خاص "هي": حوار مع رائدة الأعمال مناير الشارخ عن تأثير والدتها في مسيرتها
تحمل الكثير من قصص النجاح بداياتها من البيت، حيث تتشكل أولى ملامح الشخصية والطموح. فالأم تؤدي دور يتجاوز الرعاية، وتسهم في تشكيل نظرة أبنائها للحياة، وتؤثر في طريقة تعاملهم مع العمل والتحديات ومع أنفسهم.
هذا التأثير يظهر مع الوقت في القرارات، وفي الثقة، وفي القدرة على الاستمرار. تفاصيل صغيرة تتحول إلى أساس متين يرافق المرأة في مختلف مراحل حياتها المهنية والشخصية.

بالنسبة لرائدة الأعمال الكويتية مناير الشارخ، كان حضور والدتها عنصر محوري في تشكيل هذا المسار. تصف مناير واحدة من أكثر الصور رسوخًا في ذاكرتها بقولها: "لم تكن تفصل بين من تكون في البيت ومن تكون خارجه."
هذه الصورة منحتها فهم مختلف لمعنى التوازن، وقدمت لها نموذج يجمع بين الحضور العائلي والإنجاز المهني بطريقة طبيعية وواضحة. في حوار خاص مع هي، تتحدث مناير الشارخ عن تأثير والدتها في حياتها، وعن القيم التي رافقتها منذ البدايات، وكيف انعكست هذه القيم على رؤيتها في بناء مشاريعها في مجالات الضيافة والتجارب الثقافية.
كثير من قصص النجاح تبدأ من البيت. كيف أثرت والدتك في شخصيتك وطموحك؟
والدتي مضا محمد الشارخ كانت أول نموذج حقيقي أمامي لما يعنيه أن تكون المرأة حاضرة في أكثر من دور في الوقت نفسه. رأيتها تشارك في بناء صخر، المشروع الذي غيّر مسار الحوسبة العربية، وتعود في المساء لتكون موجودة لنا بنفس الطاقة والحضور. كما كرّست أكثر من عشرين عامًا للعمل الاجتماعي من خلال مشاركتها في الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في الكويت.
هذا كله لم يكن بالنسبة لي فكرة نظرية، بل أسلوب حياة أراه يوميًا. عندما كنت في المرحلة المتوسطة وأردت أن أبدأ أول مشروع لي، أخذتني إلى المحل وساعدتني في اختيار الخرز وجلست معي لنصنع الأساور. تلك اللحظة كانت مفصلية بالنسبة لي، لأنها زرعت داخلي فكرة أن البدء ممكن وأن التنفيذ هو الخطوة الأولى.

ما أول درس لا يزال يرافقك من والدتك في رحلتك المهنية؟
والدتي من أكثر الأشخاص كرمًا وعطفًا في حياتي، وهذا يظهر في كل تفاصيل تعاملها مع الآخرين. أسلوبها في الحديث، وفي العمل، وفي احتواء الناس حولها، ترك أثرًا عميقًا لدي. الناس يشعرون بهذا قبل أن تتحدث، وهذه القيمة أصبحت جزءًا من طريقتي في إدارة مشاريعي.
في مواجهة التحديات، أحاول دائمًا أن أستحضر هذا الأسلوب، لأن التعامل مع الناس بنية صادقة ينعكس على كل شيء، سواء في العمل أو في العلاقات المهنية.
أين ترين بصمة والدتك في طريقة تفكيرك واتخاذك للقرارات؟
كانت والدتي دائمًا تؤمن بالأفكار حتى قبل أن يراها الآخرون، وهذا ما أحمله معي في كل قرار أتخذه اليوم. عندما أطلقت مشاريعي، تواصلت مع جهات إعلامية وأقنعتهم بتغطية المشروع رغم أن الفكرة كانت جديدة. هذا النوع من الإيمان هو ما يدفعك للتحرك دون انتظار الظروف المثالية.
عندما أسسنا The Traveling Panther وبدأنا العمل في السعودية، قيل لنا إن الوقت غير مناسب، لكن الإيمان بالفكرة كان أقوى من كل هذه الآراء. هذا الدرس بقي معي: أن الثقة بما تبنيه تسبق أي اعتراف خارجي.

