عروض مهرجان البحر الأحمر ـ فيلم "The Exam": بشر تحت رحمة ورقة الامتحان
في إطار قسم روائع عربية، يعرض فيلم الامتحان (The Exam) إخراج شوكت أمين كركي. الفيلم من إنتاج ألمانيا والعراق وقطر، وبدأ رحلته من خلال مسابقة مهرجان كارلوفي فاري حيث حصل على تنويه خاص.
تقع أحداث الفيلم في كردستان العراق، لكنها تبدو شديدة القرب من أغلب المجتمعات العربية.
كرة الثلج
يبدو أن فترة الامتحانات في بعض المجتمعات، وخاصة العربية تتشابه إلى حد كبير، في كونها فترة عصيبة على الأسرة بأكملها وليس فقط الشخص الذي يخوض الامتحان، مع في الامتحانات من أهمية بالطبع لتحديد مصير الإنسان المستقبلي في الدراسة ثم في العمل، يتحول الأمر في بعض الأحيان إلى قرار يغير شكل حياة الإنسان بأكملها وليس فقط على مستوى الدراسة.

يطرح "الامتحان" وجهة النظر هذه، إذ تدور أحداثه داخل أسرة صغيرة، الفتاة الشابة روجين (فانيا سالار) على وشك أن تخوض الامتحانات التي ستؤهلها للدراسة الجامعية. بينما تخشى أختها الكبرى شيلان (آفان جمال) المتزوجة زواجًا تعيسًا أن تفشل روجينا في الامتحانات فتضطر للزواج وتلقى نفس مصيرها، تقرر مساعدتها لاجتياز الاختبارات باستخدام طرق غير قانونية.
يعتمد سيناريو الفيلم الذي كتبه كركي بمشاركة محمدريزا جوهري، على أسلوب كرة الثلج، إذ تبدأ الأحداث من نقطة صغيرة جدًا، شيلان تقرر أن تدفع النقود إلى عصابة تسرب الامتحانات وتنقل إجاباتها للطلبة عن طريق الموبايل أثناء الامتحان. لكن لاحقًا تجد شيلان نفسها جزءًا أساسيًا من هذه العصابة عندما تضطر هي نفسها لنقل ورقة الأسئلة إليهم، بعد تصعيد المدارس لطرق مقاومة الغش.
بالتوزاي مع هذا الانزلاق المتواصل داخل هذه الشبكة الفاسدة، نتعرف على سبب مساعدة شيلان لأختها بهذه الاستماتة، وهو علاقتها المضطربة بزوجها، إذ تعلم أن روجين لو لم تنجح في استكمال دراستها الجامعية، ستتزوج فورًا، هو الأمر الذي يمثل لشيلان كابوسًا، لكنها في سعيها لمساعدة أختها، تزداد علاقتها بزوجها سوءًا، لكننا نشعر أن كل ما يهمها هو إنقاذ شقيقتها، بينما لم تعد تهتم بحياتها هي نفسها.

من الممتع في هذا الفيلم مشاهدة كيف كُتبت أغلب شخصياته، وتحديدًا النسائية، بطريقة تجعلها جميعها لا تملك مصيرها في يدها. شيلان تحت رحمة زوجها الذي يتصاعد شكه تجاهها طوال الوقت، وبينما تسعى هذه لمساعدة أختها روجين، فإنها تضغط عليها نفسيًا طوال الوقت حتى تجتاز الامتحانات، بينما لدينا الطفلة الصغيرة ابنة شيلان التي لا زالت لم تختبر الحياة بعد، لكننا ندرك بالطبع أن مصيرها لن يكون أكثر سعادة من مصير أمها وخالتها.
شبكة الفساد
في عام 2016 قدم المخرج الروماني كريستيان مونجيو فيلمه "تخرج" (Graduation)، والذي ناقش فيه فساد المنظومة المجتمعية والسياسية، من خلال متابعة أب يحاول بطرق غير مشروعة مساعدة ابنته لاجتياز أحد الامتحانات، نتيجة عدم ثقته في قدرتها على اجتياز الامتحان بقدراتها لأنها كانت تمر بأزمة نفسية.
في "تخرج" كما في "الامتحان" ننطلق من نقطة صغيرة، ونتشعب إلى الكثير من العناصر الكبرى في مجتمع كل منهما. بينما يتعرض الأول للفساد على مستوى طبقات اجتماعية عُليا، يركز الثاني على الطبقات الدنيا والمتوسطة.
هنا نشاهد كيف يتحول الأمر من مجرد امتحان تقليدي، لتحدٍ حقيقي بين العصابة التي تسرب الامتحانات، وبالتبعية لها الأسر التي ترغب في اجتياز أبنائها وبناتها للامتحان بأي طريقة، وبين قوانين المجتمع والمنظومة السياسية أيضًا، التي بالتأكيد لا تضع اعتبارًا لكون اجتياز الامتحان من عدمه سيغير شكل حياة الفتاة بطلة الفيلم بأكملها للأسوأ أو للأفضل.

أهم ما يميز هذا الفيلم هو قدرته على تقديم سيناريو ممتع وجذاب طوال الوقت، من خلال تطوير أفكار الغش وأفكار مقاومتها في المقابل، كما نشاهد تورط الشخصيات بشكل تدريجي في هذه المنظومة الفاسدة، لكنه في الوقت نفسه لا يلقي بالأحكام على شخصياته، أو على أغلبها للدقة، فجميعها تعاني بشكل أو بآخر من شكل الحياة القاسية وبالتالي من الصعب أن يجد المشاهد نفسه متورطًا في حكم قاطع على شخصية شيلان، رغم انغماسها في عمل مخالف للقانون.
بعد التصعيد المستمر، يقرر كركي أن يتركنا مع نهاية شبه مفتوحة لهذا الفيلم، يصعب معها تحديد مصير شيلان، لكنها نهاية من النوع التي تزيد من قيمة وتأثير الفيلم لدى المشاهد بعد خروجه من قاعة العرض.