مسلسل "The Studio".. كيف سخر سيث روجان من هوليوود... وحصد جوائزها
حصد مسلسل The Studio العديد من الجوائز الهامة، منها 13 جائزة إيمي، ثلاث جوائز من رابطة النقاد، وآخرها جائزتي أفضل مسلسل كوميدي وأفضل ممثل (سيث روجان) في الجولدن جلوب. المسلسل هجاء حاد لواقع هوليوود اليوم، في إطار كوميدي يقدمه سيث روجان بلمسات لاذعة. العمل عن مدير استديو يحاول التوفيق بين إيمانه بدور الفن الحقيقي وإرضاء مالك الاستديو الباحث عن الإيرادات. المسلسل يبث على Apple TV+ وهو من ابتكار وبطولة سيث روجان، مع طاقم يضم كاثرين أوهارا وكاثرين هان وآيك بارينهولتز وتشيس سوي ووندرز وبريان كرانستون، وكتابة سيث روجان بالاشتراك مع إيفان جولدبيرج وآخرين.
الاستديو: حيث تموت الأحلام
ذكرني المسلسل بصورة ما بالفيلم الكوميدي المصري "ابن الحتة" (1968) بطولة فريد شوقي، وجسد فيه شخصيته الحقيقية وشخصية دوبلير يشبهه، فيما جسد محمود المليجي دور مخرج ومنتج لا يهمه سوى المكسب المادي، يساعده عبد المنعم مدبولي الذي يجسد دور مساعد إخراج بلا ضمير. الفيلم دراما شعبية بسيطة تصور مواجهة بين أخلاق الحارة الطيبة في مواجهة شر وطمع منتج سينمائي، بينما لا يخلو السيناريو من السخرية من كواليس صناعة السينما التجارية في حقبة الستينيات، حيث استديوهات الإنتاج مهووسة بجني المال على حساب أي شيء آخر، كما يصور نجوم السينما الكبار سطحيون، غارقون في الملذات، ومفتونون بعالم النجومية، ويأتي الدوبلير الفقير ابن الحارة ليلقن الجميع درسًا في التواضع والأخلاق. الفيلم من تأليف نبيل علام وسيناريو وإخراج حسن الصيفي.

على جانب آخر، يتجاوز مسلسل The Studio فكرة تنميط عالم السينما في هوليوود، فيصور وقائع إدارة موظف عاشق للفن لاستوديو (كونتيننتال) سينمائي قديم يئن تحت وطأة الخسائر المادية المتتالية، رئيسه الجديد مات ريميك (سيث روجان) يحاول أن يبقي شعلة الفن الأصيل مشتعلة بينما يطالبه مالك الاستديو بأفلام تجارية تحقق إيرادات أسطورية على غرار فيلم "باربي"، ويحيط به جيش من التنفيذيين يعاملون الفيلم كأنه تريند، ونجوم يتصرفون كآلهة نزلوا لزيارة الأرض. انه المكان الذي تموت فيه أحلام الفن كما كُتب على أفيش المسلسل.

كواليس: فوضى غرفة الإجتماعات
مات ريميك، المدير الجديد لاستوديو (كونتيننتال)، الذي يحاول التوفيق بين شغفه بالسينما الجيدة وضغوط الشركة الأم لإنتاج محتوى تجاري سريع الربح. كل حلقة تقريبًا تبدأ بأزمة جديدة: نجم ينسحب، مشروع يفشل، اجتماع كارثي، أو ضغط لتحويل أي شيء إلى (ملكية فكرية) مربحة. الموسم يتكون من حلقات شبه مستقلة، لكن هناك خيط رفيع يربطها: صراع مات الداخلي بين "الفن" و"المال".

مزايا الحبكة في ذكائها الساخر: لا تعتمد على قصة خطية طويلة، بل على سلسلة من المواقف الكوميدية المبنية على واقع هوليوود. في حلقة "The Promotion"، حيث يضطر مات لتقديم فيلم "Kool-Aid" أمام التنفيذيين. يتحول المشهد إلى كابوس من الثرثرة التجارية حول القيمة والإيرادات، أجواء الغرفة تبتلع الإبداع. هذا التركيز على التفاصيل اليومية يجعل الكوميديا حادة ومؤلمة في آن.
العيب في التكرار؛ بعض الحلقات تعيد نفس النمط (اجتماع كارثي يتحول إلى أزمة ثم حل مؤقت)، مما يجعل الإيقاع يتباطأ في المنتصف، كأن المسلسل يخشى الخروج من منطقة الأمان. النهاية تبدو مفتوحة بشكل متعمد، لكنها تترك شعورًا بأن الفوضى لم تُحل، بل أُجلت فقط.

ضيوف الشرف: سكورسيزي يبكي
في The Studio، يظهر مارتن سكورسيزي، رون هاوراد، وسارة بولي وآخرون كضيوف شرف بشخصياتهم الحقيقية، هم أرواح هوليوود الإبداعية تدخل غرفة الاجتماعات المعاصرة كأنها دخلت قفصًا حديديًا. سكورسيزي يظهر في حلقة محورية حول "الفيلم الفني"، يجلس في الظل بصوته الهادئ الذي يحمل تاريخًا. يتحدث عن "السينما الحقيقية" بينما التنفيذيون ينظرون إليه كأنه متحف متحرك. دوره ليس كوميديًا مباشرًا، بل يصبح كوميديا سوداء حينما يتحدث بعمق وكل كلمة يقولها تُقابل بصمت محرج، وحينما يدرك الحقيقية يبكي كالأطفال.

