استشارية المناعة ومديرة برنامج التحصين الوطني الدكتورة ألفت العامري لـ"هي": اليوم يأتي دور النساء لرد العطاء

"اليوم يأتي دور النساء لرد العطاء لوطننا"

أؤمن بمقولة:

أؤمن بمقولة: "اغتنموا فرص الخير فإنها تمر مر السحاب"

تعلمت الإصرار والعزيمة من والدتي

تعلمت الإصرار والعزيمة من والدتي

دبي: "لمى الشثري" Lama AlShethry
تصوير: "محمد البعيجان" Mohammed AlBaijan

لقاء رائع تعرفنا فيه عن قرب إلى رحلة كفاح الدكتورة السعودية ألفت العامري استشارية المناعة ومديرة برنامج التحصين الوطني في المركز الوطني للوقاية من الأمراض. ألفت العامري امرأة جاهدت بقوة لكي تحقق أحلامها وعلى الرغم من الصعاب والتحديات الكثيرة، تمكنت، بتوفيق من الله، من تحصيل شهادة الدكتوراه في علم الخلية والبيولوجيا الجزيئية من جامعة آركنساس بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى اكتساب خبرة بحثية في مجالات الأمراض المعدية واللقاحات.


حدثينا عن نفسك، وكيف بدأ اهتمامك بعلم الخلية والبيولوجيا الجزيئية؟
تخرجت في الجامعة تخصص كيمياء حيوية، بعدها تزوجت وانتقلت إلى مدينة ينبع. عملت هناك لمدة عام بصفة تقنية مختبرات في قسم الكيمياء الحيوية في مختبر مستشفى الهيئة الملكية. تطورت في عملي، وأصبحت مسؤولة عن قسم بنك الدم. خلال هذا الوقت بدأت البعثات الطبية لخادم الحرمين الشريفين عام 2006 ، وكان الالتحاق بها حينذاك أمرا ميسرا للغاية، والقبول فوريا تقريبا. درست علم الخلية والبيولوجيا الجزيئية في برنامج الماجستير على الرغم من ميولي لعلم المناعة نظرا لعدم توفر مقاعد متاحة في هذا التخصص. كان دافعي الأكبر هو أن أتحين الفرصة لأنمو في عملي ومهنتي، وأطور من إمكاناتي وأحقق أهدافي. ولذا أمضيت ما يقارب عاما كاملا في محاولات إقناع زوجي الذي كان حينها في وظيفة مستقرة. شجعتني أيضا والدتي التي تنتمي إلى عائلة تقدر العلم بشكل كبير، ولديها إرادة حديدية..
حين حصلت على القبول كانت لدي طفلتان آنذاك، وكنت حاملا بابنتي الثالثة، لم يكن القرار سهلا، وخاصة أن الأمر أشبه بمغامرة لا يعرف مصيرها. الحقيقة أن الإيمان بالله هو مصدر قوتي التي جعلتني أمضي في هذا القرار. وقد سخر الله لي زوجا عظيما كان متعاونا وداعما للغاية، فقد أتى بوالدي إلي ليدعمني بشكل لا يمكن وصفه، وخاصة حين ولدت طفلتي هناك، واضطر زوجي للعودة إلى الوطن.
كيف تصفين تجربة الدراسة في جامعة آركنساس في الولايات المتحدة؟
تجربتي كانت رائعة، ووفقت في اختيار الجامعة على الرغم من التحديات التي واجهتها. كنت محظوظة للغاية بالمجتمع السعودي الذي كان هناك، والذي كان بمنزلة عائلة كبيرة، وولدت ابنتي الرابعة هناك أيضا. تمسكت بالدعاء الذي صنع المعجزات في تجربة الدراسة والمعيشة والأشخاص ممن حولي، وأخص بالشكر الدكتورة موضي الخلف التي ساعدتني كثيرا آنذاك. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتنا، وخاصة مع وجود الأطفال، فإن الله سبحانه وتعالى يسر لي ولزوجي متابعة مسارنا التعليمي، فقد التحقت ببرنامج الماجستير، والتحق زوجي ببرنامج البكالوريوس. يكمن السر النجاح بعد توفيق الله في تنظيم الوقت بشكل صحيح، لخلق توازن بين المهام والمسؤوليات وفي المحافظة على رباطة الجأش وعدم الاستسلام للتوتر، والحرص على اتخاذ القرارات بحكمة وروية. من المهم أيضا تكوين علاقات قوية مع الجميع، سواء من محاضرين أو زملاء أو جيران، لأن ذلك يسهل كثيرا تجربة الدراسة والتعامل مع الظروف التي قد تداهمنا. وقد ساعدتني علاقتي المميزة مع المحاضرين والأساتذة في الالتحاق ببرنامج الدكتوراه في تخصص علم المناعة الذي لم يكن متاحا لي من قبل في برنامج الماجستير. استمتعت كثيرا بدراسة هذا التخصص، وخلال دراستي أكرمني الله بولادة طفلين، وأنا سعيدة بكل هذه النعم التي أكرمني الله بها. درست خلال مرحلة الدكتوراه أيضا دبلوم إدارة لمدة عام تضمن إدارة مالية وإدارة أبحاث وإدارة عامة، لأني كنت أحلم بأن أتولى منصبا إداريا. وبالفعل رزقني الله بمنصب إداري. أما زوجي، فقد أتم البكالوريوس في الإدارة، وحصل على درجة الماجستير أيضا في الموارد البشرية والتطوير المهني.
ما النصيحة الأهم التي يمكن أن تقدميها للمقبلات على دراسة هذا المجال؟
كل مجال له صعوباته وتحدياته، نصيحتي بوجه عام لأي شخص يريد أن يكمل دراساته بألا يتأخر في اتخاذ الخطوة، وألا يضع الأعذار في طريقه، بل عليه أن يبحث عن الحلول لها، وأن يستعين بالله لتحقيق أهدافه. السعي وراء العلم أمر عظيم، ولذا لا بد من أن نجتهد في تحصيله والانتفاع به وإفادة الآخرين أيضا. هناك قصيدة رائعة لأبي القاسم الشابي عنوانها “إرادة الحياة” تمدني بالعزيمة والإصرار على المحاولة حين أحتاج إليهما، أود أن أذكر منها بيتين رائعين، يقول فيهما: إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ .. فلا بدّ أن يستجيب القدرْ ولا بُدَّ لِلَّيلِْ أنْ ينَجَْلِي .. وَلا بدَُّ للقَيدِْ أنَْ يَنكَْسِر.
ما أهمية الالتزام بجدول التطعيمات ضمن برنامج التحصين الوطني، وخاصة خلال أزمة كورونا؟
التطعيمات مهمة للغاية لحماية الأطفال من الأمراض المستهدفة بالتحصين، بإذن الله تعالى. لا بد من الالتزام بجميع الجرعات، لأن اللقاح ذاته مكون من ميكروب مخفف أو جزء من الميكروب، ولذا فإنه عند أخذ جرعة واحدة فقط من اللقاح لن تكون هناك مناعة كافية لحماية الطفل من المرض. هذا الأمر يجعل من الضروري استكمال الجرعات لتحقيق الهدف من اللقاح، وإمداد الجسم بالمناعة الكافية ضد المرض بإذن الله. أود أن أشير إلى أن الالتزام بالتطعيمات خلال أزمة كورونا مهم للغاية، وذلك لأن عدم تحصين الأطفال باللقاحات اللازمة قد يتسبب بمرضهم وانتشار وباء من نوع مختلف، ويفسح المجال لأزمة أخرى، وهو ما يضيف المزيد من العبء على النظام الصحي الذي يمر أصلا بمواجهة قاسية ضد فيروس كورونا.

المرأة السعودية تعيش عصرها الذهبي في ظل القرارات الداعمة لها من القيادة على مختلف الصُعُد، كيف ينعكس ذلك على حياتك؟
أوجه الشكر الجزيل لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، لتوفير الفرص العظيمة للنساء؛ فاليوم يأتي دورنا لكي نرد العطاء لهذا الوطن الغالي. المرأة قادرة على إثبات نفسها في كثير من المجالات والمناصب القيادية؛ وكوني مديرة برنامج التحصين الوطني في مركز الوقاية من الأمراض ومكافحة العدوى أتاح لي الفرصة لأرفع من مستوى البرنامج وأطوره بالعلم الذي اكتسبته بدعم من الدولة نفسها. لولا الله ثم وطني لما كان باستطاعتي أن أذهب للدراسة في الخارج وتحصيل درجتي الماجستير والدكتوراه. إنه الوقت لرد الجميل لهذا البلد، وأسأل الله أن يوفقني لما يحب ويرضى في خدمة وطني الذي قدم لي الكثير، ولا يمكن للحروف أن تفيه حقه.

في زمن كورونا وبصفتك مديرة برنامج التحصين في المركز الوطني للوقاية من الأمراض، ما تقييمك للوعي المجتمعي في هذا الجانب؟ وكيف تعملون على نشره؟
تبذل وزارة الصحة مشكورة جهودا جبارة في التوعية المجتمعية بالوقاية والإجراءات الاحترازية عبر مختلف الوسائل، سواء عبر المنشورات، أو وسائل التواصل الاجتماعي أو الرسائل المصورة وغير ذلك. قدم لنا الوطن تضحيات كبيرة للمحافظة
على سلامة المواطن، وأؤمن بأن الالتزام لا بد أن يكون استجابة طبيعية لهذه الجهود لتخطي هذه الأزمة بعون الله.
بعيدا عن الطب، لك اهتمام خاص بالرسم، وريشة الفنان لها مكانة خاصة في قلبك، حدثينا عن هذا الأمر؟
رافقتني هواية الرسم منذ الصغر، وقد دعمني في ذلك شقيقي إيهاب، حيث إنه مهندس تخطيط مدن من خلال تعليمي الأبعاد ورسمها. كما التحقت أيضا بمركز الفنون الذي تديره منى القصبي في جدة. كان أخي يشتري لوحاتي، ويشجعني بشكل دائم، ولكن أصبحت مع الأسف مقلة في ممارسة هذه الهواية بسبب ضيق الوقت. ومع ذلك، فأنا سعيدة بأن ابنتي الكبرى أخذت عني هذه الموهبة التي تجري في عروق أفراد آخرين من العائلة، والتي أشجعها كثيرا على تطويرها.
بين مسؤوليات الحياة والعمل، كيف تمضين الوقت الممتع الذي تستقطعينه لنفسك؟
لدي جدول ألتزم به في أيام الأسبوع المليئة بالعمل والالتزامات، ولذا استقطعت أوقاتا محددة لنفسي وعائلتي وزوجي. أخصص يوم الجمعة بشكل حصري لعائلتي، حيث نمضي الوقت معا سواء داخل المنزل أو خارجه. أما يوم السبت، فهو لنفسي بحيث ألتقي بصديقاتي لتناول وجبة لذيذة، أو احتساء القهوة. وقد خصصت لزوجي صباح الجمعة، بحيث نخرج في وقت مبكر حين تكون الشوارع هادئة، فنتناول الإفطار في مكان جميل، ونستمتع برفقة بعضنا البعض بعيدا عن ضغوط الحياة.
ما الوجهة التي تحلمين بزيارتها بعد انقضاء أزمة كورونا بإذن الله؟
أول رحلة لي ستكون إلى جدة لزيارة والدي. لا أعلم متى سيكون ذلك متاحا أو ملائما، وهل سيكون قريبا أم بعيدا، ولكني أنوي زيارة أمريكا مرة أخرى، حيث إن لها مكانة خاصة في قلبي، فقد عشت فيها تجارب عظيمة، وولدت فيها بناتي.
كيف تقضين أوقات الحجر المنزلي؟ وما الدرس الذي تعلمتِه من هذه الفترة الحرجة التي يعيشها البشر حول العالم؟
أحرص على تقسيم وقتي، حيث نعمل حاليا من المنزل. أحاول أن أستفيد من هذا الوقت بأن أكون قريبة بشكل أكبر من أبنائي، حيث تربطني بهم علاقة خاصة ومميزة. هذه الفترة هي تطبيق لما علمته لهم من القناعة والتكيف مع الظروف مهما كانت، والذي كان خلال حياتنا في أمريكا. الأطفال يتعلمون من مشاهدة تصرفات آبائهم، وليس من النظريات التي يلقنونهم إياها، فكل ما هم عليه مرآة وانعكاس لما يرونه منهم. لا بد للوالدين من أن يكونا خير مثال لأبنائهما من حيث القوة ودرجة التأقلم والتعايش مع مختلف الظروف والإصرار. تعلمت أن هناك العديد من النعم التي لا بد أن نشكر الله عليها، وعلى رأسها نعمة الصحة. لدينا نعمة المنزل الآمن ولله الحمد، لدينا نعمة الطعام والشراب، لدينا نعمة وجود الأحباب والأهل حولنا. تعلمت أن لدينا جميع الأساسيات التي نحتاج إليها، أما الأمور الأخرى، فهي كماليات ما هي إلا إضافة يمكن الاستغناء عنها.
كيف يمكننا برأيك أن نخرج أقوى من هذه التجربة؟ وما أهم عناصر النجاح؟
لا بد من أن نفكر بإيجابية، وأن نتمسك بإيماننا بالله عز وجل، وأن مع العسر يسرا، وذلك وعد من الله. لا بد أن نتأقلم حتى مع التغييرات الضريبية، وأن نفكر في الحلول عوضا عن التركيز على المعضلات. لا أدعي المثالية، فالكمال لله عز وجل، ولكن علينا بكل جدية أن نتعامل مع الواقع لكي نستطيع أن نتخطاه بنجاح. ولذا أختصر عناصر النجاح في الإيمان بالله والاستعانة به، وإعادة ترتيب الأولويات حسب ما تقتضيه الظروف، ووضع الخطط المستقبلية والتفكير بإيجابية بحثا عن الحلول.
هل كلمة أخيرة تودين إضافتها؟
أود أن أوجه رسالة مهمة بضرورة التمسك بالإيجابية والاستعانة بالله لتخطي كل الأزمات وإخلاص النية في العمل.