سوق الذهب والمجوهرات قبل العيد.. نصائح للادخار والشراء الذكي
يشهد سوق الذهب العالمي تقلبات حادة، منذ مطلع العام الجاري، حيث انخفضت الأسعار من مستويات قياسية. مع تأكيد خبراء المال والأعمال على نظرة مستقبلية إيجابية على المدى الطويل نتيجةً للتوترات الجيوسياسية المستمرة وعمليات شراء البنوك المركزية. وفي حين لا يزال الطلب الاستثماري على الذهب قويًا، فقد تسببت تقلبات الأسعار في انخفاض ملحوظ في استهلاك المجوهرات، لا سيما في الأسواق الرئيسية مثل الصين والهند لكنها النتعشت في أسواقنا العربية وخصوصًا في الخليج ومصر.
أسباب التقلبات باختصار وبساطة:

تعود هذه التقلبات الحادة في سوق الذهب العالمي خلال هذه الفترة إلى مزيج نادر من الصراع الجيوسياسي في مناطق الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا. بالإضافة إلى التوترات في السياسة النقدية، وعمليات البيع المكثفة المدفوعة بنقص السيولة.
حيث دفع الصراع في الشرق الأوسط المستمر منذ فبراير 2026، سعر الذهب في البداية إلى مستويات قياسية تجاوزت 5300-5600 دولار للأونصة. ومع ذلك، شهدت الأسعار منذ ذلك الحين تقلبات حادة مع موازنة المستثمرين بين الملاذ الآمن مقابل السيولة. وعلى الرغم من أن الذهب يُعتبر "ملاذًا آمنًا"، إلا أن الاضطرابات العالمية الكبرى غالبًا ما تجبر المستثمرين على بيع الذهب لتغطية خسائرهم في الأسواق الأخرى المنهارة مثل أسواق الأسهم، مما يؤدي إلى انخفاضات حادة ومفاجئة في الأسعار. كما أن بعض الدول اضطرت لبيع جزء من مدخراتها الذهبية تعويض الشلل الاقتصادي.
عوامل اقتصادية بحتة:

إن انتشار الشائعات حول محادثات السلام أدت إلى تلاشي "علاوة المخاطر الجيوسياسية" بسرعة، مما أدى إلى تراجعات قصيرة الأجل وارتفاع الأسعار مجددًا. هذا فضلا عن "صراع" الذهب مقابل الدولار، يرتبط الذهب تقليديًا بعلاقة عكسية مع الدولار الأمريكي. فخلال هذه الفترة حدث ضغط قوي على الدولار وأدت أسعار الطاقة المرتفعة، الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط، إلى تأجيج المخاوف من التضخم العالمي، مما دفع المستثمرين إلى البحث عن سيولة الدولار الأمريكي. كما أن ارتفاع قيمة الدولار يجعل الذهب أكثر تكلفة للمشترين الدوليين، مما يقلل الطلب عليه.

علاوة على ذلك فإن التدخلات الخاطئة مثل عدم اليقين بشأن أسعار الفائدة أدى إلى تتذبذب الأسواق بناءً على تصريحات البنوك المركزية. ومن المعروف أن ارتفاع أسعار الفائدة لفترة طويلة يزيد من "تكلفة الفرصة البديلة" لحيازة الذهب (الذي لا يدرّ فائدة)، بينما تؤدي الآمال في خفض أسعار الفائدة إلى ارتفاعات سريعة لكن مؤقتة غالبا ما تنتهي بانهيارات وخسائر. ثم لتعمل البنوك المركزية كحصن ومانع من انهيار تام رغم التقلبات. وخلال الربع الأول من عام 2026، أنفقت البنوك المركزية مبلغًا قياسيًا قدره 37 مليار دولار على الذهب. ولم تعد الحكومات والدول مجرد حائزة سلبية للذهب؛ بل تستخدمه بنشاط كأداة للبقاء النقدي لتنويع محفظتها بعيدًا عن الدولار وسط مخاوف من العقوبات الأمريكية والديون المستحقة.
ثم بعد أن ارتفع سعر الذهب بأكثر من 30% في شهر واحد في أوائل عام 2026، باع العديد من المستثمرين الكبار لـ"تأمين" أرباحهم، مما خلق ضغطًا هبوطيًا مؤقتًا. كما أدت التغييرات في متطلبات الهامش في البورصات الرئيسية إلى زيادة تكلفة احتفاظ المضاربين بمراكز الذهب، مما أجبر البعض على الخروج من السوق وزاد من التقلبات.
التوقعات:

يُبقي المحللون على نظرة إيجابية لعام 2026، مع بعض التوقعات التي تشير إلى أن الذهب قد يتحرك نحو تحوّل هيكلي في السوق. حيث يشهد سوق الذهب تباينًا بين حجم الطلب وقيمته؛ فبينما يظل الطلب على الكمية ضعيفًا، بلغت القيمة الإجمالية للطلب مستوى قياسيًا. كما أدت الأسعار المرتفعة والمتقلبة إلى انخفاض حاد في طلب المستهلكين. وانخفض استهلاك المجوهرات الذهبية عالميًا بشكل كبير في الربع الأول من عام 2026، مع انخفاضات ملحوظة في الهند والصين - أكبر أسواق العالم - حيث يؤجل المتسوقون عمليات الشراء. ويشير خبراء الاقتصاد إلى أنه على الرغم من أن الذهب لا يزال ملاذًا آمنًا قويًا في عام 2026، إلا أن الأسعار القياسية الحالية المرتفعة تتطلب نهجًا أكثر استراتيجية للشراء.
أهم النصائح للتعامل مع سوق الذهب حاليًا:

بدلًا من القيام بعملية شراء كبيرة لمرة واحدة عند ذروة السوق المحتملة، يوصي خبراء البورصة بشراء كميات صغيرة على فترات منتظمة لتوزيع متوسط سعر الشراء خلال تقلبات السوق العالية. كما ينصح خبراء المال والأمال بتقليل حصص المحفظة الاستثمارية وأن يكون الذهب عنصر استقرار، وليس استراتيجية الاستثمارية كاملة. كذلك ينصح المتخصصون الماليون بإبقاء نسبة الذهب بين 5% و10% (وبحد أقصى 15%) من إجمالي محفظتك الاستثمارية.
كذلك يجب التمييز بين نمط الحياة والاستثمار وينصح الخبراء بالنظر إلى المجوهرات كأصل طويل الأجل للارتداء والتراث، بينما يُنصح باستخدام السبائك والعملات لحفظ الثروة. مع إعطاء الأولوية للذهب عالي النقاء عند الشراء بهدف الحفاظ على قيمتها. ويجب اختيار الذهب عيار 18 أو 21 لأن هذين العيارين يوفران أفضل توازن بين المتانة للاستخدام اليومي ومحتوى الذهب العالي للحفاظ على قيمة إعادة البيع. ويجب تجنب العيارات الأقل إذا كان هدفك هو الحفاظ على قيمة المجوهرات على المدى الطويل. ولتحقيق أقصى قيمة للذهب، ينصح الخبراء باختيار تصاميم بسيطة وخالدة بدلًا من التصاميم المعقدة والعصرية التي تتطلب تكاليف "تصنيع" باهظة قد تصل إلى 20 و30%.
وقبل الشراء، تأكدي من شروط إعادة الشراء المكتوبة لدى البائع. فغالبًا ما يقدم البائعون الموثوقون أسعارًا أفضل إذا قمت بإعادة السلعة إليهم مع شهادتها الأصلية.
لا أرباح سهلة

في عالم الادخار والاستثمار في الذهب يجب التركيز على أفق زمني متعدد السنوات. حيث يُعتبر الذهب استثمارًا "ضعيفًا" على المدى القصير نظرًا لتقلباته. ويؤكد الخبراء أنه لا ينبغي شراء الذهب إلا إذا كنت تخططين للاحتفاظ به لعدة سنوات لتجاوز دورات السوق. وعند ادخار الذهب لمناسبة طويلة الأمد يجب اختيار برامج ادخار مناسب. فالمجوهرات باعتبارها محفظة استثمار، يقدم العديد من تجارها خطط تقسيط شهرية مصممة للمساعدة على اقتناء قطعة أو وزن محدد من المجوهرات على مدى 10-12 شهرًا. حيث تدفعين مبلغًا شهريًا ثابتًا (مثلاً 100 دولار). ثم في نهاية المدة، غالبًا ما يقدم التاجر قسطًا واحدًا كمكافأة أو خصمًا على رسوم التصنيع.
أيضًا سندات الذهب السيادية هي الأفضل للتقاعد أو التعليم. وتصدرها الحكومات عادة. وهي عبارة عن "ذهب ورقي"، وتُعتبر من أكثر الطرق فعالية للادخار لمناسبة ما بعد 5-8 سنوات. حيث نحصل على فائدة سنوية قدرها 2.5% على الاستثمار الأولي، تُدفع مرتين في السنة، مع إضافة ارتفاع سعر الذهب إذا ما وقع ارتفاع في السوق خلال هذه السنة. وميزة هذا الاستثمار أن الأرباح الرأسمالية عادةً ما تكون معفاة من الضرائب. كما أنه لا توجد مخاطر أو تكاليف تخزين، حيث يتم الاحتفاظ بالذهب في حساب بنكي رقمي.
احذري الذهب الرقمي

تتيح بعض المنصات الالكترونية أو تطبيقات الهاتف المحمول شراء ذهب عيار 24 بكميات صغيرة والمضاربة فيها. ولأننا لا نعرف أحدًا استفاد من هذا الاستثمار أو الادخار، فننصح بالابتعاد عنه لأن ضحاياه أكثر بكثير من مستفيده بسبب المخاطر العالية فيه.
الصور من shutterstock