خاص "هي"- من يصوغ الأنوثة.. حين تصبح المرأة صاحبة السرد
إعداد: Nora AlBesher
يصعب العثور على صناعة ارتبطت بالمرأة بقدر ارتباط الموضة بها. فمنذ بدايات القرن العشرين، قادت أسماء نسائية بعضا من أهم التحولات في تاريخها؛ من "كوكو شانيل" COCO CHANEL و"إلسا سكياباريلي" ELSA SCHIAPARELLI إلى "فيفيان ويستوود" VIVIENNE WESTOOD و"دونا كاران" DONNA KARAN وصولا إلى "ميوتشا برادا" MIUCCIA PRADA التي أعادت تعريف العلاقة بين الموضة والثقافة، ورسخت حضورها على مدى أكثر من ثلاثة عقود بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات الفكرية تأثيرا في الصناعة، وتواصل اليوم قيادة الرؤية الإبداعية لدار "برادا" PRADA بالشراكة مع "راف سيمونز" RAF SIMONS.
وفي العقود الأخيرة، أثبتت "ستيلا مكارتني" STELLA MCCARTNEY أن الاستدامة تستطيع أن تشكل ركيزة للفخامة المعاصرة، بينما نجحت "فيكتوريا بيكهام" VICTORIA BECKHAM في بناء واحدة من أكثر العلامات البريطانية حضورا، مؤكدة أن الرؤية الإبداعية الواضحة قادرة على التحول إلى هُوية عالمية.
ومع ذلك، شهدت صناعة الرفاهية لعقود طويلة تمركز عدد كبير من أهم المناصب الإبداعية داخل دور الأزياء العالمية في يد الرجال، فأصبحت سرديات كثيرة عن الأنوثة تُكتب من خارج التجربة النسائية، على الرغم من أن المرأة بقيت محور هذه الصناعة وصاحبة تأثيرها الأكبر. اليوم، تقترب القيادة الإبداعية من توازن أوسع. ويتزايد حضور النساء في أعلى مواقع اتخاذ القرار، لتبدأ مرحلة جديدة تتولى فيها المرأة كتابة سرديتها من موقع المؤلفة، إلى جانب دورها التاريخي في تشكيل صناعة الموضة.




اتساع دائرة القيادة
تعيد صناعة الأزياء رسم خريطة القيادة الإبداعية بوتيرة لافتة. تقود "سارة بورتون" SARAH BURTON دار "جيفنشي" GIVENCHY بعد مسيرة استثنائية رسخت خلالها مكانتها بين أبرز مصممات جيلها. وأعادت "شيمينا كمالي" CHEMENA KAMALI إلى "كلوي" CHLOÉ روح الدار التي طالما ارتبطت بالحرية والأنوثة، بينما تتولى "لويز تروتر" LOUISE TROTTER القيادة الإبداعية لدار "بوتيغا فينيتا" BOTTEGA VENETA برؤية تحتفي بالحرفة والوضوح. تعكس هذه القيادات تحولا أوسع داخل قطاع الرفاهية. فالنساء يوسعن حضورهن تدريجيا في مواقع اتخاذ القرار، ويقترب المشهد من تحقيق توازن أكبر بين النساء والرجال في أعلى مستويات القيادة الإبداعية.
التجربة تتحول إلى لغة تصميم
يظهر أثر هذا التحول في الطريقة التي تُقدم بها المرأة على المنصة.
تتعامل كثير من المديرات الإبداعيات مع الأنوثة بوصفها تجربة إنسانية متعددة الطبقات، تحمل القوة والرقة، والطموح والسكينة، والاستقلال والعاطفة في آن واحد. وتترجم هذه الرؤية إلى الأزياء عبر البناء، والخامات، والحركة، والعلاقة بين القطعة وصاحبتها.
في مجموعات "شيمينا كمالي"، تتحرك الأزياء بانسيابية تعكس أسلوب الحياة قبل أن تعكس الاتجاهات الموسمية. وتمنح "سارة بورتون" الحرفة بعدا إنسانيا يجمع الدقة الهندسية بالإحساس العاطفي، لتصبح كل قطعة امتدادا لتجربة المرأة، لا مجرد صورة عنها.
يتجاوز هذا التحول شكل الأزياء إلى اللغة التي تُبنى بها صورة المرأة داخل الموضة. فالتصميم يترجم خبرة معيشة، ويمنح الهُوية مساحة أوسع للتعبير.



