بمناسبة يوم المرأة الإماراتية... مديرة دبي سفاري بارك منى الهاجري تروي لـ"هي" مسارها من القيادة إلى حماية الكوكب
في مسيرة المرأة الإماراتية، لم تعد الريادة مرتبطة بمجالات محددة، بل باتت تمتد إلى قطاعات أكثر تخصصاً وتأثيراً، من بينها حماية الحياة البرية والحفاظ على التنوع البيولوجي. ومن هذا الموقع، تقود منى الهاجري، مديرة دبي سفاري بارك، واحدة من أبرز الوجهات المعنية بالحياة البرية في دبي، برؤية تجمع بين الإدارة، والرعاية، والاستدامة، والتوعية المجتمعية.
وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية الذي تحتفل به الإمارات هذا العام تحت شعار "بنظهر الأقوى والأفضل"، تتحدث الهاجري لـ"هي" عن معنى أن تقود امرأة إماراتية مؤسسة وطنية بهذا الحجم، وعن حضور المرأة المتنامي في مجالات كانت تُعد في السابق غير تقليدية، والدروس التي منحتها إياها القيادة والأمومة، وصولاً إلى اللحظات التي تحوّل فيها النجاح المهني إلى إنجاز شخصي، مثل ولادة "سلام"، وحيد القرن الأبيض المهدد بالانقراض.
في حوار يتجاوز حدود الوظيفة، تكشف منى الهاجري عن رؤيتها للقيادة القائمة على الاستماع والتوازن والمسؤولية، وعن إيمانها بأن حماية الحياة البرية تبدأ من بناء وعي الإنسان نفسه، وأن الأثر الحقيقي يكمن بما نتركه للأجيال القادمة.

في يوم المرأة الإماراتية، ماذا يعني لكِ أن تكوني إماراتية تقود واحدة من أبرز الوجهات المعنية بالحياة البرية والحفاظ على التنوع البيولوجي في دبي والمنطقة؟
يؤكد إعلان سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك عن تمديد الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية إلى شهر كامل على التأثير الكبير والمستمر الذي تحدثه المرأة في وطننا. كما يجسد شعار هذا العام "بنظهر الأقوى والأفضل" القيم الأساسية التي نؤمن بها في دبي سفاري بارك. إذ لا يقتصر دورنا في قيادة هذه الوجهة البيئية العالمية على حماية الحياة البرية فحسب، بل يشمل أيضاً التوعية بأهمية الدفاع عن البيئة. وبصفتي امرأة إماراتية تقود مؤسسة وطنية، أرى أن من مسؤوليتي أيضاً إعداد جيل جديد من حماة الكوكب. فنحن لا نقدم تجارب مميزة للزوار فحسب، وإنما نبني كذلك عقول شباب المستقبل ليكونوا قادة من أصحاب الوعي والفكر. وأنا فخورة جداً بالمساهمة في إحداث تغييرٍ بيئيٍّ هادفٍ يبدأ من مجتمعنا المحلي ويمتد إلى الساحة العالمية، بما يدعم تحقيق رؤى دولة الإمارات الأوسع نطاقاً.
يشهد حضور المرأة الإماراتية توسعاً في مجالات كانت تُعتبر سابقاً غير تقليدية. هل شعرتِ خلال مسيرتك بأنك كنتِ تفتحين طريقاً جديداً لنساء أخريات في مجال الحياة البرية والبيئية؟
لم يكن هدفي الرئيسي في البداية إلهام غيري من النساء الإماراتيات للعمل في مجال حماية البيئة، لكن يسرني أن يكون هذا أحد أهم الإنجازات في مسيرتي المهنية. وباعتبارها وجهة سياحية رائدة في دولة الإمارات، توفر دبي سفاري بارك للإماراتيين بيئة مثالية للمساهمة في تعزيز ريادة الدولة المتنامية في مجال حماية الحياة البرية والبيئية.
وقد حظيت خلال مسيرتي بفرصة لقاء عدد من النساء الإماراتيات الملهمات اللواتي أسهمت إنجازاتهن في تشكيل طموحاتي وتطلعاتي. وقد أكدت لي هذه الأمثلة أهمية أن يرى الإنسان من يشاركه التجربة نفسها وهو يخوض تحديات جديدة، ويحدث التغيير الإيجابي في المجتمع. وأتمنى أن أكون بدوري قدوةً للجيل القادم من النساء الإماراتيات. فحماية الحياة البرية والتنوع البيولوجي بات أمراً بالغ الأهمية اليوم، ويسرني جداً أن أشجع المزيد من النساء على النظر إلى مجال حماية البيئة ليس كخيار مهني فحسب، بل كفرصة للمساهمة في عملٍ سيكون له تأثيره الدائم على بلدنا وكوكبنا.

