الهيكلة والروح والاتساع... سنوات وعد العقيلي الحاسمة

خاص "هي"- الهيكلة والروح والاتساع... سنوات وعد العقيلي الحاسمة

إعداد: ‏ Nora AlBesher

في المشهد المتسارع للأزياء السعودية، تظهر أسماء كثيرة غير أن قلة منها تفرض حضورها بهدوء الواثقين. من بين هذه ‏الأسماء تقف المصممة السعودية وعد العقيلي كصوت إبداعي تشكّل عبر فهم عميق للبنية قبل الزخرفة، وللهُوية قبل الظهور. ‏عملها يقرأ كحوار طويل بين الحرفة والفكرة؛ بين ما تراه العين وما يستند إليه التصميم من هندسة خفية تمنح القطعة ‏حضورها الحقيقي.‏

وعد العقيلي

خلال سنوات قليلة، تحولت دار وعد العقيلي إلى أحد الأسماء التي تعكس نضج المشهد السعودي الجـــديــــد. تصميــمــاتـــهـــا تحـــمـــل مـــزيــجـــا نادرا من الرقة والبــــناء، من الحس الرومانـــســـــي والانضباط المعماري. الفستان في عالمها ليس مجرد قطعة تُلبس وإنما فكرة تُبنى طبقة فوق طبقة، حيث يتقدم الهيكل ليحمل الجمال ويمنحه استقراره. في هذا التوازن بين الحس والشكل، بين العاطفة والانضباط، تشكّلت لغة تصميمية يمكن التعرف إليها حتى قبل قراءة الاسم.

في هذه المــقـــابــلـــــة الخـــاصـــة مع "هي"، نقترب من العقل الـــــذي يقود هذه الـــرؤيـــــة. حــــــديـــــــث وعــــــد العقيــــلي يكشف عن رحلة تشكّلت عبر سنوات من التـــساؤل والتجريب والانضباط. رحلة تبدأ من الرسم الطفولي وتنتهي في فضاء الأزياء الراقية، حيث تتحول العاطفة إلى بنية متماسكة، ويتحول الإحساس إلى شكل يمكن أن يعيش في الذاكرة.

تقول العقيلي إن "لم تكن البداية لحظة واحدة، بل إدراكــــا تـــشكّل تـــدريـــجــيـــــا منـــــذ الطفولة. كان الرسم لغتي الأولى لفهم العالم، ومن خلاله بدأت أختبر علاقتي بالألوان؛ لم أرَ الألوان عنصرا جماليا فحسب، بل وسيلة لفهم الإحساس ذاته.

وعد العقيلي

وعد العقيلي

في البداية كان التصميم أقرب إلى هواية، لكنه مع الوقت تحول إلى وسيلة لفهم نفسي والتواصل مع الآخرين. ومع هذا التحول أدركت أن هذا المجال ليس فقط مساحة لما أبرع فيه، بل لما يمكن أن أقدم من خلاله قيمة حقيقية.

حين انتقلت من الورق إلى القماش تغيّر المعنى. أدركت أن الفستان هيكل قبل أن يكون لوحة؛ بنية حيّة تحمل فكرة. بدأ يتبلور داخلي فهم بأن الجمال إن لم يُحط بنظام يظل لحظة عابرة، وأن الرقة حين تستند إلى هيكل واضح تكتسب قدرتها على الاستمرار.

منذ ذلك الوقت لم يعد السؤال: كيف أصمم قطعة؟ بل: كيف يتحول الإحساس إلى بناء متماسك يمكن أن يُرى ويُحس".

هذا الإدراك المبكر للبنية بوصفه جوهر التصميم يفسر الكثير من ملامح أسلوبها اليوم. في عالم وعد العقيلي، تبدأ القطعة من الداخل. يبدأ العمل من الهيكل، من توزيع الوزن، من الانضباط الذي يحدد إيقاع الفستان قبل أن تظهر الزخرفة أو اللون. لذلك تبدو تصميماتها في ظاهرها خفيفة وشفافة، بينما تستند في داخلها إلى هندسة دقيقة تمنحها حضورا ثابتا على الجسد. هذه العلاقة بين الهيكل والنعومة أصبحت مع الوقت أحد أبرز مفاتيح قراءة أعمالها.

غير أن أي مصمم يعمل دائما داخل حوار طويل مع التاريخ. الأزياء ليست لحظة منفصلة، بل هي تراكم رؤى وتجارب امتدت عبر عقود طويلة. وعد العقيلي تقرأ هذا التاريخ بعين الباحثة عن اللغة لا عن اللحظة، عن الفكرة التي يمكن أن تستمر لا عن الصورة التي تلمع ثم تختفي.