الأنوثة بصيغة أكثر اتساعا
أسهمت هذه التحولات في صياغة تصور أكثر ثراء للأنوثة.
تستوعب المرأة المعاصرة أدوارا وتجارب متعددة، فهي القائدة، والفنانة، والأم، ورائدة الأعمال، والباحثة، والحالمة، والمغامرة. وتحمل كل واحدة تعريفها الخاص للجمال والأناقة. وتفتح الموضة المجال أمام هذه الاختلافات لتتجاور داخل المشهد نفسه، فتغدو الفردية قيمة جمالية، ويصبح التنوع أحد مصادر ثراء الإبداع.
وتقدم كثير من الدور التي تقودها نساء هذه الرؤية بوصفها انعكاسا لواقع المرأة، فتبدو الأزياء أكثر قربا من حياتها، وأكثر قدرة على مرافقة تفاصيلها اليومية، مع احتفاظها بالخيال الذي يمنح الموضة سحرها الدائم.


السعودية.. أصوات تعيد رسم المشهد العالمي
يتردد صدى هذا التحول بوضوح في السعودية والمنطقة العربية، حيث برز جيل من المصممات والمديرات الإبداعيات اللاتي يقدن علامات تجارية، واستوديوهات تصميم، ومشروعات ثقافية، ويقدمن رؤية تنطلق من الهُوية المحلية وتتفاعل بثقة مع المشهد العالمي.
جاء هذا الحراك نتيجة منظومة متكاملة شملت الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي، وتطور التعليم المتخصص، وازدهار ريادة الأعمال، والدور الذي تؤديه هيئة الأزياء السعودية في بناء بيئة تدعم نمو صناعة الأزياء.
وتتجاوز أهمية هذا الحضور الإطار المحلي. فكل مديرة إبداعية جديدة تضيف صوتا إلى المشهد العالمي، وتسهم في تحقيق توازن أكبر بين النساء والرجال عند قمة الهرم الإبداعي في صناعة الأزياء. ومع اتساع هذه التجارب، تتنوع الرؤى التي تشكل مستقبل الموضة، وتقترب القيادة الإبداعية من تمثيل المجتمع الذي تصمم له.



وفي تعليق حصري لمجلة "هيَ"، تقول أرام قباني، خبيرة الموضة والبيع بالتجزئة والتجارب الثقافية:
"لطــالــمـــا أسهمـت النــــســــاء في تشكيـــل الموضة، ومن الطبيعي أن يتسع دورهن اليوم في رسم اتجاهها الإبداعي. تحمل المــرأة في كثــــــير من الأحيان حساسيــــة عالــــية تــــجاه التفــــاصيـــل، وفهما عميقا للطــــريــــقـــــة الــــتي تُعـــاش بها الأزياء، وهو ما ينعكس بوضوح على تطور كثير من العــــلامــات الــــيوم. وفي السعـــــودية، نشهد قيادات إبداعية نسائية تبني صوتا أصيلا، ومتجذرا في ثقافتنا، وقادرا على مخاطبة العالم بثقة".
تختــــصــــر رؤيـــة أرام قبــــاني جـــوهــــر هذا التحول. فالقضية تتعلق باتساع الأصوات التي تشـــارك في صيـــاغـــة الثقافة البصرية العالمية، بقدر ما تتعلق باتساع حضور النـــــســـاء في مواقع القيادة. وكل صوت جــــديد يضــــيف قراءة مختلفة للجمال والهُوية، ويمنح المـــوضة قدرة أكبر على التعبير عن الإنسان وتنوع تجاربه.

حين تتسع الأصوات تتسع الموضة
تاريخ الموضة هو تاريخ أفكار بقدر ما هو تاريخ أزياء. وكل صوت جديد يصل إلى موقع القيادة يضيف منظورا جديدا للجمال، والهُوية، والثقافة.
يحمل اتساع حضور النساء في القيادة الإبداعية أثرا يتجاوز حدود المناصب. فهو يوسع دائرة الأصوات التي تصوغ الثقافة البصرية، ويقرب صناعة الأزياء من التوازن الذي يعكس طبيعتها وتاريخها، ويفتح المجال أمام تعريفات أكثر ثراء للأنوثة.
امتلأ تاريخ الموضة بحكايات عن النساء. واليوم، تشارك النساء في كتابة عدد متزايد من تلك الحكايات، لتغدو الأزياء مساحة يلتقي فيها الإلهام بالتجربة، والرؤية بالواقع، وتكتب المرأة فصلها الجديد بصوتها.