أنتوني فاكاريللو يودّع سان لوران بعد عقد من الإبداع
ليس في الموضة وداع أبلغ من وداع يُكتب بالضوء والذهب. فقد أُُسدل الستار رسمياً على حقبة "أنتوني فاكاريللو" Anthony Vaccarello في دار سان لوران، بعد عشر سنوات حمل خلالها مفاتيح إحدى أكثر الدور الباريسية أسطورية، وأعلنت الدار أنها ستكشف قريباً عن قيادتها الإبداعية الجديدة.
أراد المصمم لرحيله عرض أن يأتي على شاكلته: عرض أخير تحت برج إيفل، شموع ترتجف في ثريات شاهقة، ومعطف ذهب يذوب تدريجياً في عتمة الأسود، حتى بدا المشهد كله قصيدةً تُتلى قبل أن تنطفئ.

عرض بنكهة الوداع
أُقيم عرض ربيع 2027 لدار سان لوران في 29 سبتمبر، بعد عشر سنوات ويومين تماماً من عرضه الأول له في الدار. وتحت برج إيفل وثلاثة ثريات ضخمة مضاءة بالشموع، قدّم فاكاريللو تسعاً وأربعين إطلالة بدرجات الذهبي، ثم ختم بعشر إطلالات سوداء. حضرت السترات والمعاطف الواقية والتنانير الضيقة والأقمشة المطرّزة وفساتين السهرة، كلها بقراءة متشدّدة ومضخّمة لمفردات الدار، وهي الصرامة التي صارت توقيعه.
ولم يكن اختيار الألوان عفوياً، فتسلسلها قلب خاتمة مجموعة "ريف غوش" لخريف 1991 التي أنهاها إيف سان لوران بالذهبي. أما هنا فكان الانتقال من الذهب إلى العتمة.
وكانت الأجواء مشحونة بالتلميحات قبل ارتفاع الستارة، فمغادرته متداولة منذ الصيف. ورفض فاكاريللو إجراء اللقاءات التمهيدية المعتادة، واكتفى بإرسال ورود سوداء مرفقة بملاحظة وصف فيها المجموعة بأنها شخصية ومؤثرة. وعزفت موسيقى "مايلز ديفيس" من فيلم Elevator to the Gallows، وفي الختام أطلّت شارلوت غينسبورغ بأداء مفاجئ. ثم خرج مع عارضاته، وعبر المنصة ليسلّم شيئاً لابنه، فرأى كثيرون في ذلك تسليماً رمزياً لمفاتيح الدار. وأياً كان المعنى، فقد كانت تلك انحناءته الأخيرة.
رسائل الوداع على إنستغرام
لم يمرّ إعلان الرحيل في صمت، فقد نشر فاكاريللو على صفحته في إنستغرام منشوراً مقتضباً اكتفى فيه بعبارة "إلى اللقاء" A bientôt. وأرفقه بفيديو يلخص مسيرته في سان لوران، فتحوّلت التعليقات تحته إلى ما يشبه حفل وداع مفتوح، ومن بينها تعليق دوناتيلا فيرساتشي فكتبت: "عقد تفخر به. أحبك كثيراً". أما ماتيو بلازي وبيير باولو بيتشولي فاختارا أن يتكلّم الرمز عنهما، وتركا تعليقين من رسومات القلب.
وهكذا بدا أن فاكاريللو، الذي اشتهر بقلّة الكلام، قد أدار وداعه كما أدار عروضه: بإشارة واحدة موجزة، تركت لمن حوله أن يملؤوا الصمت بما يشعرون به.

"لوكا دي ميو" Luca de Meo، الرئيس التنفيذي لمجموعة كيرينغ، عبّر عن امتنانه لفاكاريللو على مساهمته في دار سان لوران على مدار السنوات العشر الماضية، وقال "بفضل رؤيته الإبداعية ومعاييره الدقيقة، ساهم في تعزيز التأثير الراسخ لواحدة من أعظم دور الأزياء الراقية في فرنسا، وذلك في الوقت الذي نبدأ فيه فصلاً جديداً من تاريخها."
أما "سيدريك شاربي" Cedric Charbit، رئيس سان لوران ومديرها التنفيذي، فرى أن فاكاريللو قاد سان لوران في مسارٍ متميز، وارتقى بمكانة الدار لتتصدر المشهد من حيث الجاذبية والصورة الذهنية، محققاً إنجازات استثنائية سواء على الصعيد الإبداعي أو من خلال تأثيره الثقافي.
من بروكسل إلى باريس
لم يكن كثيرون ليراهنوا على نجاح هذه التجربة حين بدأت في أبريل 2016. كان فاكاريللو في السادسة والثلاثين حين عيّنته Francesca Bellettini مديراً إبداعياً بعد أربعة أيام فقط من رحيل "هيدي سليمان" Hedi Slimane. وكان يحظى بسمعة طيبة بفضل عمله على خط Versus التابع لفيرساتشي، إلى جانب علامته الخاصة التي أطلقها عام 2009 وأغلقها حين التحق بالدار، وفوزه بجائزة Andam عام 2011.
استند نجاحه إلى مزيج فريد، فهو ابن بروكسل وخريج "لا كامبر" بما تمنحه من جرأة إبداعية، وابن لأبوين صقليين ورث عنهما نزعة الإثارة والجرأة. وأسهمت صناعته للصورة في توسيع أفق الدار بعيداً عن التوثيق الشبابي الذي ميّز عهد سليمان، لتعود سان لوران أكثر دور الأزياء باريسية. ومنذ خريف 2019 لم تعد مجموعاته تكتفي باستحضار إيماءات الدار، بل راحت تتوسع فيها وتحدّثها، وتختبر أقصى حدود أشكال المؤسس ورموزه.
على خطى المؤسس
عكس سلوك فاكاريللو في الدار أنماطاً سبق أن رسمها إيف سان لوران. فكما صمّم المؤسس أزياء كاترين دونوف في Belle de Jour، أطلق فاكاريللو عام 2023 Saint Laurent Productions التي أنتجت Emilia Pérez الحائز جائزتي أوسكار، وParthenope لباولو سورّنتينو. وكما أحاط المؤسس نفسه بحلقة نسائية ضمت دونوف ولولو دو لا فالاز وبيتي كاترو، أحاط فاكاريللو دارَه بنساء جيله مثل أنجا روبيك وشارلوت غينسبورغ.

ماذا بعد؟
لم يخف فاكاريللو أن الطريق بعد سان لوران قد يمتدّ إلى ما هو أبعد من الموضة. ففي إحدى المقابلات عام 2024 أجاب عن سؤال عمّا قد يلي سان لوران، بأن المسألة معقدة، لأن وجوده في الدار حلم بحد ذاته، وبأنها في نظره أجمل الدور وكأس الموضة المقدسة، متسائلاً عمّا يمكن أن يتفوق على ذلك، ومضيفاً أن الحل الوحيد هو البدء بشيء مختلف تماماً والتطلّع إلى أحلام جديدة لم يحدّدها بعد.
وها هو اليوم، في السادسة والأربعين، يغادر الدار كما يغادر الضوء مسرحاً أتمّ عرضه، فلا يترك وراءه فراغاً بقدر ما يترك أثراً. عشر سنوات حرس فيها أرقى الدور الباريسية، وأعاد إلى سان لوران حدّتها وغموضها وسحرها، ثم أغلق الباب بهدوء. وأمامه من العمر والوقت ما يكفي ليحلم من جديد، وللدار التي ودّعها أن تبحث عمّن يوقد شمعتها التالية.