جمانة غوث

تأثير الفن في المدن "الجديدة" وقيمة الأرض

مجلة هي
28 سبتمبر 2023

في السنوات الأخيرة انطلقت المملكة العربية الســــــعودية في رحلة طموحـــــــــــة عنوانها التطويـــــــــــــــر الحضري. وشرعت في إنشاء مدن "جديدة" تسعى إلى أن تكون مليئة بالحياة ومستدامة وغنية ثقافيا. وبينما تتشكل هذه المدن وتتبلور، من الضروري فهم أهمية دمج الفن والثقافة بشكل عضوي في تركيبتها. الفن والثقافة ليسا مجرّد زخرفات، بل هما مكوّنان أساسيان من مكوّنات هوية هذه المناطق الحضرية المتطورة وصلاحية العيش فيها وتماسكها الاجتماعي.

تؤدّي المبادرات الفنية والثقافية دورا مهمّا في الجودة العامّة للحياة المدينية، فتقدّم إلى السكّان فرصا للتعبير الذاتي والإبداع والنمو الشخصي. من المتنزهات إلى الساحات العامّة، مرورا بالعناوين الثقافية التي تستضيف أعمالا فنّية، والمسارح، والمتاحف، تصبح هذه الأماكن نقاط لقاء واجتماع تسمو بجودة العيش في مدينتها؛ ذلك إضافة إلى أن المؤسسات الفنية والثقافية تجذب محترفين مبدعين، وتعزز الابتكار، وتسرّع النمو الاقتصادي.

دمج الفن والثقافة في المدن "الجديدة" يستطيع تحفيز التنمية الاقتصادية والسياحة. بإمكان المعالم الثقافية والمتاحــــــف وصـــــــالات الغاليري جذب الزوّار على الصعيدين المحـــــــلّي والدولي، فتدرّ الدخل وتوفّر فرص عمل جديــــدة. وبدورها، تصبح المهرجانات الفنّية وعروض الأداء المباشر والمعارض أحداثا ثقافية مهمّة تستقطب السيّاح، وتحوّل المدن التي تستضيفها إلى وجهات حيوية على الخريطة الثقافية العالمية. ويؤدّي ذلك في النهاية إلى دعم المشاريع والشركات المحلّية، وتعزيز الاقتصاد، وتشجيع المزيد من الاستثمار.

أما تأثير الفن والثقافة في قيمة الأرض، فهو موضوع متعدد الأوجه وواسع باحتمالاته وفرصه. من خلال الاستثمار في المبادرات الفنية والثقافية، قد نؤثّر بشكل قوي وكبير في قيمة الأرض والتنمية العامّة للمنطقة. ونرى أن رؤية السعودية ٢٠٣٠، بخطّتها الطموحة لتنويع اقتصاد البلاد، تقدّر أهمية الفن والثقافة في الدفع بعجلة النمو الاقتصادي واجتذاب السيّاح.

منافع إدخال الفن والثقافة في التخطيط والتطوير الحضريين كثيرة وبارزة، وستلعب دورا ملحوظا في نجاح رؤية ٢٠٣٠. لا شك في أن المعالم الفنية والثقافية تملك القدرة على التحوّل إلى رموز أيقونية تمثّل منطقة أو مدينة ما، وتشدّ الزوار إليها، وترفع مكانتها على مستوى العالم كلّه. كثيرا ما تصير هذه المعالم وجهات جذب سياحية، وتتسبب في زيادة حركة الناس والنشاط الاقتصادي في المناطق المحيطة. ونتيجة لذلك، تميل القيم العقارية القريبة من هذه المراكز الثقافية إلى الارتفاع، وتكون الأراضي المجاورة عناوين ممتازة للتطوير السكني والعقاري وحتى مشاريع قطاع الضيافة.

إضافة إلى ذلك، يفضي وجود الحركات الفنية النشطة والمتاحف وصالات العرض والمهرجانات الثقافية، إلى تحسين جودة العيش، وحث الانخراط المحلّي. فتنشئ هذه المرافق الثقافية حس الانتماء المكاني والروح الجماعية، وتجعل المنطقة مرغوبة أكثر بالنسبة إلى المقيمين والشركات على حد سواء. مع ازدياد الطلب على العقارات في المناطق الغنية ثقافيا، تميل قيم الأراضي أيضا إلى الارتفاع، وهو الأمر الذي يحفّز النمو الاقتصادي والتنمية الحضرية.

في سياق رؤية السعودية ٢٠٣٠، أظهرت الحكومة ثقتها بإمكانات الفن والثقافة وقدرتهما على أن يكونا محفّزين للتنويع الاقتصادي والقطاع السياحي. أطلقت المملكة مبادرات ثقافية، مثل تأسيس مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. تهدف هذه المشاريع إلى تنشئة المواهب المحلّية، واجتذاب الفنانين والمؤدّين الدوليين، وتوفير مساحات للتبادل الثقافي. عبر الاستثمار في البنى التحتية الفنية والثقافية، تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ مكانها على خريطة الوجهات الثقافية العالمية، ولفت أنظار الزوّار الداخليين والخارجيين. لا شك في أن تطوير الأحياء الثقافية والمراكز الإبداعية يرعى الإبداع والابتكار والريادة، ويشارك بدوره في تنويع الاقتصاد وإنشاء عدد أكبر من الوظائف المتاحة. وفيما تكتسب هذه المبادرات الثقافية زخما واعترافا، من المرجح أن يرتفع الطلب على الأراضي والعقارات المجاورة لها، فيكون تأثيرها في القيم العقارية إيجابيا.

للفن والثقافة القدرة على جمع الناس، أي على تقوية التماسك الاجتماعي والروح الجماعية المشتركة. بتوفير مساحات للنشاطات الثقافية والمعارض الفنّية وعروض الأداء الحي والمهرجانات، تخلق المدن "الجديدة" فرصا للتفاعل والتحاور والتفاهم بين مجموعات متنوعة من الناس. وهذه الشمولية ترتقي بالاندماج الاجتماعي، وتكسر الحواجز، وتقوّي النسيج الاجتماعي لهذه المناطق الحضرية المتطورة.

Credits

    جمانة غوث

    قيمة ومستشارة فنية