رون هاوراد يظهر كمخرج صاحب تاريخ فني، يجد مات وفريقه أن عمله الأخير مع الاستديو يعيبه استطراد ممل في مشهد طويل يجب حذفه، لكن لا أحد يقدر على مواجهة مخرج عبقري بهذه العيب، يحول سيث روجان هذا الموقف إلى مناورات طويلة فاشلة، لتوصيل رفض الاستديو لنسخة فيلمه بصورتها الطويلة.
سارة بولي، الأكثر حدة، تظهر كمخرجة مستقلة تُحاول العمل بعيدًا عن تأثير وجود مات مدير الاستديو عليها وعلى طاقم التصوير أثناء تصوير لقطة طويلة لا تحتمل أي خطأ. يبدو مدير الاستديو داخل موقع التصوير مثل طفل أحمق متحمس لكنه يفسد كل شيء.
دمج الشخصيات الحقيقية وآخرون من المبدعين في العمل عبقري لأنه لا يعتمد على "السخرية منهم"، بل على الضحك على ردود أفعالهم في مواقف محرجة، نحن نشاهد أساطير حقيقية تُعامل كديكور في عالم أصبح يفضل الربح على القيمة الفنية.

كلاكيت: كوميديا الإحراج
المسلسل ينتمي إلى نوع "الكوميديا الكرينج "(cringe comedy) أو كوميديا الإحراج، ممزوجة بالهجاء اللاذع من واقع الصناعة. لكنه يضيف لمسة حنين لماضي السينما، تجعل الضحك يأتي مع شعور بمرارة حقيقية. مزاياه في التوازن: الضحك لا ينبع من النكات اللفظية فقط، بل من التناقض الصارخ بين أحلام الفن وواقع الربح وحساسية الأجندات الهوليوودية.
مات يحاول السير على الحبال. يتعامل مع فكرة تافهة عن زجاجة مشروب شهير بنكهات مختلفة تعيش وتتحرك في الواقع. فجأة يجد نفسه في مواجهة قضايا حساسة عن التنوع العرقي والسود والأقليات أثناء اختيار فريق التمثيل وأداء الأصوات. أو يواجه إتهامات استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسوم المتحركة لتوفير الميزانية بدلًا من الرسامين البشر. كل خطوة تتحول إلى فخ محرج، والكوميديا تنبع من هذا التصادم.

سيث روجان يقدم مات كرجل عادي في مكان غير عادي: عاشق للسينما على المستوى الشخصي، ومدير يطمح في صناعة أفلام ذات قيمة، لكنه محاصر بالأرقام والتنفيذيين مما يجعل مهمته مستحيلة. أداؤه مزيج من التوتر الكوميدي والصدق العاطفي؛ عيونه تعبر عن الإحباط قبل أن ينطق، كأنه فارس مثخن بالجراح يرتدي بدلة موظف لا يكترث به أحد. مزاياه في التواضع: لا يحاول أن يكون "البطل"، بل موظف روتيني يحاول البقاء في عالم شديد التغير، مما يجعل التعاطف معه سهلاً.
كاثرين أوهارا (باتي لي، المديرة السابقة) تقدم أداءً مذهلاً، مزيج من السخرية والألم، كأنها شبح هوليوود الكلاسيكية القديمة يرفض الموت. كاثرين هان تضيف طاقة متفجرة، شخصيتها تجمع بين الذكاء والجنون والتمسك بالقيمة. مزايا الطاقم في الكيمياء؛ كل مشهد جماعي ينبض بالحياة والتنافس على سرقة المشهد.
هوليوود: مزاد علني
الإخراج (روجان وجولدبيرج في معظم الحلقات) يعتمد على لقطات طويلة وإيقاع سريع، كأنه يقلد أسلوب الأفلام الكلاسيكية مع لمسة حديثة. مزاياه في الدقة؛ مشاهد الاجتماعات طويلة لكنها مضحكة بسبب التوقيت المثالي لبداية النكتة ونهايتها، كأن الكاميرا نفسها تشارك في السخرية. الموسيقى والتصوير يعززان الجو، ألوان دافئة في الاستوديو وباردة في اللحظات الدرامية.

بعض الحلقات خرجت عن السياق مما أضعف تماسك الفكرة. مثل حلقة The Pediatric Oncologist، حيث يتورط مات في علاقة عاطفية مع طبيبة أورام أطفال، فيتحول الحوار إلى جدال فلسفي مطول عن "هل الفن يستحق أن يُقارن بدور الطب في إنقاذ حياة الأطفال؟"، ويصبح المشهد أقرب إلى نقاش أخلاقي جاد من كوميديا محرجة، فتفقد الحلقة إيقاعها الساخر. أو حلقة The War، التي تبدأ بصراع طفولي ساذج بين موظفين حول من يملك أفضل مكان لركن سيارته، لتتحول إلى مشاحنات مكتبية مملة بدلًا من تصعيد كوميدي حقيقي، فتبدو كحشو لا يخدم الفكرة الرئيسية. هذه الحلقات رغم بعض لمحات الكوميديا كانت الأضعف والأقل ابتكارًا في الموسم.
العمل ليس مجرد كوميديا سطحية عن هوليوود، بل مرآة سوداء تعكس كيف تأكل هوليوود نفسها، كأن استوديو (كونتيننتال) رمز لكائن حي شديد الجمال أصابته لعنة وأصبح مسخًا يحاول البقاء على قيد الحياة بينما يبتلعه الجشع والخوف من الفشل. المسلسل مثل الدواء المر، لاذع وكريه لكنه يوقظك على حقيقة قاسية: الفن لم يعد سوى سلعة رخيصة، يُقاس نجاحه بعدد اللايكات ونفوذ المؤثرين، ويُباع في مزاد علني قبل أن يُكتب السيناريو.