مجلس إرثي

وصفات تُحاك كما تُنسَج الحرفة… مجلس إرثي يقدّم تجربة رمضانية تتقاطع فيها الذاكرة مع المذاق

مجلة هي
18 فبراير 2026

في رمضان، تتجاوز المائدة كونها مساحة لتناول الطعام، لتصبح امتدادًا للذاكرة، ولغةً تنطق بالهوية. ومن هذا المفهوم، يطلق مجلس إرثي للحِرف المعاصرة شراكة رمضانية خاصة مع "باركا بيك هاوس"، يقدّم من خلالها قائمة إفطار مستلهمة من الهوية الإماراتية، أُعدّت بتعاون مباشر بين حرفيات المجلس وفريق الطهاة في المطعم، في تجربة تمزج بين المعرفة الحِرفية وفنون الطهي المعاصر.

تأتي هذه المبادرة ضمن جهود المجلس المتواصلة لصون الحِرف الإماراتية وتعزيز حضورها في الاقتصاد الإبداعي، من خلال إدماجها في قطاعات حيوية كقطاع الضيافة، وتحويلها من عنصر جمالي أو زخرفي إلى مكوّن فاعل في تجربة متكاملة. هنا، لا تُعرض الحِرفة على الجدران فحسب، بل تُترجم إلى وصفات، ونكهات، وطقوس ضيافة تعبّر عن روح المكان.

مجلس إرثي

فن الطهو كمسار بحثي وثقافي

تندرج الشراكة ضمن محور "فن الطهو" في "مجلس إرثي"، الذي يتعامل مع الوصفة بوصفها وثيقة ثقافية حية، تستحق التوثيق وإعادة القراءة. فالطعام، شأنه شأن الحِرفة، يحمل ذاكرة جماعية، وينقل أنماط العيش، وملامح البيئة، وقيم المجتمع عبر الأجيال.

من هذا المنطلق، شاركت حرفيات المجلس في تطوير قائمة الإفطار بالتعاون مع فريق الطهاة في «باركا بيك هاوس»، ضمن عملية إبداعية مشتركة أعادت تقديم وصفات مستلهمة من المطبخ الإماراتي بأسلوب معاصر يحافظ على جوهرها، ويواكب في الوقت ذاته ذائقة اليوم وإيقاع الحياة الحديثة.

مجلس إرثي

وفي هذا السياق، صرّحت سعادة ريم بنت كرم، المدير العام لمجلس إرثي للحرف المعاصرة: "يمثل هذا التعاون تجسيداً عملياً لرؤية مجلس إرثي في صون الحِرَف الإماراتية وتفعيل دورها في القطاعات المعاصرة، وخاصة قطاع الضيافة. نحن ننظر إلى الحِرفة باعتبارها معرفة حية قابلة للتطوير، وقادرة على الاندماج في مسارات إنتاجية جديدة دون أن تفقد أصالتها. وعبر محور فن الطهو، نعمل على توثيق الوصفات الإماراتية وإعادة تقديمها بطريقة تحفظ قيمتها الثقافية وتعزز استدامتها الاقتصادية. لتعكس هذه التجربة التزامنا المستمر بتمكين الحرفيات وتوسيع نطاق حضور الحِرفة في الحياة اليومية".

أطباق تستلهم ذاكرة الحرفيات

تضم قائمة الإفطار طبق المرقوقة الإماراتية، المستوحى من إحدى وصفات حرفيات المجلس. يُحضّر الطبق بمرق غني مع اللحم أو الدجاج، ويضم مجموعة من الخضار من بينها الباذنجان، ويُقدَّم مع نوع خاص من الخبز، محافظًا على نكهته التراثية، ضمن أسلوب تقديم حديث يراعي تفاصيل التجربة البصرية والذوقية معًا.

مجلس إرثي

أما في الحلويات، فتبرز حلوى الحبّة الحمراء، المستلهمة من وصفة تقليدية لإحدى الحرفيات، والتي تمزج بين طبقات مهلبية ناعمة، والحبّة الحمراء، ولمسة من الخبيصة، وقطع كرواسون مقرمشة مغموسة بدبس التمر. تُقدَّم الحلوى ضمن قائمة الإفطار، كما تتوافر خلال فترة السحور، في مقاربة تجمع بين المذاق التراثي والتقنيات المعاصرة.

مجلس إرثي

وفي خطوة تعكس بعدًا عمليًا من التمكين الاقتصادي، يعتمد «باركا بيك هاوس» الخلطة الخاصة بالقهوة العربية التي أعدّتها إحدى حرفيات المجلس، لتُقدَّم ضمن القائمة الرمضانية. هكذا، تنتقل منتجات الحرفيات من فضاء العرض إلى فضاء الاستخدام اليومي، بما يعزّز استدامتها ويمنحها حضورًا فعليًا داخل تجربة الضيافة.

مجلس إرثي

الحِرفة في قلب التجربة الرمضانية

لا يقتصر التعاون على المائدة، بل يمتد إلى برنامج من الورش التفاعلية خلال الشهر الفضيل، من بينها ورشة فواصل السفيفة وورشة سلسلة مفاتيح التلي بالجلد، ما يتيح للجمهور التعرّف إلى تقنيات حِرَفية تقليدية عبر مقاربات معاصرة تفاعلية.

وتُعد حرفة السفيفة من الحِرف الإماراتية المتجذّرة في البيئة المحلية، إذ تقوم على جدل خوص النخيل بعد تجفيفه ومعالجته، لصناعة أدوات منزلية وبعض عناصر البناء التقليدي. وهي حِرفة تختزن معرفة بيئية متوارثة، وتعكس علاقة الإنسان بالنخلة بوصفها مصدرًا للحياة والاستدامة.

مجلس إرثي

بهذه الشراكة، يعيد مجلس إرثي للحرف المعاصرة طرح سؤال الهوية من زاوية مختلفة: كيف يمكن للحِرفة أن تعيش في تفاصيل يومنا، وأن تكون جزءًا من طقوس الإفطار، ومن رائحة القهوة، ومن ورشة صغيرة تُقام في أمسية رمضانية؟
الجواب يأتي في تجربة تُثبت أن الحِرفة ليست ماضيًا يُستعاد، بل معرفة حيّة تُعاد صياغتها… وتُقدَّم على المائدة.

تأسس مجلس إرثي للحرف المعاصرة عام 2015 في إمارة الشارقة برؤية من قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، بهدف صون الحِرف الإماراتية وحمايتها من الاندثار. ويعمل المجلس على تمكين الحرفيات اقتصاديًا واجتماعيًا عبر مراكز تطوير المهارات، وبناء القدرات، وتوثيق المعرفة ونقلها للأجيال القادمة، إضافة إلى ربط الحِرف التقليدية بالتصميم المعاصر من خلال شراكات محلية وعالمية ومشاركات في منصات دولية مرموقة، بما يعزز استدامة الحِرفة الإماراتية كجزء أصيل من الاقتصاد الإبداعي المعاصر.