الإعلامية رنا أبتر تشارك "هي" تجربتها مع سرطان الثدي: "فلنصبه بعدوى حب الحياة"
أنا مصابة بسرطان الثدي.
يا لها من جملة. لم أتخيل يوما أنني سأقولها، أو أنني سأجد نفسي في معسكر المحاربات. فلا إصابات في عائلتي، والماموغرام الذي أجريه بانتظام كل عام لم يُظهر أي علامات مقلقة. أهتم بنفسي، بصحتي وبجسدي. أمارس الرياضة بانتظام، وأحرص على تناول الطعام الصحي.
كيف؟
بعد الصدمة والدموع، ومحاولة التأقلم مع الكلمة من دون الانهيار، ومن دون التفكير بأنني خذلت عائلتي، أو أنني قد لا أكون هنا لأرى بنتيّ تكبران أمامي، بدأت مرحلة الغضب. غضبت من معلومات كنت مقتنعة بها، ومن شعور بالأمان اكتشفت أنه لم يكن كاملا. كنت مطمئنة إلى أن غياب المرض عن عائلتي يجعلني شبه محصنة، وأن الماموغرام السنوي سيعثر على أي مشتبه به وهو يتسلل إلى جسدي.
ثم صدمتني الأرقام: امرأة من كل ثماني نساء تصاب بسرطان الثدي، ونحو 90 في المئة من الحالات ليست وراثية، والماموغرام، على أهميته، لا يكشف دائما كل ورم. أنا عثرت على الورم بنفسي، تحت إبطي تقريبا، بعد شهر واحد من الماموغرام السنوي. أجّلت الذهاب إلى الطبيب قليلا. كنت قد فعلت كل ما يجب فعله، فما الداعي للقلق؟
لكن جسدي لم يستسلم. أرسل إليّ إشارة بعد أخرى، وكان بداخلي شعور غريب، كأنني أعرف أن هناك دخيلا تسلل إليه. ذهبت إلى الطبيب. طمأنني بأن ما أشعر به قد يكون مرتبطا بالتغيرات الهرمونية، لكنه قال: لنجرِ صورة بالموجات فوق الصوتية "احتياطا".
أذكر وجهه جيدا عندما أجرى الصورة، وكيف أحالني فورا لإجراء خزعة. وبعد أيام من الانتظار المضني، صدر الحكم النهائي: "وجدنا خلايا سرطانية". أنا محظوظة لأنني اكتشفته مبكرا. ولو انتظرت إلى موعد الماموغرام في العام التالي، ربما كانت قصتي مختلفة.
عرفت بعدها أن سرطان الثدي ليس مرضا واحدا. سرطاني إيجابي للهرمونات ولبروتين HER2، وعلاجه يستهدف أكثر من مسار. لذلك لم يكتفِ الأطباء بالجراحة والاستئصال. كان العلاج الكيماوي ضروريا للتصدي لأي خلايا مجهرية قد تكون تسللت، ست جلسات، تتبعها الأشعة، ثم أدوية وعلاجات أخرى لقطع الغذاء عن هذا الخبيث.
وهنا بدأت مرحلة أخرى.
حاولت قبل العلاج أن آخذ «إجازة من المرض». سافرت مع عائلتي. أردت أياما عادية، صورا عادية، ضحكات عادية، قبل أن تدخل حياتنا في إيقاع المواعيد والعلاجات والأعراض الجانبية.
لكن المرض حزم حقائبه وسافر معي.
كان يتسلل إلى أجمل اللحظات، ويجلس معنا إلى المائدة، ويدخل بيني وبين بنتيّ كلما نظرت إليهما، وفكرت في المستقبل. عندها فهمت أن التحدي ليس فقط في محاربة المرض، بل في تحديد مكانه. أن أتعلم كيف أضع الخوف جانبا عندما يحاول الجلوس إلى مائدتي، وأن أعترف بوجوده من دون أن أعطيه مقعدا. وأن أعيش مع حقيقة أن حياتي تغيّرت، من دون أن أسمح لهذا التغيير بأن يصبح حياتي كلها.
ثم جاء الكيماوي.
أخافتني الكلمة بقدر كلمة «سرطان». دخلت جلستي الأولى محمّلة بكل الصور التي رأيتها في الأفلام. طأطأت رأسي كي لا أنظر إلى المرضى، إلى أن اقتربت مني امرأة كبيرة في السن، ربما رأت الخوف في عيني، وقالت: "سوف تكونين بخير. هذه حلقة من حياتك، لكنها لن تكون حياتك كلها".
لم أنسَ كلماتها.
بدأت أنظر إلى العلاج بطريقة مختلفة. هذه الأدوية قاسية، نعم، لكنني سأستقبلها بالترحاب، لأنها ستقتل هذا الخبيث.
لا، الأمر ليس سهلا. هناك أيام يفقد فيها الطعام مذاقه، وأيام يتوقف فيها جسدي عن الاستماع إليّ، ويأمرني بالفراش. أصبحت التجمعات الكبيرة خطرا، وعناق أصدقائي وعائلتي شبه ممنوع. اليوم تفصل بيني وبينهم مسافة اسمها المرض. فالعدوى قد تعني تأجيل علاجي، وجرثومة صغيرة قد تكسر جسدا يحاول أن يصمد.
أما العمل، فأتمسك به قدر استطاعتي. ليس إنكارا للمرض، بل لأنه مساحة أستعيد فيها شيئا من حياتي التي أعرفها. لساعات قليلة أعود إلى عالمي، إلى عملي وشغفي، ويذكرني ذلك بأنني ما زلت أنا، حتى عندما يتعب جسدي.
وأحيانا أنظر إلى المرآة وأشتاق إلى نفسي.
أشتاق إلى المرأة التي كانت تعيش من دون خوف. إلى روحها المرحة، وإلى الفرح الذي كان يسكنها ويغرّد من دون مناسبة، وإلى عناق من تحب من دون حسابات.
أشتاق إليها، وأريدها أن تعود. ثم أستدرك نفسي: ربما لن أعود كما كنت تماما. ربما عليّ أن أتعرف إلى نفسي من جديد، وأن أتعلم أيضا كيف أحب هذه المرأة التي خافت وتعبت وانكسرت أحيانا، لكنها حاربت وبقيت.
أما جسدي الذي خانني، فسأحاول أن أسامحه أيضا، لأنه على الرغم من كل شيء ما زال يقاتل معي بكل ما أوتي من قوة.
إلى كل امرأة تقرأ هذه الكلمات: كلامي لا يعني عدم الثقة بالماموغرام. هو فحص ضروري، لكن الثقة بجسدك والاستماع إليه ضروريان أيضا. اطرحي الأسئلة، واطلبي المزيد من الفحوص إذا شعرت بأن شيئا ليس على ما يرام.
الكشف المبكر يصنع فارقا.
والقوة لا تعني ألا نحزن أو نغضب أو نبكي. القوة هنا ليست بطولة، بل ضرورة. أذهب إلى علاجي، وأتحمل، وأعمل، وأضحك، وأصلي، وأكمل.
ولمن وجدت نفسها مثلي فجأة في "معسكر المحاربات"، أقول ما قالته لي تلك المرأة في أول جلسة كيماوي: هذه حلقة من حياتك، لكنها ليست حياتك كلها.
وتذكري: السرطان أصبح جزءا من قصتك، لكنه لن يكون قصتك كلها، فَلْنُصِبْهُ سوية بعدوى حب الحياة.