ما الذي أضافته هويتك كامرأة إماراتية إلى أسلوبك في القيادة واتخاذ القرارات؟ وهل ترين أن هناك سمات خاصة تحملها المرأة إلى المواقع القيادية؟
لقد أثرت هويتي كامرأة إماراتية على أسلوبي في القيادة، لا سيما الأهمية التي أوليها للاستماع وتحقيق التوازن وتحمل المسؤولية والعمل التعاوني. فأنا أؤمن بأن القيادة تصبح أكثر فاعلية من خلال التعلم من الآخرين وتقبّل وجهات النظر المختلفة. وهذا أمر بالغ الأهمية في دبي سفاري بارك، حيث يتعين على فرقنا المتخصصة العمل معاً بنحو وثيق لرعاية أكثر من 3000 حيوان والحفاظ على أعلى معايير الرفق بالحيوان.
لذا أعتقد أن المرأة تضيف بُعداً مختلفاً للقيادة فعلاً، لما تملكه من صفات التعاطف والتوازن والاهتمام بالتفاصيل، مع الحرص على اتخاذ القرارات التي تحقق أفضل النتائج المرجوة.
تجمع إدارة دبي سفاري بارك بين القيادة والإدارة ورعاية الحيوانات والحفاظ على البيئة وتجربة الزوار. ما الجانب الأكثر تحدياً في هذا الدور، وما الجانب الأقرب إلى قلبك؟
تُشكّل حماية الحيوانات والتوعية والترفيه أساس عملنا في دبي سفاري بارك. ومن أهم مسؤولياتي في هذا المنصب إيجاد التوازن الأمثل بين تقديم تجربة قيّمة للزوار وضمان أعلى معايير رعاية الحيوانات. فرعاية الحيوانات تأتي دوماً في المقام الأول لدينا، وهو المبدأ الذي نعتمده في جميع قراراتنا.
كما أن التوعية والتثقيف أمر أساسي لتحقيق هذا التوازن. فمن خلال التجارب التي نوفرها للزوار والخبرات التي يقدمها المرشدون نمنح الضيوف فهماً أعمق بالحيوانات وموائلها وأهمية الحفاظ عليها، ما يعزز شعورهم بمسؤولية حمايتها وتقدير الحياة البرية، حينها أشعر أننا قد أحدثنا فرقاً حقيقياً وملموساً.

تحت قيادتك، عملت الحديقة على برامج لإكثار أنواع مهددة بالانقراض، إلى جانب مبادرات أخرى للحفاظ على الحياة البرية. أي إنجاز شعرتِ بأنه يتجاوز النجاح المهني ليصبح إنجازاً شخصياً بالنسبة لك؟
من اللحظات التي لا أنساها ولادة سلام، وحيد القرن الأبيض المُهدد بالانقراض. فقد أتى كبارقة أمل في فترة اتسمت بتحديات كثيرة، وقد شعر كل فرد في دبي سفاري بارك بالفخر بهذا الإنجاز. وقد كانت رؤيتي لهذا الأثر الذي أحدثه قدومه، واحتفاء الجميع به، من أكثر اللحظات المحببة إلى قلبي والتي أعتز بها كثيراً.
إن مشاهدة الولادات الناجحة لأنواع مُهددة بالانقراض تجربة مبهجة جداً، فهي تظهر التفاني الكبير لفرق رعاية الحيوانات، والأطباء البيطريين، وعلماء الحيوان، كما تبرز أهمية التعاون بين جميع العاملين في مجال الحفاظ على الحياة البرية. وهو ما يؤكد على أهمية الجهود التي نبذلها ودورها في حماية التنوع البيولوجي وضمان مستقبل أكثر استدامة لهذه الأنواع.
عندما نتحدث عن حماية الحياة البرية في الإمارات، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه دبي في هذا المجال على المستوى الإقليمي والعالمي؟
تحظى دبي بفرصة فريدة لترسيخ مكانتها كمنصة عالمية رائدة في دعم جهود حماية البرية من خلال الابتكار والشراكات والتوعية والتثقيف. ويتيح لنا التعاون الدولي تبادل المعرفة وتعزيز الخبرات والمساهمة في جهود الحماية الأوسع نطاقاً، مع مواصلة رفع معايير رعاية الحيوان وحماية التنوع البيولوجي. ومن خلال شراكاتنا مع منظمات دولية مثل الرابطة العالمية لحدائق الحيوان والأحواض المائية، التي تفخر دبي سفاري بارك بأنها جزء منها، يمكننا مواصلة التعلم من أفضل الممارسات العالمية وضمان أعلى معايير رعاية الحيوان.
كما يتيح لنا مجتمع دبي الدولي فرصة التواصل مع الناس من جميع أنحاء العالم، ما يمنحنا فرصة توعيتهم وتوضيح دور كل فرد منهم في حماية الحيوان والحياة البرية.
