صُناع اللحظة في كان: من المنظومة الإبداعية الخفية إلى رؤية منسق الأزياء كقائد للمشهد
بينما ينتظر الجمهور والمصورون ظهور المشاهير على سجادة مهرجان كان الحمراء هناك تتحول أجنحة الفنادق الفاخرة المطلة على الريفييرا الفرنسية إلى ورش عمل نابضة بالحياة تتسابق مع الزمن فخلف هذا المشهد البصري الخاطف تُدار منظومة إبداعية ، حيث يدرس خُبراء المكياج ومصففو الشعر إنعكاسات عدسات الكاميرا وزوايا الإضاءة لضمان ثبات المظهر تحت ضغط العدسات، في حين يمسك معدل الأزياء بالإبرة والخيط حتى الدقيقة الأخيرة ليكون التصميم متقناً بالمليمتر الواحد دون أي خطأ قد ترصده الكاميرات المترقبه ،وفي تلك الأثناء يرافق المصورون النجمات خطوة بخطوة لتوثيق الإطلالة من على الشرفات وتخليد تفاصيلها في الذاكرة ..
ووسط هذه المنظومة الإبداعية يقف منسق الأزياء كقائد يربط هذه الخيوط المعقدة معاً مُوهباً الإطلالة روحاً تحولها من مجرد إطلالة جميلة إلى رسالة وأثر باقٍ في أرشيف المهرجان..
وفي هذا السياق، يلتقي المشهد بالواقع لينتقل بنا منسق الأزياء السعودي نجادعبدالله إلى عمق هذه التجربة، كاشفاً عن التحول الجذري في مفهوم هذة المهنة وكواليس صناعة اللحظة للأزياء السعودية في مهرجان كان السينمائي 2026
منسق الأزياء من منسق خلف الستار إلى مخرج فني يشترك في صياغة الحدث:

سابقاً كان ينظر إلى منسق الأزياء كشخص يمتلك ذائقة معينة تقتصر على "تنسيق المظهر" أما اليوم فقد أصبح الدور أعمق بكثير فدوره اليوم بناء سردية بصرية كاملة للفنان أو الشخصية العامة التي تظهر على السحابة الحمراء، ويترجم هويته بطريقة تخدم حضوره وصورته في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وحتى في شكل علاقته مع دور الأزياء العالمية..
يقول منسق الأزياء السعودي نجاد عبدالله مهرجان بحجم مهرجان كان السينمائي Cannes Film Festival لم تعد الإطلالة على سجادته مجرد فستان جميل بل رسالة وصورة تُخلد في الأرشيف البصري للحدث ومن هنا أصبح منسق الأزياء شريكاً أساسياً في صناعة اللحظة تماماً كالمصمم لمعرفته بكيفية تحويل القطعة من مجرد موضة إلى أثر وبصمة.
معادلة "كان" المعقدة؛ ذكاء منسق الأزياء وحضور الفنان
تعد صناعة الإطلالة في مهرجان كان السينمائي عملية دمج معقدة ، تسلط الضوء على ذكاء منسق الأزي
اء في تمرير بصمته الخاصة ورؤيته الفنية دون طمس الهوية البصرية المميزة للفنان، وفي إطار التزام تام بأناقة السجادة الحمراء ومتطلباتها الصارمة..
وعن هذه المعادلة، يقول منسق الأزياء نجاد عبدالله : "بالنسبة لي، أفضل أن يظل الفنان ’هو نفسه‘ داخل الإطلالة، وليس نسخة مني ، دوري يكمن في رفع صورته بصرياً دون أن أفرض شخصيتي عليه بالكامل؛ لذلك أبدأ دائماً من شخصية الفنان من خلال حضوره وطريقته في الكلام وثقافته وحتى طاقته أمام الكاميرا، بعد ذلك أبدأ في تطوير الصورة التي تناسب حدثاً بحجم مهرجان كان السينمائي لأن السجادة الحمراء هناك لها لغة مختلفة تتطلب قدراً من الدراما والرقي والوضوح البصري ..
ويضيف نجاد عبدالله حول لمسته الخاصة: "بصمتي تظهر دائماً في التفاصيل ، خلق التوازن واختيار القصّات والجرأة المحسوبة وطريقة بناء المظهر بالكامل، ولكن دون أن تطغى هذه اللمسات على هوية الشخص نفسه".
