"هي" تحاور خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي هيا البيطار: الحضور الواعي للقادة يصنع الفارق في الأزمات

"هي" تحاور خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي هيا البيطار: الحضور الواعي للقادة يصنع الفارق في الأزمات

جويل تامر

في فترات التوتر الإقليمي، لا تتأثر الأسواق والخطط الاستراتيجية فحسب، بل تتأثر أعصاب الناس أيضًا. يأتي الموظفون إلى أعمالهم وهم يحملون قلقًا صامتًا، وتشتتًا، وترقّبًا دائمًا. قد لا يُقال ذلك بصوت عالٍ، لكنه ينعكس في مستوى التركيز، وسرعة الانفعال، والطاقة اليومية. هنا، لا تكفي السياسات الداعمة وحدها. ما يصنع الفارق الحقيقي هو حضور القيادة.

هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي، ومدرّبة علم الوجود (الأنطولوجيا)، والمعالجة بالفن المقيمة في دبي، تشارك قرّاء "هي" إرشادات عملية ومتزنة لدعم الرفاه العاطفي خلال الفترات الصعبة، لا سيما لدى الموظفين والقادة على حدّ سواء.

 هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي


القيادة ليست ما تفعله فقط… بل كيف تكون
القائد لا يحدّد الاتجاه الاستراتيجي فحسب، بل يحدّد أيضًا المناخ العام من خلال الطريقة التي يحضر بها أمام فريقه. قبل أن يستوعب الفريق مضمون أي رسالة، يشعر بالحالة التي ينقلها من يقف أمامه. وفي أوقات التوتر، تدور داخل كل موظف أسئلة غير معلنة: هل الوضع مستقر؟ هل هناك وضوح في الرؤية؟ هل ينبغي أن أقلق؟ هل هناك من يمسك بزمام الأمور؟
الإجابات لا تأتي من الكلمات وحدها، بل من الإحساس الذي يخلقه القائد.


ثلاثة عناصر تصنع المناخ
1. اللغة: كيف نصوغ القصة

الكلمات إمّا أن تضخّم القلق، أو أن تحتويه. الخطاب المتزن والواضح، البعيد عن التهويل، يساعد الفريق على رؤية الأمور بحجمها الحقيقي. بدل التركيز على الغموض، يمكن التأكيد على ما هو ثابت ومفهوم. الفارق قد يبدو بسيطًا في الصياغة، لكنه كبير في الأثر.


2. الحالة العاطفية: قبل أن نطمئن الآخرين
المشاعر تنتقل بسرعة، لا سيما من القائد إلى فريقه. إذا كان القائد متوترًا أو مستعجلًا، تنتقل هذه الحالة فورًا. أما إذا كان هادئًا ومتزنًا وواضحًا، فإنه يخلق شعورًا فوريًا بالاستقرار. هذا لا يعني تجاهل الواقع، بل يعني تنظيم الحالة الداخلية أولًا.
التوقف قبل الرد، اختيار الكلمات بعناية، وعدم نقل القلق كما هو، ممارسات بسيطة لكنها مؤثرة. غالبًا ما يبدأ رفاه الفريق من اتزان قائده.

3. الجسد: الرسالة غير المنطوقة
طريقة الوقوف، نبرة الصوت، سرعة الكلام، وحتى إيقاع التنفّس — كلها إشارات يلتقطها الفريق فورًا.
التنفس السريع، التصلّب، أو الحركة المتوترة توحي بعدم الاستقرار.
أما الإيقاع الهادئ، والتوقف المقصود، ونبرة الصوت المتزنة، فتبث شعورًا بالأمان.
الجسد المنظّم يساهم في خلق بيئة أكثر انتظامًا.

كيف تصبح المؤسسة مساحة احتواء؟
عندما تبدو الظروف الخارجية غير مستقرة، تحتاج الفرق إلى مساحة داخلية أكثر ثباتًا. يمكن تحقيق ذلك عبر خطوات عملية، منها:
-بدء الاجتماعات بوضوح في الرسائل والأولويات
-الحفاظ على الروتين قدر الإمكان
-تقليل القرارات الارتجالية
-تجنّب خلق استعجال غير ضروري
-فتح مساحة لحوار مسؤول وهادئ
-الاحتواء لا يعني السيطرة، بل القدرة على امتصاص الضغط دون تمريره إلى الآخرين.

وقفة قصيرة قبل كل اجتماع
في أوقات التوتر، السؤال ليس فقط: ماذا سنفعل؟ بل أيضًا: كيف سأدخل هذا الاجتماع؟ قبل أي لقاء، يمكن للقائد أن:
يسأل نفسه: ما الحالة التي أحملها الآن؟
يأخذ ثلاث أنفاس عميقة لتنظيم جسده
يحدد نية واضحة لحضوره: ثبات؟ وضوح؟ طمأنينة؟
هذا التحوّل البسيط في الوعي يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في التأثير.

ختامًا،  أوقات التوتر لا تصنع القادة بقدر ما تكشفهم. القيادة لا تُقاس بالقرارات وحدها، بل بالشعور الذي تتركه في الناس.
وفي بيئات مضطربة، قد لا يكون أكثر ما يحتاجه الفريق خطة جديدة… بل قائدًا حاضرًا باتزان. رفاه المؤسسة يبدأ غالبًا من هناك.