وعد العقيلي

وعد العقيلي

تلفت العقيلي الى أن "ما يستوقفني في الدور العالمية ليس حضورها الآني، بل قدرتها على صياغة لغة متماسكة يمكن ‏التعرف إليها عبر الزمن؛ لغة تنمو بهدوء وتُعاد قراءتها في كل مرحلة من دون أن تفقد وضوحها. هذا البناء الطويل النفس ‏هو ما يجعل الهُوية أكثر من أسلوب؛ فيجعلها مرجعا.‏

أستحضر لحظة أثرت في وعيي المهني حين زرت معرض "كريستيان ديور" في باريس. لم تكن الفساتين وحدها ما ‏لامسني، بل رؤية مكتبه المتواضع والكرسي الذي كان يعمل عليه. هناك شعرت بأن كل امتداد كبير يبدأ من مساحة صغيرة ‏من التركيز والعمل اليومي.‏

في تلك اللــحــظـــة بدا واضـــحــــا لي أن الاستمرار يتطلب إيمانا عميقا بالفكرة وصبرا على اختبارها عبر الزمن. ‏المشاريع التي تصمد هي تلك التي تثبت على لغتها الخاصة مهما تبدلت الظروف".‏

وعد العقيلي

وعد العقيلي

هذه الفكرة عن الاستمرارية لا تظهر فقط في تصميماتها، تظهر أيضا في بنية الدار نفسها. فدار وعد العقيلي تقوم على شراكة فريدة بين وعد وأختها أحلام العقيلي. علاقة تتجاوز توزيع المهام التقليدي إلى تكامل عميق بين الرؤية والتنفيذ. داخل جدران الأتيليه، تتقاطع فكرتان لتشكلا معا معمار الفستان؛ فكرة تولد في المخيلة، وأخرى تمنحها توازنها على القماش. وفي هذا الإطار، تشدّد على أن "لم تكن شراكتنا قرارا مهنيا بحتا، بل كانت امتدادا لطبيعة تكونت بيننا عبر سنوات قبل أن يجمعنا العمل. كان يجمعنا منهج في النظر إلى الأشياء؛ حس مشترك في التفاصيل ومرجعية واحدة في فهم الفكرة من أصلها.

اتجهت أحلام إلى دراسة التصميم التقني، بينما انشغلت ببناء رؤية تسعى إلى صياغة علامة تحمل لغتها الخاصة. ومع الوقت تبلور توزيع الأدوار بصورة طبيعية؛ أعمل من مستوى التصور، أحدد الاتجاه وأضبط الإيقاع العام للمجموعة، بينما تمسك أحلام بالتنفيذ، وتحوّل الفكرة إلى هيكل دقيق قابل للإنتاج.

الفكرة لدينا لا تنتقل إلى التنفيذ قبل أن تمحص، والتنفيذ لا يُعتمد قبل أن يستقيم مع جوهر الرؤية. في تلك المسافة بين الرؤية والبنية يتشكل العمل بصورته المتوازنة".

هذا الاتزان يظهر أيضا في البصمة الجمالية للدار. فتصمـيــمــات وعد العقيــــلي يمكن التعــــرف إليها حتى من دون قــــراءة الاســــم. هناك حـــضــــور واضح، أثر خفي يميز القطعة ويجعلها تنطق بلغتها الخاصة.

وتقول العقيــــلي إن "لو جُرد الفســتـــــان من اسمه سيبقى فيه حضور يُعرف. البصمة تبدأ من الفـكـــرة، من شعــــور يتصل بالرفعة والتمكين. التدرج اللوني في دار وعد العقيلي ليس زينة، بل هو نهج وطاقة منضبطة. غير أن الحضور لا يرسخ باللون وحده، بل بالبنية والحرفية. الفستان يبنى ولا يترك لينساب؛ هيكلة دقيقة تجعل القطعة أقرب إلى شكل منحوت منه إلى قماش متحرك، وتمنح المرأة داخله وقفة أرسخ وثقة أعلى.

أتعامل مع الفستان كما لو كان لوحة قائمة على إحكام الفكرة. في كل خط قصد، وفي كل عنصر قرار".

وعد العقيلي

وعد العقيلي

في زمن يزداد فيه حضور الذكاء الاصطناعي داخل الصناعات الإبداعية، تزداد أهمية هذا الدفاع عن الحرفة. فالكوتور في جوهره يقوم على العلاقة الحميمة بين اليد والقماش؛ على تلك اللحظة التي تتخذ فيها اليد قرارها قبل أن تستقر الإبرة.

ترى العقيلي أن "أرى التكنولوجيا امتدادا لأدوات القياس، لا بديلا عن الوعي. الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة الشكل بدقة لافتة، لكنه يعمل ضمن ما يُغذى به. أما القرار الإبداعي، فينشأ في مساحة أكثر حساسية؛ في تلك اللحظة التي يُعاد فيها النظر قبل القص أو يُضبط الانحناء قبل التثبيت. الحرفة ليست مهارة يد فحسب، بل معرفة تراكمت عبر الزمن. فهم وزن القماش وطبيعته واستجابته للجسد يتشكل بالممارسة الطويلة وبالتجربة والخطأ".