تمتد مبادراتك أيضاً إلى المجتمع، من خلال التعاون مع جهات تُعنى بالأطفال وأصحاب الهمم وكبار المواطنين. كيف يمكن للعلاقة مع الحيوان والطبيعة أن تسهم في بناء التعاطف والإحساس بالمسؤولية لدى الإنسان؟
تُعلمنا علاقتنا بالحيوان بعضاً من أهم القيم الجوهرية ألا وهي: الرحمة، والاحترام، والمسؤولية، وفهم احتياجات الكائنات الحية الأخرى.
وفي دبي سفاري بارك، تُسهم التوعية والتفاعل المباشر في جعل هذه العلاقة أكثر عمقاً ومعنى. فعندما يتعرف الناس إلى الحيوانات، وسلوكياتها الطبيعية، والتحديات التي تواجهها، يصبح الحفاظ على الحياة البرية أكثر معنى وواقعية. وأعتقد أن من مسؤوليتنا أن نساعد في تنمية هذا الشعور بالتعاطف، لا سيما بين الشباب. فمن خلال تشجيعهم على حب المعرفة واحترام الحياة البرية منذ الصغر، نستطيع أن نسهم في إعداد جيل من الداعمين لجهود الحفاظ على البيئة، ونصنع أثراً إيجابياً يمتد عبر الأجيال.
أنتِ لا تتركين هذا الشغف عند باب العمل، بل تشاركين أطفالك التطوع في مرافق وملاجئ الحيوانات. ما القيم التي تحرصين على أن يتعلمها أبناؤك من هذه التجارب؟ وهل غيّرت الأمومة نظرتك إلى مفهوم حماية الحياة للأجيال المقبلة؟
لقد جعلتني الأمومة أنظر إلى الاستدامة باعتبارها مسؤولية طويلة الأمد. ورسخت قناعتي بأن لكل منا دوراً في توفير بيئة صحية لأطفالنا والأجيال القادمة. وأريد لأطفالي أن يدركوا أن رعاية الحيوانات وحماية الطبيعة هي مسؤوليات مشتركة تقع على عاتق الجميع، وأن أبسط الخطوات يمكنها أن تُحدث فرقاً حقيقياً في هذا الإطار.
كما أن العمل التطوعي الذي نشارك فيه معاً هو وسيلة رائعة لغرس قيم التعاطف والاحترام والشعور بالمسؤولية تجاه الكائنات الحية الأخرى. وآمل أن تسهم هذه التجارب في تعزيز فضولهم تجاه الطبيعة وفهم أهمية حمايتها. فالقيم التي نغرسها في أطفالنا اليوم هي ما سيحدد طريقة اهتمامهم بالكوكب غداً.
تصفين رسالتك بأنها الاستمرار كسفيرة لرعاية الحيوان وإلهام الآخرين للاهتمام بالكوكب وكائناته. ما الأثر الذي تتمنين أن يبقى باسمك بعد سنوات من اليوم؟
أتمنى أن يذكرني الناس كشخص ساهم في تعزيز الروابط بين الإنسان والحيوان والطبيعة، وأسهم بنحو ملموس في جهود الحفاظ على الحياة البرية. أما الأثر الحقيقي بالنسبة لي فهو أن يتحول الوعي إلى فهم أعمق، ومسؤولية أكبر، وأن يترجم ذلك في نهاية المطاف إلى ممارسات وأفعال تسهم في إحداث تغيير إيجابي.
فإذا كان العمل الذي نقوم به في دبي سفاري بارك يُساعد الناس على فهم الحياة البرية بنحو أفضل، وتقدير أهمية التنوع البيولوجي، وإدراك دورنا جميعاً في حمايته، فإننا نُسهم بذلك في تحقيق ما هو أكبر وأسمى منا كأفراد.
أخيراً ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الجيل الجديد من الإماراتيات اللواتي يطمحن إلى دخول مجالات جديدة وصناعة مسارات مختلفة؟
أقول لكل شابة إماراتية ثقي بنفسك ولا تخشي الدخول في مسارات غير مألوفة، واستثمري بالمعرفة والشغف لتحقيق طموحاتك. فقيادتنا تؤمن بإمكاناتك، والمستقبل بحاجة إلى إسهاماتك الفريدة في أي مجال تختارين العمل فيه وتحقيق الأثر.
كما أشجع الشابات الإماراتيات على مواصلة التعلم وتطوير خبراتهن. فدخول مجال جديد لا يتطلب فضولاً والتزاماً وثقة بالنفس فحسب، بل يتطلب أيضاً امتلاك المعرفة. لذا لا تترددن في استكشاف مجالات جديدة، أو اختيار مسار لم يسبق لأحد السير فيه، فقد يكون هو البداية لتحقيق أعظم إنجازاتكن وإحداث الأثر الذي تطمحن إليه.