باريس في موسم الأحلام: هندسة الخيال وفتنة الجمال في موسم كوتور ربيع 2026

باريس في موسم الأحلام: هندسة الخيال وفتنة الجمال في موسم كوتور ربيع 2026

نورا البشر
2 فبراير 2026

في قلب باريس العريقة، حيث يتماهى التاريخ مع روح العصر، أطل أسبوع الأزياء الراقية لموسم ربيع وصيف 2026 كلوحة فنية باذخة، تحتفي بقدرة الإنسان على صياغة الأحلام من خيوط الخيال. جاء هذا الموسم ليرسخ مكانة الكوتور كفعل مقاومة جمالي، حيث امتزجت أصالة الحرفة اليدوية بفتنة الابتكار المستقبلي، في مشهد مهيب يحبس الأنفاس ويفتح آفاقاً رحبة لتعريف جديد للفخامة.

هنا، تحولت منصات العرض إلى مسارح كونية، تعانقت فيها الأقمشة المنسوجة ببراعة مع تموجات الألوان وبريق الخامات، لتخلق واقعاً موازياً يفيض بالشاعرية. برع المصممون في استحضار أسرار الطبيعة وعجائب الفضاء، وصاغوا من الحرير، الدانتيل، والمعادن المصقولة قطعاً فنية تتجاوز الموضة لتصبح إرثاً بصرياً خالداً. كان الحضور على موعد مع سيمفونية من الألوان الحالمة والقصات الهيكلية التي تبرز قوة الأنوثة ورقتها في آن واحد، مؤكدة أن باريس ستظل القلب النابض لكل ما هو استثنائي وساحر.

 

"سكياپاريلي": لدغة الجمال بين العذاب والنشوة في مجموعة ربيع 2026 للأزياء الراقية

افتتح "دانيال روزبيري" أسبوع الهوت كوتور بـ "لدغة" أعادت ترتيب المشهد؛ فلا أحد يتقن رفع ضغط الإبداع إلى حدوده القصوى في بداية الموسم مثل دار "سكياپاريلي". هذه المرة، شدّ "روزبيري" الرحال إلى روما، مسقط رأس "إلسا"، باحثاً عن الإلهام تحت ظلال كنيسة سيستينا، حيث يتجلى "ميكيل أنجيلو" في سقفٍ يغير مفاهيم من يتأمله. هناك، قرر "روزبيري" أن يترك التفكير المنطقي جانباً ويسمح للمشاعر المحضة بأن تقود دفة الإبداع.

النتيجة هي مشهديه بصرية مذهلة، وعالم من الكوتور تسكنه كائنات تذهل الرائي وتلدغه بجمالٍ يمزج بين الرهبة والألم. في مجموعة حملت عنوان "العذاب والنشوة"، أعاد هذا المصمم الأمريكي صياغة تاريخ الدار الباريسية ذات الجذور الرومانية، محولاً ذيول العقارب وأسماك النفاخ والطيور الجارحة إلى أيقونات عصرية للموضة.

"توقفتُ للمرة الأولى منذ سنوات عن التفكير في مظهر الأشياء، وبدأتُ أركز على شعوري أثناء ابتكارها. تلك اللحظة التنويرية شكّلت كل قطعة؛ الضربات الحادة والخطوط المتعرجة أصبحت ذيولاً لعقارب، ورسمتُ أنياباً للأفاعي، ومزجتُ نماذج الكوتور الكلاسيكية بالسم." يقول "دانيال روزبيري".

مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

تجسدت هذه الرؤية في قطع لم تكن مجرد أزياء، بل كائنات متحولة تروي قصة الحرفية العالية؛ حيث نرى دوامة الفراشة في فستان من الدانتيل المشغول يدوياً بالكامل، والذي تطلب أكثر من 4000 ساعة من التطريز ليتناغم مع تنورة تول بتأثير ضبابي يحاكي ظلال اللوحات الكلاسيكية. وفي صياغة أخرى للطبيعة، ظهر فستان "بستيه" بفتحة صدر درامية مزينة بريش طاووس مغطس بالكريستال، تطلب تنفيذه 13,800 ريشة من الحرير الخام بـ 28 درجة لونية.

مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

واستمر السرد البصري مع التصاميم التي تتحدى المألوف، مثل الـ "بستيه" الشفاف الذي يتحول ببراعة إلى ذيل عقرب من الدانتيل ثلاثي الأبعاد المثبت بالإبر، يرافقه تنورة من صوف الكافيار. وحتى جاكيت "إلسا" الأيقوني، فقد أُعيد تعريفه بأكتاف حادة وياقة أجنحة مطرزة بآلاف الريش الملون يدوياً، مع أربعة مناقير طيور منحوتة تبرز من القماش لتعلن التمرد على الجاذبية. لقد نجح "روزبيري" في جعل الفن يتنفس من خلال القماش، محولاً الغرائز البدائية إلى تجربة بصرية لا تُنسى.

مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "سكياباريلي" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

محمد آشي يقدّم "البدايات" عبر هيكلة متقنة وتعقيد شاعري في مجموعة ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية

من يتابع المسار الفني لدار ASHI STUDIO يدرك وقوفها الدائم على حافة العتمة، عتمة تسكن الظلال وتحمل حقيقتها بهدوء، قريبة، آسرة، ذات جمال يترك أثره ببطء. في Palais Brongniart، وضمن مساحة عرض بدت كجوفٍ معماري مغطّى بالقماش، اتخذ هذا العالم شكله الكامل. ممر طويل تشكّل من طبقات القماش العاجي المنسدل، سقف يهبط بثقله الناعم، وستائر ضخمة تتدلّى على الجانبين وتلتقي بصريًا في الأعلى، تصنع إحساسًا بالاحتواء وهيبة صامتة في آن واحد.

هنا بدا العرض امتدادًا طبيعيًا للحالة الداخلية التي تصوغ هوية الدار، مساحة خُلقت لتُمهّد للرؤية قبل ظهور الجسد، وكأن المكان نفسه جزء من السردآشي صانع أزياء شاعري، يستخرج إلهامه من بيتٍ شعري، من فكرة مفرطة الرهافة، حسّاسة تحتمل الإيحاء أكثر من الكشف. الإبداع ينطلق من إحساس داخلي، من ومضة ذهنية تُخاط بعناية وتُترك مفتوحة على التأويل، معنى يتكوّن تدريجيًا مع الحركة والضوء والزمن.

مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

ارتبطت الدار بالصور الظلية النحتية وبقدرة عالية على إدارة النِّسب، أشكال تلتصق بالجسد ثم تنفلت عنه في حركة متواصلة بين الاحتواء والانفجار. الأقمشة المتآكلة تقف جنبًا إلى جنب مع حِرفة فائقة الدقة، ودرجات البيج والألوان الشاحبة تُدفع باتجاه التشبع، فيما يظل الانضباط مشدودًا إلى فائض محسوب، توتر واعٍ يحكم كل تفصيلة.

مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

هذا الموسم يتحدث عن البدايات، بداية اليوم تحديدًا، لحظة الفجر حين يذوب العالم لثوانٍ، وحين يتحرر الجسد والفكر من الخوف ومن فكرة الحدود. زمن هش وقصير يحمل وعد التحوّل قبل عودة النظام.

المجموعة تنشغل بالهشاشة وبالقوة الإنسانية الكامنة داخلها، هشاشة مصاغة ومدروسة ومحمولة على بناء صارم، تُدار بالحرفة وبالوعي البنيوي.

الحداد يتجاور مع الوهم، والحب يلامس الجنون، والنشأة معقّدة عن قصد. طقوس الحداد الفيكتورية تتحول إلى مفردات تصميمية، شعر مضفور داخل فساتين مشدودة ينسدل على الظهر كعمود فقري مكشوف، مفاتيح وعناصر فانية منسوجة داخل القماش كإشارات صامتة. تقنيات المشدات من القرن الثامن عشر تُحرق وتُنهك حتى تنفصل عن زمنها وتتكلم بلغة معاصرة، والرسم الإيهامي يحوّل الأقمشة المنسدلة إلى ساتان متخيّل فوق هياكل جسدية عالقة في منتصف التحوّل، حيث تقترب الأزياء الراقية من قراءة استباقية للجسد والذاكرة.

