أساسا لأسلوبها الإبداعي، حيث يتقدم المعنى على الشكل، والصدق على الزخرفة الزائدة.
وفي هذا الفضاء، تحتفظ زاوية محددة بمكانة خاصة في وجدانها، حتى في غياب والدتها الجسدي عنها. تقول: "هناك زاوية ما زلت أعتبرها زاوية والدتي، مكان قريب من الضوء، هادئ، ودائم الترحيب". وبالنسبة إليها، يرمز هذا المكان إلى الأمان والاستمرارية، وإلى حالة داخلية تعود إليها كلما شعرت بالارتباك أو الجمود الإبداعي. وتضيف: "هذا الإحساس يذكرني بأن أبطّئ الإيقاع، وأن أثق بحدسي، وأن أبدع من منطلق الصدق لا العجلة".
ومن هذا الهدوء الداخلي، تنطلق علاقتها بالجمال والزخرفة، ولا سيما الزخارف الإسلامية التي تراها لغة روحية بقدر ما هي بصرية. تقول: "تخاطبني الزخرفة الإسلامية، لأنها لا نهائية ومنضبطة في آن واحد. أنماط الأرابيسك تبدو لي مثل نوع من التأمل، وتكرارا يحمل معنى". وترى في هذه الأنماط انعكاسا لتوازن دقيق بين البنية والتدفق، وهو التوازن الذي تستكشفه باستمرار في عملها.
في منزلها، تظهر هذه العناصر بصورة خفية ومدروسة، من خلال الخامات، والنقوش، والقطع المصنوعة يدويا، من دون أن تتحول إلى حضور مباشر أو تقليدي. أما في مجموعتها القادمة، فتقول إنها تتحول: "إلى خطوط وتفاصيل تحترم التراث من دون أن تكون حرفية، نقوش مألوفة، لكن معاد تخيلها بروح معاصرة"، في محاولة لربط الماضي بالحاضر من دون الوقوع في التكرار.
وحين تتحدث لولوة عن الرسالة التي يحملها منزلها، تعود مرة أخرى إلى الإحساس قبل الصورة. تقول: "لو دخل شخص إلى منزلي من دون أن يعرفني، أتمنى أن يشعر بالدفء أولا، وبإحساس من الثقة الهادئة". فالمكان، بالنسبة إليها، ليس واجهة ثقافية، بل حالة معيشة تعبّر عن عمق الشرق بوصفه تجربة حيّة، لا صورة نمطية. وتضيف: "أريده أن يشعر بعمق الشرق، بحالةً متعددة الطبقات ومعاصرة". وهذا الفهم للثقافة، الذي يجمع بين التاريخ والمستقبل، يشكل جوهر رؤيتها، سواء في بيتها أو في تصاميمها.
ومن خلال هذا التوازن بين الذاكرة، والروح، والحرفة، تبني لولوة عالمها الخاص، حيث يتحول المنزل إلى مرآة داخلية تعكس علاقتها بذاتها وبجذورها وبإبداعها. عالم يقوم على الهدوء، والصدق، والحدس، ويمنحها المساحة لتصميم أعمال لا تتبع الموضة بقدر ما تعبر عن هُوية ممتدة في الزمن.
عائشة عبدالملك البيت أول معلم للجمال

في ذاكرة عائشة عبد الملك مؤسسة علامة "جواهر عائشة"، يظهر المنزل بوصفه جذرا أساسيا في تكوينها الإنساني والبصري. بين جدرانه تشكل وعيها الأول، وتعلمت معنى العائلة والاحتواء والبساطة، في بيت عاش مع الزمن واحتضن أكثر من جيل.
كل زاوية في هذا المنزل تحمل حكاية، وكل باب يختزن صوتا وذكرى وضحكة. كبروا فيه وهم يشعرون أن البيت يربّيهم كما يربّونه، وأن العلاقة معه قائمة على الحضور والانتماء والرعاية المتبادلة.
من هذا الارتباط المبكر، بدأت تتشكّل علاقتها بالجمال، متأثرة بالمعمار البحريني الذي علّمها أن الجمال لا يحتاج إلى ضجيج. التفاصيل البسيطة، والتكرار الهادئ، والتوازن بين الضوء والظل، أصبحت مفاهيم حاضرة اليوم في تصاميمها.
ترى عائشة أن البيوت القديمة كانت عملية وشاعرية في آن، تخدم الإنسان من دون أن تطغى عليه. وهو المبدأ ذاته الذي تحمله في مجوهراتها، حيث تسعى إلى تصميم قطع تعيش مع أصحابها، لا تتقدّم عليهم، بل ترافقهم بهدوء.
وحين تعود بذاكرتها إلى الطفولة، تستحضر اللحظات الصغيرة التي لم يُدرك معناها آنذاك: الجلوس مع جدتها، ومشاركة الطعام، واللعب في الحوش، وأصوات البيت في المساء. أيام بسيطة، لكنها غنية بالمشاعر، صنعت لديها إحساسا عميقا بالانتماء.
من هذه التجربة تعلّمت أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بالمظهر، بل بالأثر. فالبساطة، والصبر، والصدق، كانت قيما تُمارس يوميا، وهي نفسها التي تبحث عنها اليوم في عملها.
تؤمن عائشة بأن بعض الأماكن تعيد الإنسان إلى ذاته من دون جهد، من خلال زاوية محددة، أو ضوء في وقت معين، أو حتى لحظة صمت. وكان هذا المنزل دائما مساحة أمان تعود إليها لتفكّر وتهدأ وتستمع إلى صوتها الداخلي.