بين الهوت كوتور والأرشيف: كواليس اختيار وتعديل التصاميم:"
وفيما يتعلق بطبيعة التصاميم واستكشاف ما إذا كانت القطع تُفصّل حصرياً للحدث أم تُنتقى من مجموعات الـ Haute Couture؛ يوضح نجاد عبدالله أن الاختيار لا يعتمد فقط على اسم دار الأزياء بل على مدى انسجامها مع الشخصية ومع اللحظة نفسها، فأحياناً يكون البحث عن قطعة تحمل قوة بصرية واضحة تناسب طبيعة السجادة الحمراء، وأحياناً أخرى يكون التركيز على الحِرفية العالية أو القصة الكامنة وراء التصميم..
ويكشف نجاد عبدالله عن تنوع القطع قائلاً: "بعض الإطلالات كانت من مجموعات Haute Couture بالكامل، وبعضها الآخر كان من قطع أرشيفية تم اختيارها وتعديلها لتناسب الفنان بشكل دقيق، كما أن هناك قطعاً دخلت في مراحل تعديل وتخصيص التصميم لتصبح أقرب للهوية التي نريد تقديمها في مهرجان مثل كان، التفاصيل الصغيرة جداً هي التي تصنع الفرق، لذلك، حتى لو كانت القطعة قادمة مباشرة من منصة العرض فإنها غالباً تمر بعدة تعديلات حتى نصل إلى النتيجة النهائية..
أما عن فلسفته في الإطلالات النسائية، فيشير نجاد: "الإطلالات النسائية بالنسبة لي كانت قائمة على فكرة القوة الناعمة، أردت حضوراً أنثوياً واضحاً ولكن بدون مبالغة أو استعراض زائد، ركزت على قصّات نظيفة وخامات تتحرك بشكل إنسيابي وجميل أمام الكاميرا مع تفاصيل تمنح فخامة هادئة بدلاً من الصخب، كان مهماً بالنسبة لي أن تبدو كل إطلالة مختلفة عن الأخرى، وفي الوقت ذاته تحمل خطاً بصرياً واضحاً يعكس ذوقي وطريقتي في بناء الصورة، أحب دائماً أن تبدو المرأة داخل الإطلالة مرتاحة وواثقة، لأن هذا ينعكس مباشرة على حضورها أمام العدسات، وهذا تماماً ما يميزني..
ويقول عن ديناميكية الإطلالة الكاملة وتحديات الكواليس: "المظهر الناجح لا يعتمد على الملابس بمفردها، بل على انسجام كل العناصر معاً من هذا المنطلق، يتطلب العمل تنسيقاً مستمراً ودقيقاً بين منسق الأزياء وفريق الشعر، والمكياج والمجوهرات؛ لضمان أن كل التفاصيل تخدم الفكرة الموحدة، وتجنباً لعمل كل عنصر بشكل منفصل".

ويضيف نجاد: "تستغرق البروفات أسابيع طويلة، خصوصاً عند التحضير لأكثر من إطلالة، أو عند البحث عن توازن دقيق جداً في التفاصيل؛ حيث يتم تجربة القصّات، ودراسة الحركة، والإضاءة، واختبار كيفية ظهور الإطلالة في الصور ومقاطع الفيديو، وتصاحب هذه الرحلة الإبداعية تحديات لوجستية وفنية عديدة تتلخص في عامل الوقت والمقاسات والتعامل مع التغيرات المفاجئة وشحن القطع وحساسيتها وكيفية التعامل مع القطع الأرشيفية وقطع الـكوتور والقرارات الأخيرة مثل إمكانية تغير القرارات والتوجهات في اللحظات الأخيرة التي تسبق الحدث بساعات معدودة.
وينتهي نجاد مؤكداً على حجم المسؤولية في هذا المحفل العالمي قائلا: "مهرجان مثل مهرجان كان السينمائي يتمتع بمستوى تنافسي بصري عالٍ جداً، لذلك فإن المطلوب منا ليس مجرد تقديم إطلالة جميلة، بل صناعة إطلالة لا تُنسى".