هل كانت والدتك نموذجًا للمرأة القوية؟ وكيف انعكس ذلك عليك؟
بالتأكيد، كانت قوية بهدوء. لم تكن بحاجة إلى إعلان قوتها أو إثباتها، بل كانت تظهر في أسلوبها وثباتها. ما يميزها هو أن طريقتها لا تتغير بتغير الظروف، سواء في أوقات السهولة أو الصعوبة.
نشأتي على هذا النموذج منحتني علاقة طبيعية مع طموحي، ولم أشعر يومًا أن كوني امرأة يشكل عائقًا أمام ما أريد تحقيقه. هذا الإحساس بالثقة كان له أثر كبير في رؤيتي لما يمكن للمرأة أن تصل إليه.
ما القيم التي غرستها فيك وساعدتك في الاستمرار في ريادة الأعمال؟
ريادة الأعمال تتضمن الكثير من التحديات، وفيها لحظات شك وصعوبة حقيقية. لكن والدتي غرست فيّ الإصرار والالتزام وعدم التنازل عن القيم مهما كانت الظروف.
كما بنت لدي قدرة على التحمل العاطفي، بحيث لا تؤثر اللحظات الصعبة على المسار العام. رأيتها دائمًا تتحمل الكثير وتحافظ على توازنها، وهذا ما أحاول تطبيقه في حياتي اليوم.

في لحظات التحدي، هل تستحضرين نصيحة أو موقفًا من والدتك؟
نعم، كثيرًا ما أجد نفسي أعود إلى ما زرعته في داخلي دون أن أدرك ذلك بشكل مباشر. هناك نوع من البوصلة الداخلية التي تشكلت مع الوقت.
في اللحظات الصعبة، أسأل نفسي إن كان القرار يعكس ما أؤمن به ويمكنني الوقوف خلفه بالكامل. هذا الصوت الداخلي هو امتداد مباشر لتربيتها، وهو ما يساعدني على الحفاظ على وضوح اختياراتي.
كيف تربطين بين القيم العائلية ورؤيتك لمشاريعك في الضيافة والسياحة؟
بالنسبة لي، لا يوجد انفصال بين القيم التي نشأت عليها وبين ما أبنيه اليوم. نشأت في بيت يحترم الإرث ويعمل على تطويره، وهذا ما أحاول تطبيقه في مشاريعي.
نحن لا نبني منتجات سياحية فقط، بل نسعى لإحياء الأماكن وتقديم الهوية السعودية بعمق حقيقي، وبناء جسور بين الثقافة المحلية والعالم. هذا التوجه هو امتداد مباشر لما تربيت عليه.
كيف تختصرين تأثير والدتك في حياتك المهنية اليوم؟
والدتي أثبتت لي من خلال حياتها أن المرأة قادرة على بناء مشروع ناجح، وأن تكون حاضرة لعائلتها في الوقت نفسه دون أن تتنازل عن أي جانب.
علمتني أن أؤمن بقدراتي قبل أي شخص آخر، وأن القوة الحقيقية تظهر في الاستمرار بهدوء وثقة. هذا النموذج كان له تأثير عميق علي، وألهمني أن أسير في طريقي بنفس الروح.
يتجاوز تأثير الأم حدود اللحظة ليصبح جزءًا من تكوين المرأة وطريقتها في رؤية العالم. وفي تجربة مناير الشارخ، يظهر هذا التأثير كامتداد طبيعي للقيم التي نشأت عليها، والتي ترافقها في كل خطوة.
هذه القصة تعكس كيف يمكن للحضور اليومي للأم أن يتحول إلى مصدر قوة مستمر، ينعكس في القرارات، وفي الطموح، وفي القدرة على بناء مسار يحمل معنى ووضوحًا.