الذكاء الاصطناعي في خدمة الرعاية الصحية: كيف تُطيل التكنولوجيا عمر الإنسان؟
استباق الأحداث هو القدرة على توقّع ما قد يحدث قبل وقوعه، ثم الاستعداد له أو اتخاذ خطواتٍ مبكرة للتعامل معه. الفكرة ليست التنبؤ بالغيب، بل قراءة المعطيات الحالية بذكاءٍ وربطها ببعضها للوصول إلى احتمالات منطقية.
بمعنى آخر؛ هي تفكيرٌ استراتيجي يعتمد على تحليل الواقع، يساعد على تجنّب المشكلات قبل ظهورها، يتيح اغتنام الفرص قبل الآخرين ويعتمد على مزيج من الخبرة، الملاحظة، والحدس المدعوم بالمنطق.
يمكن للأفراد والشركات تبنَي هذا التفكير والعمل وفقه، لتحقيق المكاسب؛ لكن ما علاقة استباق الأحداث بالصحة، وكيف يمكن الاستعانة به في تحسين صحة المجتمعات؟
في السنوات الأخيرة، شهد الطب تحولاً جذرياً من نظام رعايةٍ صحية يعتمد على الاستجابة للمرض، إلى نظامٍ يستبق حدوثه. ويُعدّ الذكاء الاصطناعي جوهر هذا التحول، بحسب الدكتور هاربریت سود، طبيب حاصل على ماجستير في الصحة العامة - المدير الطبي لشركة سكاي هيلث، الذي يقول أن ليس المقصود هنا النسخة الرائجة منه، بل الأنظمة القائمة على أسسٍ سريرية والتي تُحلَل أنماط تحاليل الدم، أنماط النوم، نبضات القلب، وحتى جيناتنا. وتُساعد هذه الأدوات الفرق الطبية على رصد الإشارات المبكرة التي غالباً ما تُغفل؛ وعندما نتمكن من رصدها مبكراً، يضيف سود؛ نستطيع التدخل مبكراً.
هذا التحول البسيط قادرٌ على إطالة سنوات العمر التي يتمتع فيها الناس بصحةٍ جيدة ونوعية حياةٍ عالية، والمعروفة باسم "العمر الصحي".
إذن؛ فاستباق المرض قبل حدوثه يُعدَ أمرًا في غاية الأهمية، خاصةً في منطقتنا، وهو ما يشرحه لنا الدكتور سود في مقالة اليوم.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الرعاية الصحية
الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس واحدًا، بل مجموعةً من الأهداف التي تتقاطع بين تسهيل الحياة وتوسيع قدرات الإنسان. ويمكن تلخيصه في فكرةٍ بسيطة: جعل الآلات تفكّرُ بطريقةٍ تساعد البشر على الإنجاز بشكلٍ أسرع، أذكى، وأدق.
وإدخال عنصر الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يُعدَ أمرًا بالغ الأهمية، خصوصًا الآن، يؤكد الدكتور سود؛ لأن وتيرة الحياة العصرية، وبشكلٍ خاص في دول مجلس التعاون الخليجي، سريعة. ويضيف: "يسافرُ العديد من مرضاي بين دبي والرياض ولندن وسنغافورة، مُبدّلين المناطق الزمنية، ومُوازنين بين أدوارٍ تتطلب جهداً كبيراً، ويضعون نصب أعينهم وعائلاتهم توقعاتٍ عالية. إنهم يستثمرون في الأداء، سواء كان ذلك يعني الحيوية، أو الثقة بالنفس، أو المرونة اللازمة للنجاح في المنزل والعمل. ومع ذلك، فإن الأنظمة الصحية التي تدرَبنا عليها صُممت لعصرٍ مختلف: عصرٍ كنا ننتظر فيه ظهور الأعراض، نحجز موعداً، ونتلقى العلاج."

