وسام شوكت

22 عامًا من الحروف الجديدة.. "هي" داخل عالم خط وسام شوكت الحي

عمران مقصود أحمد
3 فبراير 2026

في "تشكيل" بدبي، حيث ينساب الضوء على جدران مليئة بأشكال حروف تتغيّر وتتنفّس، يقف وسام شوكت عند نقطة التقاء التراث بالمعاصرة. معرضه الفردي “خط الوسام: 22 عامًا من الحروف الجديدة” لا يوثّق فقط مسيرة فنية طويلة، بل يحكي قصة لغة خطية بدأت كحل عملي للتصميم المعاصر، ثم تحوّلت مع الزمن إلى فلسفة فنية متكاملة.

وسام شوكت

وُلد شوكت في البصرة ويقيم اليوم في دبي، ويستمد عمله جذوره من الخطوط الكلاسيكية مثل الكوفي المشرقي، والثلث، والديواني الجلي، والطغراء العثمانية. ومع ذلك، يرفض أن يكون خطه نظامًا ثابتًا أو قالبًا مغلقًا. بالنسبة له، الخط كائن حي، يتشكّل عبر التكرار، والمراجعة، والملاحظة المستمرة، تقوده اليد وتُهذّبه العين. في هذا الحوار من قلب المعرض، يتحدث شوكت عن الصبر، والتجريد، ولماذا يرى أن الخط ليس بالضرورة أن يُقرأ، بل أن يُحَسّ ويُختَبَر.

وسام شوكت

عملك مستلهم بعمق من الخط العربي التقليدي، ومع ذلك وجد “خط الوسام” مكانه في التصميم المعاصر والهوية البصرية. متى أصبح هذا المشروع بالنسبة لك شيئًا شخصيًا وفنيًا، وليس مجرد أداة تصميم؟

بدأت في عام 2004، وكان تركيزي الأساسي على تصميم الشعارات والهوية البصرية المعاصرة. في ذلك الوقت، شعرت أن الخطوط التقليدية لا تخدم دائمًا متطلبات التصميم الحديث، فبدأت أبحث عن أسلوب خاص بي، شيء يحمل روح المعاصرة.

وبصفتي خطاطًا، كنت أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه القواعد الكلاسيكية. قضيت سنوات في تعلّمها واحترامها، بل وشعرت أحيانًا بشيء من الذنب عند محاولة تغييرها أو اللعب بها. لكن مع مرور نحو سبع سنوات من العمل بحرية، بدأت ألاحظ ظهور لغة بصرية متكررة في أعمالي. المثير للاهتمام أن معظم العملاء كانوا ينجذبون لهذا الأسلوب الجديد أكثر من الأسلوب التقليدي، وهنا أدركت أن هذا المسار يستحق الاستمرار.

حوالي عام 2009، بدأت أستخدم الخط في الفن، وليس فقط في التصميم. صرت أبتكر أعمالًا مستقلة، أغيّر فيها أشكال الحروف، وأكسر التكوينات، وأجرب بحرية أكبر. وبحلول عام 2012، ومع كثرة الأعمال والمعارض، بدأ الناس يطلقون اسمًا على هذا الأسلوب، ومن هنا جاء “خط الوسام”.

وسام شوكت

هل تشعر أن هذا الخط وصل إلى شكله النهائي، أم أنه سيظل في حالة تطوّر؟

لا أعتقد أنه سيتوقف يومًا عن التطوّر. حاليًا، وصلت إلى مرحلة أشعر فيها بالرضا الجمالي عمّا أقدّمه، لكن عندما ننظر إلى الخطوط التقليدية التي تطوّرت عبر مئات السنين، نجد أن التغييرات غالبًا ما تكون دقيقة جدًا.

أنا أمارس الخط منذ أكثر من 40 عامًا، وحتى خلال 22 عامًا من تطوير هذا الخط، أستطيع أن أرى تغييرات صغيرة في أشكال الحروف. ربما بعد 50 عامًا، يأتي شخص آخر ويضيف إليه. هكذا تتشكّل التقاليد عبر الزمن، لا عبر القرار المسبق.

وسام شوكت

أنت تستلهم من الخطوط الكلاسيكية السابقة. كيف تعرف أين ينتهي التراث ويبدأ أسلوبك الخاص؟

لا أحدد ذلك بشكل واعٍ أو مقصود. ما نراه اليوم معاصرًا قد يبدو تقليديًا بعد 20 عامًا.

بالنسبة لمن لا يتحدث العربية، قد يبدو عملي تقليديًا بالفعل. لكن بالنسبة للخطاطين، هو حديث لأن أشكال الحروف جديدة ولا تتبع القواعد الكلاسيكية حرفيًا. أعتقد أن الإحساس بالحداثة لا يأتي فقط من شكل الحرف، بل من التكوين العام، والحجم، وطريقة العرض.

وسام شوكت

قدّمت مفهوم “التشكيل الخطي” (Calligraformism). ماذا يعني لك هذا الاتجاه؟

جاء هذا المفهوم من رغبتي في نقل الخط إلى عالم الفن التشكيلي والتجريد. غالبًا ما يُنظر إلى الخط على أنه حرفة مرتبطة بالتقليد والنسخ والحفاظ على الموروث. وهذا مهم، بالطبع، لكنني أؤمن أن الفن في جوهره هو الابتكار والخلق.

لذلك أخذت أحد أكثر الخطوط الكلاسيكية، وهو الثلث، وبدأت أفككه إلى أشكال تجريدية. هذه الأعمال ليست مخصّصة لتُقرأ بسهولة، بل لتُرى وتُختَبَر بصريًا — من خلال الشكل، والتوازن، والمساحات السالبة والموجبة.

وفلسفة هذا الأسلوب في الأصل تأتي من تدريب الخطاط نفسه. عندما نتدرّب، لا نركّز فقط على الحرف، بل ندرس الفراغ داخله وحوله. هذا التوازن بين المساحة الإيجابية والسلبية هو أساس أعمالي التجريدية.

وسام شوكت

هل تهمّك قابلية القراءة في أعمالك؟

لا، على الإطلاق. بل أنا ضد هذا المفهوم. أحيانًا يقول الناس: “لكن لا أستطيع قراءة هذا”. وردّي دائمًا: هذا فن، وليس كتابًا. لا تحتاج أن تقرأه، بل أن تشعر به، وتنظر إليه، وتتواصل مع شكله.

يعكس المعرض توازنًا بين الجذور التقليدية والتعبير المعاصر. ماذا تتمنى أن تأخذه الأجيال الجديدة من تجربتك؟

الصبر. نحن نعيش في عالم سريع جدًا، كل شيء فيه فوري. أرى أحيانًا أشخاصًا يأخذون دورة قصيرة في الخط ثم يطلقون على أنفسهم لقب خطاطين. أردت من هذا المعرض أن يوضّح أن ما يراه الجمهور هو حصيلة 22 عامًا من العمل، ولم أشعر أنني مستعد لعرضه كقصة متكاملة إلا الآن. الخط يحتاج وقتًا. يحتاج سنوات لتكوين العين التي تعرف ماذا تُبقي، وماذا تغيّر، ومتى تشعر أن العمل وصل إلى شكله الصحيح.

وسام شوكت

عندما تعمل، هل تشعر أنك تكتب أم ترسم؟

أشعر أنني أرسم أكثر مما أكتب. الخط في جوهره قائم على الملاحظة. تدريب العين على التوازن، والانسجام، والمساحة. عندما أعمل، أفكّر في التكوين، وفي “تنفّس” الفراغ، وفي الإيقاع، وليس فقط في الحروف. أحيانًا يبدو العمل صحيحًا فقط بسبب التوازن، بسبب العلاقة بين الشكل والفراغ المحيط به. من هنا يأتي الإحساس، وهنا تولد العاطفة.

وسام شوكت