المرأة القيادية

ذكاء الرفاهية: كيف توازن المرأة القيادية بين طموحاتها وسلامها الداخلي؟

عبد الرحمن الحاج

كونكِ قائدة يعني التعامل مع ضعف أو حتى ثلاثة أضعاف عبء العمل، ناهيكِ عن العبء الذي يبدأ بعد ترك العمل المكتبي، فعليكِ تحمل العديد من العقبات الخارجية (مثل فخّ التحيز الجنسي أو التحيزات الجندرية) والداخلية (مثل التقليل من شأن نفسكِ أو متلازمة المحتال) التي تمنعكِ من الوصول إلى موقع قيادي مؤثر وقيادة فريقكِ أو شركتكِ.

وعلى الرغم من أن بعض الأبحاث تؤكد فعالية القائدات، أو تفوقهن على القادة الذكور في 17 من أصل 19 مهارة، إلا أن عدد النساء في المناصب القيادية لا ينمو أو ينمو ببطء، وقد يُسبب هذا ضغطًا إضافيًا، لعدم وجود نماذج يحتذى بها في الفريق أو الشركة.

المرأة القيادية
المرأة القيادية

ومع ذلك، تستطيع النساء أن يكنّ قائدات متميزات، ولو فقط لأنهن يجمعن بين صفتين أساسيتين لأي قائد عصري: الحزم والتعاطف، ويمكن تطوير هذه الصفات من خلال برامج تدريبية، بالتعاون مع مدربين وموجهين، أو بشكل مستقل.

وترصد السطور التالية؛ كيف يمكن للقائدات تعزيز هذه الصفات، وكيفية إيجاد التوازن الأمثل بين القيادة الحازمة والقيادة المتعاطفة، وكيف تحقق المرأة القيادية التوازن بين طموحاتها وسلامها الداخلي:

كيف توازن المرأة القيادية بين طموحاتها وسلامها الداخلي؟

في عالم العمل المتطلب اليوم، تجد العديد من القيادات النسائية أنفسهن يسعين جاهدات لتحقيق التميز في كل المجالات، في العمل، وفي المنزل، وفي مجتمعاتهن، ومع ذلك، ومع تزايد المسؤوليات، يصبح السعي لتحقيق التوازن بين العمل والحياة ليس مجرد طموح، بل ضرورة، فالتوازن الحقيقي لا يعني القيام بكل شيء في وقت واحد، بل يعني القيام بما هو أهم بهدوء ووضوح وثقة.

كيف توازن المرأة القيادية بين طموحاتها وسلامها الداخلي؟
كيف توازن المرأة القيادية بين طموحاتها وسلامها الداخلي؟

وبالنسبة للنساء في المناصب القيادية، فإنّ التحديات كبيرة، ويُتوقع منهنّ غالبًا تحقيق النتائج، وتوجيه الآخرين، والحفاظ على معنويات الفريق، والتعامل مع ديناميكيات المؤسسة المعقدة، وفي الوقت نفسه، يتحملنّ مسؤوليات غير مرئية، بدءًا من إدارة الجهد العاطفي وصولًا إلى الموازنة بين متطلبات الأسرة، وبدون وضع حدود واضحة وضبط النفس، قد يؤدي هذا الجهد المتواصل إلى تدهور الصحة النفسية وفعالية القيادة.

أما الخبر السار؟ تُظهر الأبحاث أن النساء اللواتي يُنمّين مهارات القيادة مع تحقيق التوازن بين العمل والحياة لا يُحسّنّ فقط من رضاهنّ الشخصي، بل يُحسّن أيضًا من أداء فريقهنّ، ومشاركتهنّ، وثقتهنّ، وفيما يلي إليكم كيف تحقق المرأة القيادية التوازن بين طموحاتها وسلامها الداخلي:

  • إعادة النظر في مفهوم التوازن: معناه الحقيقي بالنسبة للقائدات

يتصور العديد من المهنيين التوازن بين العمل والحياة على أنه حالة توازن مثالية، حيث يُقسّم الوقت بالتساوي بين الحياة المهنية والشخصية، لكن بالنسبة للقائدات، وخاصة القائدات، نادرًا ما يكون هذا المثال قابلاً للتحقيق.

وبدلاً من ذلك، ينبغي النظر إلى التوازن على أنه انسجام، وتناغم بين قيم الفرد وأولوياته وطاقته.

مهارات القيادة مع تحقيق التوازن بين العمل والحياة
مهارات القيادة مع تحقيق التوازن بين العمل والحياة
  • التنظيم العاطفي: الثبات في ظل التوقعات العالية

غالباً ما تتحمل القيادات النسائية عبئاً عاطفياً أكبر من نظرائهن من الرجال، ويُتوقع منهن إدارة ضغوطهن الشخصية مع دعم أعضاء الفريق، وحل النزاعات، والحفاظ على الروح المعنوية.

وتُشير الأبحاث التي أجرتها الدكتورة أليسيا غراندي (جامعة ولاية بنسلفانيا، ٢٠٢٠) إلى أن النساء في المناصب القيادية يبذلن جهداً عاطفياً أكبر بكثير، أي جهد إدارة المشاعر لتلبية توقعات المؤسسة، مقارنةً بالرجال، ومع ذلك يحصلن على تقدير رسمي أو سلطة أقل.

وقد يؤدي هذا الخلل إلى "الإرهاق العاطفي"، وهو مؤشر رئيسي على الاحتراق الوظيفي، ومع ذلك، يتمتع القادة الذين يمارسون ضبط النفس العاطفي، أي القدرة على إدارة ردود أفعالهم العاطفية، بقدرة أفضل على اتخاذ القرارات ومرونة أكبر.

وفي دراسة نُشرت عام ٢٠٢٢ في مجلة علم النفس الصحي المهني، أفاد القادة الذين مارسوا استراتيجيات قصيرة لضبط النفس (مثل التنفس العميق أو تسمية المشاعر) بانخفاض الإرهاق العاطفي لديهم بنسبة ٢٥٪ خلال ثمانية أسابيع.

الثبات في ظل التوقعات العالية
الثبات في ظل التوقعات العالية
  • القيادة الهادئة: إعادة تعريف القوة من خلال الحضور

غالبًا ما تُكافئ نماذج القيادة التقليدية الحزم والإنتاجية على حساب الحضور والتعاطف، ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة أن القادة الهادئين ذوي الذكاء العاطفي يُنشئون بيئات عمل أقوى وأكثر أمانًا نفسيًا.

ووفقًا لدراسة نُشرت عام ٢٠٢٣ في مجلة "فرونتيرز إن سايكولوجي"، فإن القادة الهادئين، الذين يحافظون على رباطة جأشهم تحت الضغط، يُحسّنون إبداع الفريق وأداءه بنسبة تصل إلى ٢٧٪؛ والسبب؟ يُشير السلوك الهادئ إلى الأمان، مما يسمح للآخرين بالتفكير بانفتاح والتعاون بفعالية أكبر.

وهناك طرق عملية للقيادة بهدوء، على سبيل المثال ابدئي الاجتماعات بوقفة قصيرة أو أخذ نفس عميق للتركيز، واستخدمي لغة تُركز على الوضوح: "دعونا نركز على ما يُمكننا التحكم فيه اليوم"، كما يجب الحفاظ على طاقتك من خلال تخصيص وقت للراحة بين الاجتماعات المهمة.

إعادة تعريف القوة من خلال الحضور
إعادة تعريف القوة من خلال الحضور
  • الذكاء العاطفي: مفتاح النجاح المستدام

يُعدّ الذكاء العاطفي، أي القدرة على فهم وإدارة المشاعر لدى الذات والآخرين، من أقوى مؤشرات القيادة الفعّالة، ووفقًا لإطار دانيال جولمان، يتألف الذكاء العاطفي من خمسة أبعاد: الوعي الذاتي، والتنظيم الذاتي، والتحفيز، والتعاطف، والمهارات الاجتماعية.

وغالبًا ما تتفوق القيادات النسائية في التعاطف والوعي الاجتماعي، وهما عنصران أساسيان في التوجيه والحفاظ على معنويات الفريق، إلا أن التحدي يكمن في الإفراط في استخدام هذه القدرات دون ضوابط.

كشفت دراسة تحليلية شاملة نُشرت في مجلة "Leadership Quarterly" (٢٠٢٠) أن القادة ذوي الذكاء العاطفي العالي لديهم معدلات دوران وظيفي أقل بنسبة ٢٠٪ ومستويات مشاركة أعلى، لكن أولئك الذين يبالغون في الاهتمام بالجانب العاطفي كانوا أكثر عرضة للإرهاق.