خاص "هي": "باكورة بهاء" عرض أزياء سعودي لذوي الإعاقة يحتفي بالشمولية والتكيف
في كل مرة تقترب فيها الموضة من الإنسان، تتبدّل مفاهيمها تلقائيًا. فالأناقة لم تعد مرتبطة بالشكل وحده، بل أصبحت فعل رعاية، ووعيًا بالاحتياج، وقدرة على الحركة بحرية وكرامة. من هذا المنطلق، تعود مبادرة "باكورةبهاء" في نسختها الثانية، مؤكدة أن الأزياء المتكيفة ليست فئة هامشية، بل جزء أصيل من مشهد إبداعي أكثر شمولًا وإنسانية.
بعد انطلاقتها الأولى العام الماضي، التي وضعت الأساس لحوار جديد بين التصميم والاحتياج الحقيقي، جاءت النسخة الثانية أكثر نضجًا ووضوحًا في رسالتها: الإنسانيةمع ذوي الإعاقة، ومنحهم مساحة يُصمَّم فيها اللباس من أجلهم، لا من حولهم. عرض أزياء تحوّل إلى منصة تفاعلية، تحتفي بالاختلاف، وتعيد تعريف العلاقة بين الجسد والملبس بوصفها علاقة شراكة، لا تكيّف اضطراري.
في هذا الحوار الخاص مع "هي" مع الأستاذة رحاب الأحمدي، المديرة الفنية لمبادرة "باكورة بهاء"، نقترب أكثر من رؤية المبادرة، وخلفياتها، وتجربتها الإنسانية، وطموحها المستقبلي في مشهد الموضة السعودية.
كيف وُلدت فكرة "باكورة بهاء"، ومتى أدركتم أن الأزياء المتكيفة تحتاج منصة خاصة؟
وُلدت فكرة "باكورة بهاء" في أغسطس 2024 مع بداية صدور تصاريح عروض الأزياء. نحن نعمل في قطاع الملابس المتكيفة منذ عام 2022، وواجهنا خلال هذه الفترة صعوبات كبيرة، سواء في إيجاد جهات خياطة تفهم طبيعة الاحتياج، أو في إقناع الجهات المصنعة بأهمية هذا النوع من الأزياء. بعد بحث استمر قرابة عامين دون نتيجة، أدركنا أننا بحاجة إلى تغيير أعمق في طريقة خياطة الملابس، وفي النظرة العامة لاحتياجات ذوي الإعاقة، خصوصًا وأن هذه الفئة تمثل جزءًا كبيرًا وأصيلًا من المجتمع.
ما الذي يميز النسخة الثانية من "باكورة بهاء" عن النسخة الأولى؟
في الإصدار الثاني، كانت الفكرة الأساسية هي ربط المصمم مباشرة بذوي الإعاقة، من دون أي وسطاء. المصمم يصمّم للشخص نفسه، ويتعلم منه. خلال "بهاء"، قام المصممون بدراسة الاحتياجات لمدة ستة أشهر، ثم عدّلوا تصاميمهم بناءً على ذلك. كما حرصنا على تمكين أمهات أطفال من ذوي الإعاقة ليشاركن في التصميم، لأنهن الأكثر فهمًا لاحتياجات أطفالهن. بالنسبة لنا، هذا هو التمكين الحقيقي.
كيف تم التعاون بين المصممين وذوي الإعاقة لضمان أن تكون التصاميم عملية وصادقة؟
قمنا بتنسيق التواصل المباشر بين المصممين وذوي الإعاقة، مع وجود فريق "بهاء" لدعمهم بالنصيحة والمشورة، بحكم خبرتنا في مجال التصميم التكيفي. هذا التعاون المباشر أثمر عن تصاميم واقعية، عملية، وتحترم الاحتياج الحقيقي، لا المتخيَّل.
من هم المصممون المشاركون، وما طبيعة التصاميم التي قُدمت؟
شهد العرض مشاركة نخبة من المصممين والمصممات السعوديين، من بينهم:
أفراح الدوسري لعلامة ONIX، وهناء الحداد من ELITE، اللتان قدمتا عبايات مستوحاة من التراث بتفاصيل مدروسة. كما شاركت المصممة هبة فراش بتصميم فستان يناسب مستخدمي الكراسي المتحركة، وقدّمت نورة المحمود عباية رياضية مخصصة للرياضيين من ذوي الإعاقة. إضافة إلى تصاميم للأطفال والرجال من شوق الجعيد، وإكسسوارات مثل الحقائب والقفازات من تصميم راكان. جميع الأعمال تميزت بحلول عملية مثل القصّات المرنة، والسحّابات الذكية، والعناصر التي تعزز الاستقلالية.
ما الرسالة التي يوجّهها هذا العرض للمجتمع وصناعة الأزياء؟
رسالتنا الأساسية هي أن الملابس يمكن أن تكون شاملة، لا مخصصة لفئة واحدة فقط. الأزياء الشاملة تحتاج أحيانًا إلى تعديلات بسيطة، لكنها قادرة على احتضان الجميع، من دون استثناء، ومن دون وصم.
كيف تسهم مشاركة ذوي الإعاقة كعارضين في تغيير الصورة النمطية؟
مشاركة ذوي الإعاقة وهم يمشون على المنصة إلى جانب العارضين الآخرين، كتفًا بكتف، تعكس رسالة قوية: أن الحالة الجسدية لا تمنع الإنسان من الحياة الاجتماعية أو من التعبير عن ذاته. ما شاهدناه من تفاعل الحضور، ومن مشاركة الرياضيين والأمهات مع أطفالهم، خلق أجواء إنسانية صادقة، مليئة بالفخر والاعتزاز.
ما طموحكم لمبادرة "باكورة بهاء" في المستقبل؟
"باكورة بهاء" هي بداية تغيير، ولهذا اخترنا اسمها. نطمح إلى أن تستمر سنويًا، وأن تكبر في حجمها وتأثيرها، لتصل محليًا وعالميًا، وتكون جزءًا من حوار عالمي أوسع حول الموضة الشاملة.
مع "باكورة بهاء"، لا تقف الموضة عند حدود التصميم، بل تمتد لتلامس الإنسان واحتياجه الحقيقي. مبادرة تذكّر بأن الشمولية ليست خيارًا إضافيًا، بل جوهر أي مشهد إبداعي يسعى إلى النضج والاستدامة.