القيمة الفنية السعودية سارة العرفي لـ"هي": المعرض تجربة فكرية لا حدث بصري

القيمة الفنية السعودية سارة العرفي لـ"هي": المعرض تجربة فكرية لا حدث بصري

رهف القنيبط
16 فبراير 2026

في مشهد فني يتسارع تحوله يومًا بعد يوم، تقف القيمة الفنية السعودية سارة العرفي عند نقطة دقيقة بين الفكرة والتنفيذ، بين الفنان والسياق، بين الحلم والمؤسسة. 

بوصفها قيّمة فنية تعمل بين المؤسسات الرسمية والمبادرات المستقلة، تجمع سارة العورفي في ممارستها بين اختيار الأعمال، وبناء المفهوم العام للمعرض، لربط الفنانين بالجمهور، ضمن مقاربة توازن بين البحث الأكاديمي والتجربة المكانية والإنتاج الثقافي، كما يظهر في مشاريعها الأخيرة: تجربة الروح، معرض Pulse of Sound ،Coollect، ومعرض Jooh.

pulse of sound
 تستهل سارة حديثها قائلة: “أتحرك بدافع سؤال يرافقني دائمًا: كيف يمكن للفن أن يجعل الإنسان يشعر أنه مرئي ومسموع، ولو للحظة قصيرة؟

في هذا الحوار، تتحدث سارة لـ"هي" عن السؤال الذي يحركها، وعن أثر العيش والعمل بين السعودية وإيطاليا، وعن خطوطها الحمراء في الاختيار، وعن دور الهوية، وسقف الطموح في المشاريع الفنية اليوم.

الفن كنقطة انطلاق إنسانية

ترى سارة أن أي مشروع فني لا يبدأ من فكرة شكلية أو إنتاجية، بل من سؤال إنساني أساسي: “أتحرك بدافع سؤال يرافقني دائمًا: كيف يمكن للفن أن يجعل الإنسان يشعر أنه مرئي ومسموع، ولو للحظة قصيرة؟ ما يشدني ليس المعرض بحد ذاته، بل تلك المسافة الصغيرة بين العمل والمتلقي، اللحظة التي يتغيّر فيها شيء في طريقة رؤيتنا لأنفسنا، لمدينتنا، لذاكرتنا. أرى عملي كجسر بين قصص الناس والمادة والمدينة، وأشعر بمسؤولية ألا يضيع هذا الجسر في الضجيج أو الاستعراض.”

بين السعودية وإيطاليا: مدرستان في التفكير

شكل العيش والعمل بين السعودية وإيطاليا أساسًا مهمًا في تكوين رؤيتها الفنية، حيث ترى أنها تعلّمت لغتين مختلفتين للفن. عن تجربتها في إيطاليا، تقول: “في إيطاليا تعلّمت احترام الزمن، فكرة أن العمل الفني يعيش قرونًا بسبب العناية بالتفاصيل والمادة والسياق التاريخي.”

وفي المقابل، تصف تجربتها في السعودية: “في السعودية تعلمت كيف يمكن للفن أن يدخل مباشرة في قلب التحولات العمرانية والاجتماعية، وأن يكون جزءًا من رسم المستقبل. فأنا ابنة هاتين المدرستين معًا. أرفض الفصل بين الجماليات والفكر، وبين التاريخ وما يتشكل الآن.”

سارة العرفي

المؤسسة والمبادرة: اختلاف في منطق العمل

من خلال عملها في مؤسسات حكومية ومبادرات مستقلة، اختبرت سارة نمطين مختلفين من التفكير. عن العمل المؤسسي، تقول: “في المؤسسات، التفكير مرتبط بالمسؤولية الجماعية وصناعة أثر طويل المدى، وهناك دائمًا سؤال: كيف يخدم هذا المشروع المدينة والمجتمع والرؤية الكبرى؟ أما في المبادرات المستقلة، التفكير أقرب للتجريب، ويمكننا اختبار صيغ غير مكتملة ومسارات مفتوحة.”

معيار الاختيار: الصدق قبل كل شيء

عند تقييم أي عمل فني، تعتمد سارة معيارًا حاسمًا لا تتنازل عنه تقول: “الحد الأدنى بالنسبة لي هو الصدق الداخلي للعمل، أن يكون نابعًا من ضرورة حقيقية، لا من رغبة في إرضاء موجة عابرة. بعد ذلك تأتي الجدية في الحرفة، أن يأخذ الفنان وقته في الإنصات والمراجعة واحترام المادة والجمهور. إذا غاب هذان العنصران، أتوقف فورًا.”

معرض Jooh: البحث بوصفه تجربة حسية

في معرض Jooh للفنان معاذ العوفي، عملت سارة على مقاربة بحثية عميقة قائمة على الإنصات لا الفرض. توضح دورها: "دوري لم يكن فرض سردية، بل الإنصات لعمل الفنان، وللغة، وللصحراء نفسها. كلمة Jooh تشير إلى عظام متناثرة في الربع الخالي، وتحمل ذاكرة بيئية ومعرفية عميقة. ولذلك البحث بالنسبة لي ليس نظريًا، بل مكاني. لأعرف كيف تتنفس الصور على الجدار، وكيف يصنع الإيقاع. ولهذا أردت للمعرض أن يبدو أثريًا أكثر من كونه تعليميًا.”

معرض Coollect: تصميم التجربة قبل العمل

على النقيض من Jooh، تمثل تجربة Coollect الجانب التجريبي في عملها. تشرح فكرته الأساسية قائلة:“ معرض Coollect يعيد التفكير في مفهوم الاقتناء عبر عرض الأعمال الفنية وإخفاء هوية الفنان حيث يتم اختيار العمل بدون معرفة أسم الفنان أو الفنانة.”

Collect
عن معرض Coollect تشرح سارة: "قمنا بعرض الأعمال الفنية وإخفاء هوية الفنانمفهوم الاقتناء عبر عرض الأعمال الفنية وإخفاء هوية الفنان حيث يتم اختيار العمل بدون معرفة أسم الفنان أو الفنانة"

وعن دورها في تصميم التجربة تقول: "كنت أُصمم نظام نفسي ومكاني يوضح كيف تُبنى الثقة، وكيف يصبح الخطر لعبة. التجربة تستعير أدوات من البيع بالتجزئة والسينوغرافيا والتصميم السلوكي.”

حماية الدور الفكري للقيم الفني

ترفض سارة اختزال دور القيم الفني في التنظيم والإدارة قائلة: "أذكر نفسي دائمًا أن اللوجستيات موجودة لخدمة الفكرة، لا العكس. إذا شعرت أنني أصبحت منسقة عمليات أكثر من كوني قيمة، أتوقف وأعيد ترتيب الأولويات. إن وجود نص قوي وأسئلة واضحة يمنع المشروع من التحول إلى صور جميلة فقط.”

تحدد سارة مجموعة من الثوابت التي لا تتنازل عنها: “لا أتنازل عن مساحة التفكير والحوار، ولا عن احترام العاملين خلف الكواليس، ولا عن احترام الجمهور كأفراد، لا كأرقام.”

الهوية كمساحة مفتوحة

حول العلاقة بالتراث، تتبنى سارة موقف نقدي متوازن: “التراث ليس قالبًا ثابتًا، بل طبقة حيّة من الذاكرة. الخطر حين يتحول إلى إطار جاهز يقيد الفنان. أوفر سياق يسمح للتراث والمعاصرة بالحوار دون أن يلغي أحدهما الآخر.”

بين الحلم والتنفيذ

تصف سارة موقعها بين الفنان والجهة الداعمة: “أرى نفسي وسيطًا بين لغة الحلم ولغة الأرقام. أحافظ على الحلم، ثم أترجمه إلى مراحل قابلة للتنفيذ. السقف ليس حدًا، بل تصور متغير نصنعه مع الفريق.”

في خلاصة رؤيتها، تقول سارة: “هدفي هو خلق شروط يلتقي فيها الجمهور بالفن بصدق وفضول واحترام، دون اختصارات، ودون فقدان الجذور الثقافية.”

تم استلام كافة الصور من سارة العرفي