مجموعة ‏Yamal من وعد العقيلي
مجموعة Yamal من وعد العقيلي
 مجموعة ‏ Veil of Renewal‏ من وعد العقيلي
 مجموعة ‏ Veil of Renewal‏ من وعد العقيلي

وعندما تتحدث وعد عن مجموعاتها، فإنها تتعامل معها كفصول في رحلة فكرية وجمالية تتطور مع الزمن، "أنــظــــر إلى مجـمــوعـــاتــــي بوصفها مسارا يتشكل مع الزمن، لا مواسم منفصلة. في Out of the Chrysalis كنت أبحث عن معنى التحول نفسه؛ لحظة خروج الإنسان من ضيق التجربة إلى اتساع الرؤية، وفي Veil of Renewal اتسع هذا المفهوم ليحمل قراءة إنسانية أوسع، عبر رمز زهرة اللوتس التي تنمو من الماء العكر.

أما ‏Yamal، فكانت مرحلة مختلفة من النضج في العمل؛ حيث تحول التراث إلى بنية تفكير يمكن أن يبنى عليها التصميم".‏

داخل هذه الرحلة، تبقى بعض القطع أقرب إلى القلب، لأنها تختصر العلاقة بين الحرفة والذاكرة.‏

وتتابع العقيلي "من أكثر القطع قربا إلى قلبي قطعتان من حقول الخزامى. الأولى استلهمت من حقول الجوف واعتمدت على ‏الصباغة اليدوية بالأصباغ الطبيعية، حيث بُني اللون طبقة بعد أخرى حتى بدا النسيج كأن اللون نما داخله. أما القطعة ‏الثانية، فبنيت من سفائف الخوص المستلهمة من تقاليد النسج الممتدة من الأحساء إلى نجد. في هذه القطعة يتحول الخوص ‏إلى بنية تصميمية تجمع بين صلابة المادة وخفة الحركة".‏

هذه العلاقة بين الرقة والقوة تظل جوهر فلسفة التصميم لديها.‏

وتكشف أن "في الكوتور لا أرى الرقة والقوة متناقضين، بل وجهين للفكرة نفسها. العمل يبدأ دائما من الهيكل. الكورسيه ‏وتوزيع الوزن يحددان إيقاع القطعة منذ البداية، ومن هذا الأساس تنشأ بقية العناصر. عندما يكون البناء مضبوطا بدقة، ‏يصبح بإمكان الفستان أن يجمع بين الأنوثة والقوة في اللحظة نفسها".‏

وعـلــــى الــرغــــم من النـــجــاح المتــسارع، يبـــقى طــمــــوح وعد العقيلي متجها نحو مشروع طويل النفس يتجاوز ‏حدود اللحظة.‏

‏"الحلم الذي يشغلني أن تنمو دار وعد العقيلي مع الزمن، لتصبح دار كوتور سعودي حقيقي، له لغته الخاصة ويُعرف عالميا ‏كما تعرف الدور التي بنت هُويتها عبر عقود. لا أفكر في الوصول السريع بقدر ما أفكر في العمل الذي يستطيع أن يقف أمام ‏الزمن".‏

مجموعة ‏Out of the Chrysalis‏ من وعد العقيلي
مجموعة Out of the Chrysalis من وعد العقيلي

في نهاية هذا الحديث، تتضح صورة وعد العقيلي بأنها أحد الأصوات التي تعيد تعريف معنى الكوتور السعودي. تجربة ‏تتشكل بثبات، وتقدم نموذجا متكاملا لعلامة سعودية فاخرة تفهم الصناعة بقدر ما تفهم الإبداع. دار تعرف السوق المحلي، ‏وتقرأ المشهد العالمي في آن واحد، غير أن الأساس الذي تقوم عليه هذه المـعــادلــــة يبـــدأ قبل كل شيء من الــداخـــل؛ من ‏فـــهـم المصممة لنفسها، ولذاتها، ولرؤيتها التي تتقدم بثقة عبر الزمن.‏

باعتباري محررة أزياء أتابع هذا المشهد عن قرب، أرى في تجربة وعد العقيلي مثالا صاعدا لدار أزياء يبني لغته الخاصة ‏بوعي وصبر. أتــطــلـــع إلى رؤيــــة ما ستــقـــدمــــه في السنوات المقـبــلــــة، وللآفـــاق التي ستــــــقــــتـــــــحـمـهـــا هذه ‏الدار السعــــوديــــــة الطمــــوحـــــة. وستــظـــــل "هي" المنـصـــة الحـــاضنــــة الأولى لتــــرجمة إبداعاتها بالحبر، ‏حيـــث تتــــحــــول هذه الـــرحلـــــة الإبداعية إلى سرد يواكب صعودها، ويؤرّخ فصولها المقبلة.‏

فساتين ‏Lavender Fields
فساتين Lavender Fields

 

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية