"بولغري" تعيد تخيّل "أوكتو فينيسيمو" بالخط العربي
حوار: SOUHA HAMED
شكّل "أسبوع دبي للساعات" منصة كشفت خلاله الكثير من الدور عن إصدارات محدودة للشرق الأوسط، استوحت جمالياتها من طبيعة المنطقة وذائقتها. عادت دار "بولغري" BVLGARI لتقدم تعاونا فنيا مع الفنان الإماراتي مطر بن لاحج عبر إصدار خاص من ساعة "أوكتو فينيسيمو" التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مساحة يلتقي فيها الإبداع الفني مع صناعة الساعات الراقية.
ومن هذا العمل المشترك انفتح حديثنا مع "فابريتسيو بوناماسا ستيلياني" المدير التنفيذي للإبداع في "بولغري"، أضاء على خلفيات المشروع وعلى الكيفية التي تتحول بها ساعة فائقة الرقة إلى حقل حوار بين الفن والهندسة.

يحمل خط ساعات "أوكتو فينيسيمو" في جوهره ازدواجية نادرة تجــمـــع بيـــــن الإنــــجــاز التــــقــــــني والبــــحـــــث الجمـــالي، حيث تتقدم هذه السلسلــــة على تــخـــــوم مـــــا هـــــو ممـــــكن في صنـــــــاعـــــــة الـسـاعـــــات الراقية، عبر منهجية راديكالية أعادت تعريف مفهوم النحافة والهندسة منذ إطلاقها عام 2014. وسجلت خلال 11 عاما 10 أرقام قياسية عالمية لطُرُز قدمت أنحف التعقيدات الساعاتية التقليدية في صيغة معاصرة. يقول "فابريتسيو بوناماسا ستيلياني": "تعد ساعة (أوكتو فينيسيمو) ساعتنا الرائدة، وعلى مدار 20 عاما الماضية تركزت جميع استثماراتنا في مجال الساعات الرجالية على هذا الطراز. ولكن بعيدا عن الأرقام القياسية، أصبحت هذه الساعة منصة للإبداع، إنها مكان يلتقي فيه الفن وصناعة الساعات". ويشير إلى أن قوة هذا التصميم المعماري وحضوره الواضح، حتى من دون شعار، منحته هُوية تجعله مساحة مثالية لاستقبال التعاونات الفنية.
تبلور من هذا التوازن بين القوة التقنية والانفتاح الجمالي مسيرة من التعاونات الفنية التي نسجتها "بولغري" مع معماريين وفنانين من خلفيات مختلفة. تعاونت الدار مع المعــمـــاري اليــــابــــــاني "تاداو أندو" في إصـــــدارات جعــــــلت الميــــــناء أقرب إلى دراسة معمارية للضوء والخطوط، من نسخة اعتمدت زخارف لولبية مستوحاة من الدوائر المتحدة المركز الموجودة في الحدائق اليابانية، وصولا إلى إصدار من السيراميك الأسود بميناء أزرق يتوّجه هلال ذهبي. واكتست الساعة باللون الأزرق في نسخة التعاون مع "لوران غراسو"، وطبعت صباغات معدنية بتقنية الشاشة الحريرية برسم يحاكي غيوما ملونة عائمة. ويوضّح "بوناماسا" فلسفته: "لم يعد يكفيني تصميم ميناء جديد أو إصدار محدود بلون مختلف. ما يهمني هو الغوص في ثقافة المكان".