كل قطعة تحمل قصدًا متعدّد الطبقات، لاتكس يندمج مع أسطح مرسومة، ترتر يحمل أثر لهب متعمّد، نصوص مطرزة بأبجديات مخترعة. لوحة الألوان ترابية صدئية، بيج مُختزل إلى جوهره، ألوان الآثار والبقايا، ألوان ما يصرّ على البقاء.

تدفع هذه المجموعة حدود الدار إلى مستوى جديد من حيث المادة، جبس وحجر وقصدير مُشكّل وجلد، وصور ظلية منحوتة بدقة تلامس العمارة. هذا التوسع يشير إلى ثقة واضحة واختبار واعٍ لهشاشة الأزياء الراقية عبر إدخال الوزن والكثافة والمقاومة.

الرومانسية تبقى حاضرة بقوة، الصلابة تصطدم بكشكشات رقيقة، وخيوط كريستال تتدرج في طبقات متتابعة، العاطفة تستمر أكثر حدّة وأكثر وضوحًا، والجمال يُسمح له بالارتجاف أمام الصرامة.

في التقادم، في التآكل، في التشويه المتعمّد، وفي اللمعان الذي يخفت، تتجلى صراحة نادرة. لو اتخذ الصدق شكل أزياء راقية، لكان هنا، مجموعة تختار الحقيقة مسارًا.

"لا يطلب آشي منك الاختيار بين الشوق والتخلّي. يدرك حضورهما معاً، متشابكين، يصلان في اللحظة نفسها. يفهم أن أكثر الحقائق قوطية هي الأكثر حميمية: أن الافتراس الحقيقي متبادل، أن تلتهم الآخر يعني أن تُلتهم معه، حتى ينهار الاثنان في كيان واحد. هذا تعبير عن الشغف بلا مواربة. هذه حافة التوق الحادّة. هذا ما يسكن الظلال، وقد وجد أخيراً شكله." يقول محمد آشي.

مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة آشي ستوديو ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

تحت قبة السيرك الباريسي تتجسّد هندسة الانضباط في مجموعة ستيفان رولان ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية

يمتلك "ستيفان رولان" فهماً دقيقاً لكيفية بناء المشهد، عروضه تُقدَّم كمسرح للأزياء الراقية، منضبط في إيقاعه، واعٍ بمقصديته، ومحكوم بعلاقة صارمة مع الفضاء. هذا الموسم تحوّلت المنصة إلى سيرك، مقاربة قائمة على الرصانة والاحترام والذكاء، بلا استعراض فائض ولا صخب مفتعل.

يحضر عمل "رولان" دائماً مشبعاً بالغاية، في هذه المجموعة تتجلّى الغاية في فعل الحفظ، السيرك بوصفه فناً مهدَّداً، يعيش على الانضباط والتكرار والذكاء الجسدي للإنسان. السيرك الذي يستحضره يثمّن الجهد، ويُعلي من الطقس، ويمنح الحركة معنى يتقدّم على الفوضى البصرية. كل خطوة، كل التفافة، كل توقّف، تُقرأ كذاكرة جسدية متراكمة، صُنعت عبر الالتزام، ويقابلها جمهور يدرك معنى الانضباط حين يراه.

لا يُلبِس "رولان" النماذج الرمزية والتقليدية للسيرك، بل يستخلص جوهرها، لغة السيرك تظهر بالإيحاء لا بالتمثيل المباشر. تقنيات الأزياء الراقية والتي هي ثمرة سنوات من الإتقان، تتحوّل إلى أدوات شدّ بصري، الهندسة تقود العين، الصمت يحتل الفضاء، والمشهد يتشكّل عبر السيطرة المُحكمة.

مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

الصور الظلية حاسمة ومعمارية، خطوط حادة، أحجام واسعة، عباءات مقصوصة بعناية. لوحة ألوان مشفّرة بسينوغرافيا السيرك، من الأحمر، الأبيض، الأسود وجميعها تثبّت المسيرة والمفهوم وتمنحها ثباتاً رمزياً. الذهب يتوّج السرد، ثم تحضر الحمائم أولاً، دقيقة في حضورها، دلالية في معناها، كعلامات ترقيم داخل النص البصري، تستقر الصورة في المكان، ممتعة ومؤثرة، وذات وقع مهيب هادئ.

وفي ذروة هذا الانضباط، فاجأ "رولان" الحضور بمشاركة الفنانة "أميمة طالب" التي سارت على الحلبة كجزء من هذا التكوين البصري، مضيفةً بطلتها هدوءاً وثباتاً عكس روح المجموعة. وتلا ذلك أداء هوائي حي تحت القبة، حيث طفا جسد المؤدية بأورغانزا بيضاء وكأنها ضوء يتحرك برشاقة تتحدى الجاذبية باتزان وأناقة.

مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

هذا العرض وهذه المجموعة مدهشان في مفهومهما، وفي أزيائهما الراقية بعقلها وانضباطها، ويقف "رولان" بوضوح كسيّد الحلبة في حرفته.

مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ستيفان رولان" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

 "جوناثان أندرسون" تحت سماء "ديور": سردية الزهور وتحدي الذاكرة في ربيع 2026 للأزياء الراقية

في الظهور الأول المرتقب لـ"جوناثان أندرسون" في الأزياء الراقية لدى دار "ديور"، قادت الاستراتيجية المشهد. اختار "أندرسون" مساراً محسوباً، وثبّت خطوته الأولى على أرضية من التبجيل الواعي، متجهاً نحو الشخصية الأكثر ترسخاً في الذاكرة الجمعية لتاريخ الدار الحديث، "جون غاليانو". "إنه ديور في المخيلة العامة"، هكذا قال أندرسون في Business of Fashion، عبارة سبقت العرض ورسمت إطاره الذهني قبل أن تظهر الإطلالة الأولى.

الشرارة المفاهيمية انطلقت من لحظة شخصية. زهور السيكلامين التي قدّمها "غاليانو" لـ"أندرسون" عند اطلاعه على أول مجموعة نسائية له العام الماضي، تحولت إلى النواة العاطفية والبصرية للمجموعة. الزهور والحدائق والجمال المُهذّب تشكّل جوهر لغة ديور، امتداداً لرؤية "كريستيان ديور" للمرأة ككائن زهري نابض بالحياة. انعكس ذلك على فضاء العرض كاملاً. سيكلامين يتدلّى من السقف، يلامس الأذن، ينساب عند فتحات الياقات، ويغمر المكان بحضور احتفالي مكثف. المشهد استدعى جدران الزهور التي أحاطت بعرض "راف سيمونز" الأول عام 2012، مع صدى واضح في اختيارات الألوان وخفة الإيقاع الهوائي في الإطلالة الثامنة عشرة.

مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

المجموعة نفسها جاءت كدراسة دقيقة في التوتر. طبقات متعددة وكثافة فكرية صنعت مواجهة مباشرة بين هويتين إبداعيتين. إرث ديور يصوغ الشكل عبر المنحنيات والأناقة. أندرسون يتعامل مع الشكل عبر التفكيك والملمس والهوس بالحِرفة. هذا الاحتكاك حدّد إيقاع المجموعة. تحت الطبقات الطليعية، ظهرت قطع مصممة وقابلة للارتداء. الظلال نطقت بوضوح بلغة "أندرسون"، فيما ظل الإزهار من روح "ديور"، راسخاً في بنيته الجمالية.

مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

الملابس حملت حضوراً منحوتاً ومُعالَجاً، في إشارة إلى "ماغدالين أودوندو"، الفنانة التي يقتني "أندرسون" أعمالها، والتي امتد أثرها أيضاً إلى تحديث حقيبة ليدي ديور. هنا، عملت الأزياء الراقية كبحث مادي، مختبر للنِسب والأسطح والبناء.