بالنسبة إليها، الإبداع لا يولد من الضجيج، بل من السكينة. فالحضور الهادئ للمكان هو ما يفتح المجال أمام الفكرة لتتشكل وتنضج. ولا تنفصل الطقوس اليومية عن جماليات البيت، فالضيافة في ثقافتها ليست ممارسة موسمية، بل لغة متكاملة. تتجلى في طريقة الجلوس، وتقديم القهوة، وترتيب المكان قبل استقبال الآخرين. هذه التفاصيل، التي تُكتسب بالفطرة، هي ما يمنح المنزل روحه الحقيقية. حيث ينبع الجمال من العلاقة بين الناس قبل أن ينبع من الأشياء.
ومن هذا التراكم بين الذاكرة والبساطة والعلاقات الإنسانية، تتشكّل الرسالة الصامتة التي يحملها المكان. رسالة تؤكد أن الجذور مصدر قوة، وأن الجمال الحقيقي يعيش طويلا لأنه صادق. وتبقى هذه التجربة تذكيرا دائما لها بأن الهُوية ليست ما نضيفه إلى حياتنا، بل ما نحافظ عليه فيها، يوما بعد يوم.
لبنى الزكواني البيت امتداد للذاكرة الهوية

بالنسبة إلى لبنى الزكواني، الشريك المؤسس في علامة Endemage، لا يُبنى المنزل بوصفه مشروعا جماليا بقدر ما يُصاغ كتجربة شخصية تعكس الذاكرة، والعائلة، والإحساس بالانتماء. في حديثها عن علاقتها ببيتها، تكشف كيف يتحول المكان إلى مساحة تعيش فيها القيم قبل الأذواق، وكيف يصبح امتدادا طبيعيا لهُويتها وإيقاع حياتها.
عن هذه العلاقة، تقول: "تصميم منزلنا كان تجربة قريبة لقلبي، شارك فيها كل شخص في العائلة بطريقته. حاولنا العودة لتفاصيل من طفولتنا وذكرياتنا، من النقوش الخشبية إلى تفاصيل النوافذ الداخلية التي تذكرنا ببيوت أجدادنا في مسقط. هذه الذكريات تعطيني إحساسا بالدفء والاستمرارية، ولم تكن مجرد ديكور".
ولا تقف هذه العلاقة عند حدود الذاكرة وحدها، بل تمتد إلى اختيار المواد والعناصر التي تشكّل الجو العام للمكان. وفي هذا السياق، تضيف: "اختيار الرخام الطبيعي والأونيكس كان مقصودا، لأنهما يمنحان الإحساس بالهدوء والاستقرار. كما أضفنا قطعا من حُليّنا الفضية القديمة كعناصر ديكور لها قيمة معنوية وتاريخ. هذه التفاصيل جعلت المنزل يبدو حقيقيا ومليئا بالروح، وليس متكلفا".
ومن خلال هذا التوازن بين المادة والذاكرة، تسعى لبنى إلى بناء مساحة تمنحها الاستقرار الداخلي قبل أي شيء آخر. لذلك، كان الهدوء محورا أساسيا في تصميم منزلها، كما توضح: "الهدوء كان أهم شيء بالنسبة إلي. من الألوان الترابية إلى التصميم المفتوح الذي يجعل المكان يتنفس. أحب المساحات غير المزدحمة، لأنها تساعدني على تصفية ذهني وأن أكون أكثر اتصالا بنفسي وبأفكاري".
هذا البحث عن السكينة ينعكس أيضا في الزوايا التي ترتبط بها عاطفيا داخل المنزل. وتقول عن أقربها إلى قلبها: "أكثر زاوية أرتاح فيها هي الحديقة الداخلية. صوت الماء من الشلال يهدّئني ويحسسني بالسكينة. والإضاءة الطبيعية من السقف الزجاجي تغيّر الجو خلال اليوم، وهذا التغيّر بين الضوء والظل دائما يلهمني في شغلي".
ولا تغفل لبنى عن المساحات التي تحمل بُعدا عاطفيا عميقا مرتبطا بالعائلة، مضيفة: "حديقة الورد التي تهتم بها أمي لها مكانة كبيرة عندي. فيها إحساس بالعناية والصبر، وغالبا ألجأ إليها عند الحاجة إلى توازن أو هدوء".
وإذا كانت السكينة عنصرا أساسيا في علاقتها بالبيت، فإن الضيافة تمثّل جانبا مكملا لهُوية المكان وروحه. عن هذا الجانب، تقول: "بيتنا معروف بأنه مفتوح دائما. الضيافة لدينا شيء طبيعي، وليست مناسبة خاصة. أمي تحب الطبخ للضيوف، لذلك مساحات المطبخ والطعام كانت مهمة جدا في تصميم البيت".
وتؤكد أن روح البيت لا تتشكل من الكماليات، بل من التفاصيل التي تحمل ذاكرة وحضورا إنسانيا: "أكثر الأشياء التي لها قيمة عندي هي المقتنيات العائلية أو الأشياء التي انتقلت من جيل إلى جيل. ليس لأنها مثالية، لكن لأنها تحمل حضورا ومعنى".
ومن هذا التراكم بين الذاكرة، والسكينة، والعلاقات الإنسانية، تتكون الرسالة الصامتة التي يحملها منزلها. عن هذه الرسالة، تقول: "أتمنى يعكس الإيمان، والترابط الأسري، واللطف من ضمن الأشياء الأساسية في الحياة. ثقافتنا تعلّمنا أن يكون البيت مكان راحة واحتواء وسلام".
وتختم برؤيتها الخاصة للفخامة، بوصفها قيمة داخلية قبل أن تكون مظهرا خارجيا: "بالنسبة إلي، الفخامة الحقيقية هي أن تعيش بهدوء، وبنية صادقة، وفي انسجام مع نفسك ومع من حولك".