من هذا المنطلق جاء التعاون مع الفنان الإماراتي مطر بن لاحج امتدادا طبيعيا لهذا النهج. بدأ المشروع قبل عامين، وولدت فكرته حين التقى مع مجموعة "نادي دبي للساعات ـ الفتيات"، حيث تطرق الحديث إلى موضوع الخط العربي. يقول بوناماسا: "لا أذكر تماما كيف دار الحديث، ولكنني شعرت بأن هناك شيئا في الهواء! كنت قد زرت متحف الخط في دبي منذ سنوات، وتأثرت كثيرا بهذا الفن". بقي هذا الحديث في ذهنه، وبعد فترة التقى مع مطر بن لاحج، فأدرك أنه "الشخص المناسب لترجمة ذلك الشعور إلى شيء ملموس".
يشير "بوناماسا" إلى أن بن لاحج "هو سيد هذا النوع من العمل الفني"، ويلفت إلى أعماله الفنية المتميزة، وخاصة تلك التي تزين واجهة متحف المستقبل في دبي. ويؤكد أن هذا الفهم الثلاثي الأبعاد للخط، الذي يظهر بوضوح في أعماله الضخمة، هو ما جعل لقاءه مع "بولغري" يبدو كأنه استمرار طبيعي لمسيرته الفنية.
في ساعة "مطر بن لاحج x أوكتو فينيسيمو" ينتقل هذا الخط من العمارة إلى المعصم من دون أن يفقد عمقه المفاهيمي. يغطي النقش العلبة والميناء والسوار بالكامل، وهو مستلهم من اقتباس للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: "المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه. المستقبل لا يُنتظر، المستقبل يمكن تصميمه وبناؤه اليوم". جاء اختيار هذه العبارة، كما يروي "بوناماسا"، بعد بحث عن معنى يعكس روح الساعة وهُويتها المعاصرة: "أردنا شيئا يتحدث عن المستقبل والحداثة، لأن (أوكتو فينيسيمو) ساعة تنتمي إلى زمنها. اقترح مطر هذا الاقتباس، وكان مثاليا". امتد العمل لأكثر من عام عبر لقاءات في دبي وسويسرا، ليولد في إصدار محدود من 70 قطعة، يحمل كل منها توقيع الفنان ورقمها الفردي على الجهة الخلفية الشفافة.



تطلب تنفيذ هذا المشروع مقاربة تقنية توازي جرأته الفنية. كان النقش بالليزر على التيتانيوم الخيار القادر على حمل هذا المستوى من الدقة، كما يشرح "بوناماسا": "منذ البداية عرفنا أن الحل هو الليزر. (أوكتو فينيسيمو) حادة ومعمارية، بينما الخط ناعم ومتدفق. هذا التباين هو ما أحبه".
يقف دور "بوناماسا" في مشاريع التعاون الفني وسيطا بين عالمين مختلفين. يقول: "حين تعمل مع فنانين كبار تدرك أنهم يفكرون في المشاعر والفلسفة وأشياء مثل الريح أو الضوء أو الذكريات. دوري بصفتي مصمما هو أن أترجم هذا العالم إلى شيء يمكن أن يوجد داخل منتج صغير يرتدى على المعصم".
كثيرا ما تبدأ هذه الحوارات بطلبات تبدو مستحيلة تقنيا، وهنا يتدخل "بوناماسا" ليساعد الفنان في تفسير رؤيته. يقول: "في تلك الحالة أغير محور الحديث. أسألهم عن حياتهم، وعن عملهم وعما يريدون التعبير عنه حقا. ثم فجأة يحدث شيء ما. يقولون شيئا قويا جدا وواضحا جدا. فأستوقفهم وأقول: وجدناها! لنصمم الساعة بناء على هذه الفكرة".


إلا أن التجربة مع مطر بدت أكثر سلاسة. يوضح: "أعماله الفنية ثلاثية الأبعاد، وهو يفهم الفضاء والحجم والمادة"، وهو ما أتاح العمل بصورة مباشرة داخل حدود "أوكتو فينيسيمو" التقنية. أما في تعاونات أخرى مع الفنانين، فإن الحوار يبدأ غالبا من مفاهيم تجريدية تتطلب وقتا أطول للترجمة. هنا يظهر الفرق الذي يراه بين الفنان والمصمم: "الفنان يقول هذا تعبيري، بينما المصمم يفكر في إمكانية ارتدائه أو استعماله. لهذا يوجد دوري بين هذين العالمين".
سؤال الخطوة المقبلة واحتمالية العمل على تعاون فني آخر لنسخة "أسبوع دبي للساعات" التالية يبقى مفتوحا، غير أن شرارة الفكرة بدأت بالفعل. يختتم "بوناماسا" الحوار قائلا: "بدأت فكرة ما تتكون في ذهني خلال هذه الأيام في دبي. إن هذه المشاريع تحتاج وقتا، وأحيانا الفنان المناسب في اللحظة المناسبة يصنع الفارق". ويبقى ما سيحمله الإصدار القادم من هذه الحوارات الإبداعية موضع ترقب.