انطلق "أندرسون" من مفرداته في الأزياء الجاهزة، ثم وسّعها بالحجم والتفاصيل. الأزياء الراقية ظهرت كصيغة تجريبية للجاهز، مدفوعة إلى حافتها المفاهيمية. النتيجة تركت أثراً واضحاً وفتحت مساحة للترقب. التطلع الآن يتجه نحو "ديور" يتحدث بصوت "أندرسون" بدرجة أعلى من الاستقلالية، وبحضور أكثر حدّة وحسماً.

مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "ديور" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

تحت قبة القصر الكبير: "بلازي" يحرر روح شانيل من إرث التويد في ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية

تحت القبة الزجاجية لـالقصر الكبير Grand Palais، لم يقدم "ماثيو بلازي" مجرد عرض كوتور أول لدار "شانيل"، إنما صاغ فصلاً جديداً يتنفس الخفة والبهجة. وسط تجهيزات مسرحية لافتة، من أشجار الصفصاف الوردية ودوائر الفطر العملاقة التي استحضرت ذكريات "كارل لاجرفيلد" وسحر "أليس في بلاد العجائب"، اختار "بلازي" أن يواجه التوقعات العالية بتلاعب مدروس بدلاً من الجدية الصارمة.

انطلق "بلازي" في هذه المجموعة من تحدٍ استثنائي: كيف نصل إلى روح "شانيل" بعد تجريدها من رموزها التقليدية؟ 

مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

في عرض تقديمي لـWWD، قال "بلازي": "أردتُ استكشاف ما إذا كان ممكناً الوصول إلى جوهر الدار دون التويد أو الأزرار المرصعة"، هكذا صرح المصمم الذي يبدو أنه قرر الحوار مباشرة مع "غابرييل شانيل". استلهم منها فكرة أن الأزياء الراقية لم تكن يوماً قيداً من التطريز الكثيف، إنما هي وسيلة لدعم النساء في حياتهن، وهو ما دفعه للبحث عن الجمال في بساطة التنورة السوداء أو انسيابية البنطال.

مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

سيطر مفهوم تراكم الذاكرة على المجموعة، حيث تجلت طبقات الشفافية في إعادة ابتكار بدلة "شانيل" الشهيرة، التي ظهرت هنا من موسلين الحرير الشفاف كذكرى عابرة للماضي. كان العرض بمثابة تبسيط مستمر؛ فكلما بدا التصميم ثقيلاً، كان "بلازي" ينحاز للخفة، مستبعداً الفساتين الضخمة لصالح الملابس التي ترتديها النساء في حياتهن الحقيقية.

استلهم المصمم عالمه من خفة الطيور، فحضرت "ريشة شانيل" لا كعنصر تزييني فحسب، إنما كبناء نسيجي معقد يظهر عبر الحياكة والتطريز، في إشارة ذكية لـ "قفص الطيور" في شقة "كوكو" في شارع كامبون. وحتى الأيقونات التاريخية مثل عطر N°5 وحقيبة 2.55، أُعيد تخيلها برؤية معاصرة تتداخل مع تفاصيل مستوحاة من الطبيعة، مثل كعوب الأحذية التي اتخذت شكل الفطر، والقمصان المكسرة التي تحاكي تفاصيل الطبيعة.

واختتمت هذه الحكاية الخيالية بظهور العارضة "بهافيتا ماندفا" كعروس فاتنة بفستان مزين بالترتر وغطاء رأس من الريش، لتؤكد رؤية "بلازي" بأن الكوتور هو الروح الأسمى للدار، وهو يظل متجذراً في الواقع. لقد أثبت "ماثيو بلازي" في أول ظهور له، أن بإمكان الأسطورة أن تتجدد حين تُروى بخفة الريشة، وبدقة المعماري الذي يعرف متى يتوقف عن الرسم ليترك الضوء يتحدث.

مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "شانيل" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

"فالنتينو" لربيع 2026: استعادة "غارافاني" في ثقوب الذاكرة السينمائية

بينما ينشغل العالم في باريس بـ تصنيف الكوتور بين رفاهية صامتة أو استعراض صاخب، اختار "أليساندرو ميكيلي" أن يقف في تلك المنطقة الوسطى المذهلة؛ المنطقة التي تلتقي فيها شجون الوداع بجموح الخيال. فبعد أيام قليلة من رحيل الأب الروحي للدار "فالنتينو غارافاني"، لم يكتفِ "ميكيلي" بتقديم مجموعة أزياء، إنما أقام احتفاءً مهيباً يلملم شتات السينما التي شكّلت وعي "غارافاني" يوماً ما.

في قاعة العرض، لم يكن هناك ممر تقليدي للعارضات، إنما غرف خشبية مظلمة تحرضنا على "اختلاس النظر" عبر ثقوب دائرية، في استحضار لجهاز "كايزربانوراما" الذي كان يوماً نافذة العالم نحو الصور المتحركة. من خلف تلك الثقوب، وبمصاحبة صوت "غارافاني" وهو يسرد حكايته الأولى مع سحر الشاشة ونجوم الأربعينيات، بدأت الأطياف في الظهور؛ عارضات يجسدن هيبة الـآرت ديكو وسحر الأفلام الصامتة التي ترفض النسيان.

المجموعة التي حملت اسم "مرآة العالم" Specula Mundi، كانت بمثابة رحلة تنقيب في أرشيف الأحلام. رأينا انسياب الساتان الأبيض في فساتين تقطر أنوثة، تتدثر بمعاطف مخملية عاجية يجرجرها ذيل طويل، وكأنها لوحات "إيرتيه" التي دبت فيها الحياة فجأة. الحياكة هنا لم تكن مجرد غرز، إنما هي روابط زمنية تجمع بين كابات الشيفون المزينة بهندسة الفضة، وبين معاطف الكيمونو المخملية التي تعيدنا إلى عشرينيات القرن الماضي بوقارها الغامض.

مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

تحول المشهد إلى لحظة تأملية حين ظهرت "آلهة" المجموعة بتيجان ذهبية وأقمشة "لامي" تبرق تحت الضوء، لتمزج بين بريق الثمانينيات وهيبة تماثيل الأوسكار. يصف "ميكيلي" نفسه هنا كـ "عالم آثار" لا مصمم أزياء، باحثاً في قدرة الثوب على صناعة الأسطورة، ومحولاً السجادة الحمراء إلى "طريق الياقوت" في حكايا "ساحر أوز"؛ ذاك المكان الحالم الذي نحتمي فيه بالأماني بعيداً عن صخب الواقع المرير.

مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

لقد أجبرنا "ميكيلي" على حصر رؤيتنا داخل ثقب ضيق، لنكتشف أن الحقيقة تكمن في تلك التفاصيل المجهرية التي لا تلمحها العين المتعجلة. وفي خضم هذا الوداع المهيب، أثبتت "فالنتينو" أنها لا تزال تملك المفتاح السحري لتحويل الذكرى إلى خلود، والملابس إلى سردية سينمائية لا تخفت جذوتها أبداً.

مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة "فالينتينو" ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

مجموعة "الـحُب" من جورج حُبيقة تتمثل كحلم جميل في ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية

في قلب أسبوع الأزياء الراقية بباريس، قدم جورج وجاد حبيقة مجموعة تحت عنوان L’amour "الحُب" وهي مجموعة يمكن وصفها بـ "الحلم الجميل" الذي استيقظت عليه منصة العرض. لم يكن الأمر مجرد أزياء، إنما رحلة في فضاء من الرومانسية المطلقة والأنوثة البالغة، حيث تجلت القدرة الفائقة للدار على تحويل مشاعر الحُب الساكنة إلى واقع ملموس يفيض بالرقة والشموخ.

مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

استطاع الثنائي حبيقة صياغة صور ظلية جمالية تأخذنا إلى عالمٍ من السحر، فجاء الشك والتطريز الخلاب ببريقٍ قادرٍ على فتنة المرأة باختلاف شخصياتها وتعدد كياناتها. الحرفة متناهية الامتياز كانت الحاضر الأقوى، حيث تجسدت روح الدار الراقية في تفاصيل متأججة اللمعان، تعكس إرثاً من الإتقان الذي لا يساوم على الجودة.

مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

في هذه المجموعة، ابتعدت المرأة بنفسها عن الفوضى، لتظهر ككائن حالم يعشق البساطة الممزوجة بالفخامة. الأقمشة من شيفون وأورغانزا ودانتيل بدت وكأنها ترافق الجسد بخفة، بينما جاءت الألوان من الفضي والوردي والبنفسجي لتعزز إحساساً بالهدوء والصفاء. لقد أثبت "جورج وجاد حبيقة" أن الفخامة الحقيقية تسكن في التفاصيل الممعنة في الدقة، وأن الأناقة حين تنهل من ينبوع الحُب، تتحول إلى لغة عالمية تتجاوز حدود المواسم.

مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

 

من الشظية إلى الاكتمال: "رامي العلي" يستحضر جلال الدين الرومي في باريس لمجموعة ربيع 2026 للأزياء الراقية

في ختام أسبوع الموضة للأزياء الراقية في باريس، لم يقدم "رامي العلي" مجرد عرض أزياء، إنما صاغ رحلة شاعرية تتحول فيها الثنائيات المتباينة إلى وحدة حسيّة متكاملة. تحت عنوان "تفاصيل متناغمة" Fragments in Harmony استلهم "العلي" مجموعته من فلسفة جلال الدين الرومي، ذلك المتصوف الذي رأى في "الكسر" جمالاً عميقاً وفي الانكسار فرصة للارتقاء، ليحول منصة العرض إلى فضاءٍ يحتفي بجمال الاكتمال بعد التشتت.

المجموعة جاءت كحوار دائم بين الإتقان المعماري والانسيابية الرقيقة؛ حيث برزت الحركة كعنصر جوهري يحدد ملامح القطع. الأقمشة لم تكن مجرد غطاء، إنما هي كائنات تطفو وتتفاعل مع حركة الجسد، في تجسيد حي للأزياء الراقية بوصفها فناً متجدداً. القصات بأطوالها المتباينة والمجزأة، عادت لتتجمع في قالب يضفي إحساساً ساكناً، وكأن كل قطعة هي عملية إعادة صياغة إبداعية تحتفي باللمسات اليدوية و الغُرز التي تُركت عمداً لتقول إن في التجميع جمالاً لا يضاهيه الكمال الصامت.

مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

لوحة الألوان انبثقت من تدرجات مشرقة ونقية؛ من الأبيض العاجي والألباستر إلى الوردي الخافت والخوخي الناعم، وصولاً إلى دفء المرجان والبرتقالي. كل ظلّ نُفّذ كأنه ومضة ضوء، حيث تداخلت طبقات الدانتيل والأورجانزا لتمنح التصاميم عمقاً وشفافية تجعلها تبدو وكأنها تتشكل من جديد أمام أعيننا. التطريزات هنا لم تكن للزينة فقط، إنما هي روابط بصرية تعيد تركيب نقشات مستوحاة من الزجاج المكسور والفسيفساء عبر الخيوط المعدنية والخرز والكريستال.

مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

ولم يكتمل هذا المشهد السينمائي إلا بالتعاون مع المؤلف الموسيقي "شورا كريمي"، الذي صاغ مقطوعة مستوحاة من ديوان "المثنوي" للرومي، سُجلت بآلات حقيقية وأصوات أدت الأبيات الشعرية، ليرتقي العرض إلى تجربة حسية غامرة.

في هذه المجموعة، أثبت "رامي العلي" أن الموضة حين تنهل من الفلسفة، تتحول إلى رسالة صمود وأناقة. "تفاصيل متناغمة" هي تجسيد عصري ومشرق لرؤية "العلي" التي توازن بين ثقل التراث وخفة الحداثة، مؤكداً أن الجمال الحقيقي يكمن في القدرة على احتواء الشتات، وتحويل الشظايا إلى هيكل مشرق يفيض بالأنوثة والقوة.

مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
مجموعة رامي العلي ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية