Art Basel Qatar 2026... حين يتحول المعرض إلى مساحة تفكير في العالم

Art Basel Qatar 2026... حين يتحول المعرض إلى مساحة تفكير في العالم

رهف القنيبط
4 فبراير 2026

في قلب مشيرب، حيث تتقاطع العمارة المعاصرة مع ذاكرة المكان، تستعد الدوحة لاستقبال دورة استثنائية من آرت بازل قطر في فبراير 2026. دورة لا تكتفي بعرض الأعمال، بل تعيد طرح السؤال الأهم: كيف نقرأ التحول الذي يعيشه عالمنا اليوم؟ وكيف يمكن للفن أن يكون مرآته الأصدق؟

في هذه الدورة، لا يبدو آرت بازل كحدث عابر في روزنامة الفن العالمية، بل كمنصة فكرية وجمالية تعيد رسم علاقة الجمهور بالمعرض، وبالمدينة، وبالزمن نفسه. فهنا، لا تُعرض الأعمال فقط، بل تُروى قصصها، وتُفكك سياقاتها، وتُعاد قراءتها ضمن مشهد ثقافي متحوّل.

صالات العرض: خريطة عالمية في قلب الدوحة

يضم المعرض هذا العام 87 صالة عرض من 31 دولة، تقدم أعمال 84 فنانًا من مختلف الأجيال والمدارس. حضور متنوع يعكس مشهدًا عالميًا لا تحكمه الجغرافيا بقدر ما تحكمه الأسئلة المشتركة: الهوية، الذاكرة، السلطة، الجسد، والبيئة.

تحت إشراف المدير الفني وائل شوقي، وبالتعاون مع فينتشينزو دي بيليس، تتحول صالات العرض إلى مساحة حوار بصري مفتوح، حيث تتجاور التجارب المفاهيمية مع الأعمال التركيبية، وتلتقي السرديات الشخصية بالتحولات الجماعية.

آرت بازل قطر
الموضوع المحوري لهذه الدورة، "التحول" يُطرح كبنية فكرية تحكم اختيار الأعمال وطريقة عرضها ومسارات الزائر داخل المعرض. العمل للفنان Philip Guston، "لافتة"، 1970. بإذن من غاليري هاوزر آند ويرث.

"المشاريع المستقلة": حين يخرج الفن إلى المدينة

إلى جانب صالات العرض، يبرز برنامج "المشاريع المستقلة" بوصفه القلب النابض للدورة. برنامج لا يكتفي بالمساحات المغلقة، بل ينتشر في شوارع مشيرب، وساحاتها، ومبانيها، ليحوّل المدينة نفسها إلى منصة فنية مفتوحة.

هنا، يتحرر العمل الفني من الجدران البيضاء، ويختبر علاقته المباشرة بالجمهور، بالضوء، بالصوت، بالحركة، وبإيقاع الحياة اليومية. من التركيبات المعمارية الضخمة، إلى عروض الأداء الحي، مرورًا بالأعمال متعددة الوسائط، تتشكل تجربة حسية متكاملة تعيد تعريف معنى “زيارة معرض”.

"المشاريع المستقلة" ليست ملحقًا للمعرض، بل امتدادًا فكريًا له. فهي تدخل في حوار مباشر مع الأعمال المعروضة داخل الصالات، وتعمّق فكرة التحوّل بوصفه تجربة معيشة لا مجرد مفهوم نظري.

الفن بوصفه قراءة للعالم

ما يميز دورة 2026 هو وعيها بالسياق الأوسع. فالأعمال المشاركة لا تنفصل عن التحولات البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية التي يعيشها العالم اليوم. من الهجرة والهوية، إلى التغير المناخي، مرورًا بتفكك المدن وإعادة تشكيل الذاكرة، يقدّم الفن هنا بوصفه أداة فهم لا مجرد أداة تعبير.

يتنقل الزائر بين تجارب تستكشف الهشاشة الإنسانية، وأخرى تفكك مفهوم السلطة، وثالثة تعيد التفكير في علاقة الإنسان بالمكان والطبيعة. كل عمل يبدو كقطعة في فسيفساء كبرى تحاول قراءة زمن مضطرب بلغة جمالية دقيقة.

ارت بازل الدوحة
مروان، "ليشت (الضوء)"، 1973. بإذن من الفنان وغاليري سفير–سملر، هامبورغ.

مشيرب: حين تصبح المدينة جزءًا من المعرض

اختيار مشيرب ليس تفصيلاً جغرافيًا، بل موقف ثقافي. فهذا الحي، الذي يجمع بين العمارة المعاصرة والهوية المحلية، يتحول خلال أيام المعرض إلى مسرح مفتوح للفن.

تتقاطع المسارات بين المباني، والساحات، والمتاحف، لتخلق تجربة حضرية متكاملة. الزائر لا ينتقل من قاعة إلى أخرى فحسب، بل يعبر طبقات من التاريخ والحداثة، من الذاكرة والمستقبل، في تجربة تتجاوز مفهوم “زيارة معرض” التقليدية.

منصة ذات جذور محلية وأفق عالمي

يؤكد برنامج "المشاريع المستقلة" التزام آرت بازل بتطوير نموذج يجمع بين العمق المحلي والحضور العالمي. فالتعاون مع المؤسسات الثقافية القطرية، والارتباط بالنسيج الحضري للدوحة، يمنح المعرض شخصية متفردة داخل شبكة آرت بازل الدولية.

وفي الوقت نفسه، يظل المعرض جزءًا من حوار عالمي أوسع حول دور الفن في زمن التحولات الكبرى، واضعًا الدوحة في موقع فاعل داخل هذا المشهد.

تجربة لا تُشاهد… بل تُعاش

في نهاية المطاف، لا تقدم دورة آرت بازل قطر 2026 برنامجًا للعرض فقط، بل تجربة متكاملة تُعاش بالحواس والفكر معًا. تجربة تدعو الزائر إلى التمهل، إلى التأمل، إلى إعادة النظر في علاقته بالعالم من حوله.

هنا، لا يكون الفن منتجًا معروضًا، بل حالة حوار مفتوحة. ولا يكون المعرض محطة مؤقتة، بل مساحة للتفكير في ما نحن عليه… وما يمكن أن نصبحه.

الصور الرئيسية عمل الفنانة SUMAYYA VALLY وجميع الصور من موقع art Basel qatar