مهرجان برلين 2022 ـ فيلم The Passenerges of the Night.. كيف تشاهد فيلما من خلال الراديو؟
عدة أفلام خرجت من مسابقة مهرجان برلين 72 دون أي جوائز، لكنها بلا شك ستظل من أفضل الأفلام التي شهدها المهرجان وستبقى في الذاكرة طويلًا، ربما أكثر من أفلام أخرى حصلت على جوائز. من هذه الأفلام "The Passengers of the Night" (السائرون ليلًا) للمخرج ميكايل هيرس الذي شارك أيضًا في كتابة السيناريو مع مود أميلاين، والذي يعد من المفاجآت السارة في المهرجان.
ليس المقصود بالمفاجأة أن مخرج الفيلم أو فريق العمل لم يكن متوقعًا منهم تقديم فيلم جيد، لكن المفاجأة جاءت من أن الفيلم كان ذو إيقاع هادئ وقصة بسيطة، تبدو مكررة جدًا، لكن -كالعادة- يمكن دائمًا صناعة شيء مختلف من خلال وجهة نظر مختلفة، وهنا كانت المفاجأة في أن الفيلم يتسلل إلى المشاهد تدريجيًا وبإحكام حتى نهايته.
أسرة على غير العادة
تدور الأحداث في بداية الثمانينيات في فرنسا، داخل أسرة صغيرة مكونة من الأم إليزابيت (شارلوت جانسبورج) وابنتها البالغة وابنها المراهق. تبدأ الأحداث مع طلاق إليزابيت لتجد نفسها فجأة مسؤولة عن الحفاظ على تماسك واستقرار هذه الأسرة، قبل أن تظهر في حياتهم المراهقة تالولا (نويه أبيتا) والتي تقرر إليزابيت رعايتها هي الأخرى.
كما ذكرنا تبدو القصة تقليدية، عن الترابط الأسري، والنساء اللاتي تتبدل حياتهن بعد الانفصال، لكن في حقيقة الأمر يأخذنا السيناريو إلى معالجة غير معتادة في هذا النوع من الأفلام.
عكس الكثير من الأفلام الأوروبية التي تركز على تفكك الأسرة وتباعد أفرادها، وصعوبات التواصل بينهم، فإن "السائرون ليلًا" يتناول قيمة هذا الترابط بين الأسرة رغم الصعوبات، من خلال اختيار نماذج الشخصيات بعناية. رغم عدم ظهور والد إليزابيت إلا في مشاهد محدودة فإنه يلقي بالكثير من الضوء على شخصية ابنته، إذ أن المعتاد أن نشاهد تواصلًا عابرًا وربما جافًا بين الأبناء الكبار الذين أسسوا أسرهم بالفعل وأهلهم، ولكن وجود الأب في الفيلم ودعمه المعنوي لابنته، يفسر هذا الترابط الموجود بين إليزابيت وابنها وابنتها، في المقابل لا نشاهد على الإطلاق زجها، إذ أن دوره انتهى بالفعل، كل ما يهم هو أن نشاهد تأثير غيابه سواء على إليزابيت أو الأبناء.

من غير المعتاد أيضًا أن نجد أن الأبناء متمسكين بالأم ويتخذون صفها تمامًا بلا أي لوم أو انحياز إلى الأب. بقدر ما دعم هذا البناء الذي يأخذه الفيلم، رسم صورة مترابطة لهذه الأسرة، فإنه في الوقت ذاته جعل الأب كأنه لم يكن موجودًا من الأساس في حياة أبنائه.
في سبيل الحفاظ على أسرتها تتجه إليزابيت للعمل، فتعمل صباحًا في إحدى المكتبات، وليلًا في محطة إذاعية، مسؤولة عن تحويل المكالمات الهاتفية للمذيعة فاندا (إيمانويل بير) في برنامجها "السائرون ليلًا" ومنه جاء عنوان الفيلم، ومن خلال هذا البرنامج تتعرف على تالولا.
رغم الأداء الجميل الذي قدمته نويه أبيتا لشخصية تالولا، فإننا لا يمكن أن نتجاهل أن تأثير الشخصية على الأحداث لم يكن قويًا بما فيه الكفاية، إذ أنها لم تغير شيئًا في إليزابيت التي كانت بالفعل متعلقة بابنها وابنتها وتسعى لأجل تأمين حياة مستقرة لهما، والعلاقة بين ثلاثتهم كانت قوية. لكن ربما كان تأثيرها أكبر على الأبناء، وخاصة على الابن ماثياس (كييتو رايان ريشتر) الذي ترك حبيبته فجأة دون مقدمات وارتبط بتالولا، مما جعل ظهور حبيبته في مشاهد سابقة ليس ذو تأثير حقيقي. لم يكن تأثيرها عليه عاطفيًا فقط بل منحت حياته جانبًا من المغامرة والجرأة كان يفتقده.

السائرون ليلًا
جانب آخر مهم في الفيلم هو الذي يقع داخل كواليس برنامج الراديو حيث تعمل إليزابيت. البرنامج من تلك التي تقدم في فترة منتصف الليل، وتعتمد على الاستماع لمداخلات المستمعين، والذين عادة ما يرغبون في "الفضفضة" والاستماع إلى رأي المذيعة المتمرسة وتعليقها.
تبدو المهمة التي تقوم بها إليزابيت في البرنامج شديدة السهولة والهامشية، فهي فقط تتلقى مكالمات المتصلين وتتأكد من سبب الاتصال، قبل أن تنقلهم لفاندا على الهواء. لكننا في أحد المشاهد نشعر بأهمية دور إليزابيت، عندما يهدد أحد المتصلين فاندا على الهواء، قبل أن يُقطع الاتصال، هكذا نفهم أن ما تفعله إليزابيت على سهولته، فإنه يحافظ على حالة البرنامج وشكله على الهواء. في الآن ذاته تتجلى أهمية هذا المشهد في كشف جانب آخر من الكواليس.

منذ بداية الفيلم ونحن نستمع إلى صوت فاندا الهادئ والمؤثر والذي يبدو كأنه قادمًا من اللامكان، ليحمل للمستمع خلاصة الحكمة، لكن عندما ندخل إلى الكواليس نشعر تنهار نسبيًا هذا الهالة المرسومة حول الصوت عندما نرى صاحبته، وعندما تنفعل على إليزابيت لتحويلها المكالمة سابقة الذكر تختفي هذه الهالة تمامًا، ونشعر كمشاهدين، أن صاحبة الحكمة، ليست إلا بشرًا لها نقاط ضعف مثلنا.
بقليل من التأمل، نشعر أن الدور الذي تلعبه إليزابيت في الإذاعة، يشبه الدور الذي تلعبه في الحياة، فهي تحاول السيطرة على إيقاع حياة أسرتها وضبطه، في حين أن الأمر ليس دائمًا في يدها، وأحيانًا تسمح بنفسها بدخول ما يغير شكل البرنامج/الحياة، كما فعلت عندما أدخلت تالولا إلى بيتها. لكن من قال أن الحياة يجب أن تكون دائمًا هادئة ومستقرة؟
يترك الفيلم بعد انتهائه أثرًا مثل الأثر الذي يتركه برنامج "السائرون ليلًا" في مستمعيه على الأرجح، ذلك الشعور بالتخفف من بعض ما يثقلهم حتى ولو يكونوا من المتصلين بالبرنامج، ونشعر مع الفيلم أنه يقدم شخصيات نحب مشاهدتها ونرتبط بها، وحالة سينمائية منضبطة، إذ لا يقع المخرج في الميلودرامية القاتمة أو الرومانسية الوردية، بل يسير بينهما بخفة.