هذا ما تقوله لوحة صفية بن زقر للموضة السعودية!
بعد أن أصبح الإهتمام واضحًا من قِبل جامعين محليين وإقليميين وعالميين بالأعمال المعروضة، عاد مزاد Origins II بنسخة بُنيت على نجاح النسخة الأولى في الدرعية. وقد خُصِّصت هذه النسخة بالكامل للفنون، حيث عرضت، عبر دار المزادات الدولية Sotheby’s، أعمال فنانين سعوديين وشرق أوسطيين وأسماء عالمية مثل بيكاسو وآندي وارهول. المفاجأة الكبرى كانت لوحة "مقهى في طريق المدينة" للفنانة السعودية الراحلة صفية بن زقر، التي بيعت بحوالي 2.06 مليون دولار، وهو أكثر من 10 أضعاف التقدير الأولي البالغ بين 150 و200 ألف دولار. هذا السعر، للعمل المنجز عام 1968 والذي يصوّر مشهدًا عفويًا داخل مقهى على طريق المدينة في جدة، يُعد رقمًا قياسيًا وأعلى سقف وصل إليه الفن السعودي في السوق الفنية العالمية.

هذه اللحظة المفصلية التي تستأثر بها بن زقر، بعد رحيلها في عام 2024 عن عمر ناهز 84 عامًا، يتجاوز أثرها حدود الفن التشكيلي ليمتد أفقيًا إلى بقية القطاعات الثقافية داخل المملكة. فهي في المقام الأول تُعيد توجيه طريقة تلقي الفن السعودي، بحيث يُنظر إليه كخطاب بصري مكتمل وليس بحاجة إلى تفسير خارجي كي يُفهم، ومن ثمّ ترسل رسالة دقيقة جدًا تعلمنا أن الذاكرة الاجتماعية السعودية، بحد ذاتها، أصل ثقافي قادر على أن يتجوّل العالم ويصل بشكله الأصلي ورمزيته. أعتاد السوق العالمي غالبًا على مكافأة الصدمة البصرية والتجريد والحداثة الشكلية، ولذلك تُعد هذه من نوادر المرات التي تصل فيها لوحة توثيقية إلى قمم السوق، خصوصًا عندما لا تكون اللوحة مرتبطة بحدث تاريخي، وعندما نمعن النظر إلى هذه النقطة ونربطها بـ 2 مليون دولار، سنلاحظ وجود سلوك صاعد وسط الدوائر الفنية، وهو البحث عن سردية ثقافية ومركزية تاريخية تمكِّن مقتني الفن من الارتباط بالعمل من خلال مسارات تتجاوز الجماليات والخطوط المجرّدة. كما أنّ وجود اللوحة لدى Sotheby’s، بعد أن كانت من مجموعة شخصية كان يمتلكها السفير الإسباني السابق لدى السعودية، ألبرتو ميستاس غارسيا، وزوجته ميرسيدس سواريز دي تانجيل غوزمان، مؤشر على أن المؤسسات الفنية تستجيب لهذا السلوك وتستثمر به.

لم تكن بن زقر ترسم للسوق ولا للحظة مثل هذه، بل كانت ترسم لتوثق اللحظة السعودية. حملت على عاتقها وظيفة الكاميرا، وفتحت للرسم مساحة موازية للسرد القصصي الشفهي، وكانت تجمع البيوت والمباني والأثاث والشخصيات والألوان الدقيقة والزخارف البارزة والأزياء والقصَّات والقِصص في لوحة واحدة، ولن تجد في أعمال بن زقر محاولة لتجميل الواقع أو إعادة صياغته، كما أنك بالتأكيد لن تجد منها محاولة لإرضاء الذائقة الغربية أو الامتثال للمعايير الفنية التقليدية السائدة آنذاك، كانت ما تقوم به من السعودية وإليها. تقول د. إيمان الجبرين، الباحثة والفنانة والقيمة التي كرّست أطروحتها للدكتوراه لمسيرة بن زقر، في مقالها الذي نشرته على مجلة هي، أن افتتاح معرض الرسوم الأول للفنانة صفية بن زقر ومنيرة موصلي، بعد عودتهما إلى جدة من دراسة الفن، لم يخطط له بشكلٍ عشوائي، إذ منحت دعوة سمو أمير مكة المكرمة آنذاك الممارسة الفنية شرعية اجتماعية في نظر المجتمع. وتذكر الجبرين أن الفنانتين كانتا تؤمنان بأن تلك الزيارة أسهمت في تعزيز تقبّل تعليم المرأة نتيجة رؤية المجتمع لثمار التعليم، كما لفتت الانتباه إلى أهمية إدراج التربية الفنية ضمن المناهج الدراسية.

نحن، نتيجة كسر الفضاء الافتراضي لكل الحدود الجغرافية، أصبحنا أكثر إلحاحًا على ما يسمى بـ "العالمية" وهو ناتج طبيعي لشعورنا بأن العالم بات دائرةً واحدة، والأمر بقدر ماهو معقد إلا أن شخصيات مثل بن زقر تجعله واضحًا. تخبرنا صفقة بيع اللوحة أن العالم يكافئ من جاء بما يعلم وبما هو جزء منه ويُعبر عنه، وليس من أعاد تدوير النماذج الموجودة بوصفها "اللغة العصرية"، ومن هنا وصلت اللوحة لأن بن زقر جنّدت موهبتها لمستقبل الذاكرة السعودية. أنتبه، هذا ليس ادعاءً ضمنيًا بأن الفنانة كانت تسعى للعالمية، ولكنها بتركيزها على محيطها كشفت لنا الطريق، وهذا بالضبط ما يجب أن يكون أساسيًا في عمل المصمم السعودي اليوم، وحتى الكاتب والموسيقي والمصوّر، ولعل ما تقوله لوحة صفية بن زقر للموضة السعودية ليس ما يجب أن نفعله، بل ما يجب أن نتوقف عن فعله.