في حين أن ما نشهدهُ اليوم، مدعومًا بأبحاثٍ حديثة من مجالاتٍ مثل التشخيص المبكر، علم الجينوم الوقائي، وعلم القلب والأيض؛ هو أنه بحلول وقت ظهور الأعراض، تكون العديد من الحالات قد تطورت لسنوات. ويشرح الدكتور سود قائلًا: "يكمن مستقبل الصحة، والسبب وراء قوة الذكاء الاصطناعي، في قدرتنا الآن على رصد تغيَراتٍ طفيفة في الجسم قبل وقت طويل من تحولها إلى مشاكل. تغيَرات طفيفة في الالتهاب، تغيَرات مبكرة في مستوى السكر بالدم، واتجاهات هرمونية تشير إلى كيفية تطور الطاقة، أو التمثيل الغذائي، أو الحالة المزاجية، وأنماط النوم والتعافي التي تُظهر ما إذا كان التوتر يتراكم في الجسم."
وعن دور التكنولوجيا في تعزيز العلاقة بين الطبيب والمريض، يقدم لنا الدكتور سود الذي يتمتع بخبرةٍ واسعةٍ في التشخيص المبكر والرعاية الوقائية والتكنولوجيا الصحية تجربته الخاصة بالقول: "بصفتي طبيبًا عملتُ في المستشفيات، والرعاية الصحية الأولية، وفي الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية؛ فقد رأيتُ أن التكنولوجيا لا تنجح إلا عندما تُعزَز العلاقة بين الطبيب والمريض، لا أن تحل محلها. لا يُمكن تفويض الحكم أو التعاطف إلى خوارزمية، ولكن بالإمكان استخدام الأنظمة الذكية للمساعدة في دعم عملية اتخاذ القرار."
ويضيف: "لنأخذ صحة القلب والأوعية الدموية كمثال. لا يزال مرض القلب أحد الأسباب الرئيسية للوفاة على مستوى العالم؛ ومع ذلك، غالبًا ما تكون علاماته المبكرة غير مرئية. اليوم، تُتيح لنا المؤشرات المتقدمة للدهون، التصوير الوعائي، والمراقبة المستمرة، اكتشاف المخاطر في مرحلةٍ أبكر من أي وقتٍ مضى. ويساعد الذكاء الاصطناعي في ربط هذه المعلومات، وتحديد الأنماط في نتائج المختبرات وبيانات نمط الحياة والتصوير الطبي، لرسم صورةٍ أوضح للمخاطر المستقبلية. وهذا يُمكّننا من التدخل عندما تكون التغييرات طفيفةً وقابلة للعكس."
لكن التأثير الأهم للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل ما يُتيحه لنا؛ يؤكد سود. فهو يُتيح لنا الانتقال من الفحوصات السنوية إلى الوضوح المستمر، ومن التخمين إلى الفهم العميق، ومن الخوف من المرض إلى الثقة في الصحة على المدى الطويل. كما يُساعد العائلات على اتخاذ قراراتٍ مدروسة بشأن نمو أطفالهم، شيخوخة آبائهم، وصحتهم. ويُضفي التماسك على نظام الرعاية الصحية الذي غالبًا ما يبدو مُشتتًا. ومع دخولنا هذا العصر الجديد، لم يعد السؤال يدور حول كيفية تأثير التكنولوجيا على صحتنا، فهي تُؤثر بالفعل. السؤال الحقيقي هو كيف نختار استخدامها: هل نستخدمها بشكلٍ تفاعلي عند ظهور المشاكل، أم بصورةٍ استباقية لإطالة سنوات حياتنا الصحية؟
في الخلاصة؛ فإن الذكاء الاصطناعي والصحة موضوع يزداد ثراءً (وليس نقاشًا) كل يوم، لأنه يجمع بين أكثر مجالين تأثيرًا في حياة الإنسان: التكنولوجيا والطب. وعندما يلتقيان، تتغيّر طريقة فهمنا للمرض، الوقاية، العلاج، وحتى إدارة أنماط حياتنا.
فالذكاء الاصطناعي لا يحلَ محل الطبيب، بل يساعده في تقديم التوصيات، تسهيل اتخاذ القرارات وتقليل الأخطاء من خلال رصد المشاكل الصحية التي قد تلمَ بنا في مرحلةٍ مبكرة، وقبل أن تتحول لأمراضٍ مزمنة يصعب علاجها أو الشفاء منها.