العيش بمستويات منخفضة من الدوبامين: هكذا يسعى جيل زد لتحقيق هدوءهم النفسي
كثر الحديث في الفترة الأخيرة، عن الدوبامين والحاجة الضرورية لخفض ارتفاعه أو ضبطه؛ كون ارتفاع الدوبامين قد تكون له تداعياتٌ سلبية على الصحة.
وللعلم؛ الدوبامين هو الناقل العصبي الذي يُشغّل نظام المكافأة في الدماغ ويؤثر في الحركة، التحفيز، المزاج، الانتباه، والقدرة على الشعور بالمتعة. إنه المادة الكيميائية التي تجعلنا نبحث عن الأشياء التي تمنحنا شعورًا جيدًا، من إنجاز مهمة إلى تناول وجبة لذيذة.
في العصر الحديث الذي نعيشهُ، نشهد ارتفاع الدوبامين الذي لم يعد مرتبطًا فقط بالمواد الكيميائية أو الأمراض العصبية، بل أصبح نتاجًا مباشرًا لبيئةٍ رقمية مُصمّمة لجذب انتباه الإنسان بكافة السُبل. وتشير المصادر الحديثة إلى أن التكنولوجيا، خصوصًا الهواتف الذكية والمنصات الاجتماعية، تخلق نمطًا من التحفيز الدوباميني السريع والمتكرر، يشبه آليات الإدمان التقليدي، ما يؤثر بعمق على التركيز، النوم، والسلوك.
أكثر ضحايا هذا الارتفاع السلبي، هم جيل زد (وبعدهم جيل ألفا). يعاني جيل زد من ارتفاع الدوبامين، لأن بيئته الرقمية صُمّمت لتُبقي دماغه في حالة تحفيزٍ مستمر؛ منصات التواصل، المحتوى السريع، الإشعارات، والتسوق الوهمي، كلها تخلق ارتفاعاتٍ متكررة في الدوبامين تفوق قدرة الدماغ على التنظيم، ما يؤدي إلى إرهاقٍ عصبي ونفسي واضح.
لهذا يسعى هذا الجيل لتحقيق ما بات يُعرف ب "العيش بمستويات منخفضة من الدوبامين"، يُساعده على استعادة القليل من حياته الطبيعية ببطئها وهدوئها؛ وهو ما تُحدَثنا عنه الدكتورة جين هالسال، أخصائية علم النفس الاستشاري المعتمدة في عيادة كورنستون دبي في هذه المقابلة.

دكتورة جين؛ ما الذي يعنيه "العيش بمستويات منخفضة من الدوبامين" فعليًا بالنسبة للروتين اليومي لجيل زد؟
لا يعني العيش بمستوياتٍ منخفضة من الدوبامين، التخلص من الدوبامين، على عكس ما يُصوَّر غالبًا على الإنترنت. فالدوبامين ناقل عصبي صحي وأساسي، يُشارك في التحفيز، التعلَم والمكافأة.
ما يشير إليه جيل زد غالبًا هو تقليل التحفيز المستمر عالي الكثافة، أي التصفح اللامتناهي، الإشعارات، مقاطع الفيديو القصيرة، دورات المكافأة السريعة، وإتاحة مساحةٍ أكبر لتجارب أبطأ وأكثر ثباتًا. عمليًا، قد يشمل ذلك بدء اليوم دون التسرع في استخدام الهاتف، المشي بدون سماعات، القراءة، الطبخ، كتابة اليوميات، ممارسة الرياضة، أو الانخراط في هواياتٍ تتطلب تركيزًا مستمرًا.
لماذا برأيكِ، ينجذب جيل زد إلى عاداتٍ منخفضة الدوبامين أكثر من الأجيال السابقة؟
نشأ جيل زد في بيئةٍ من التحفيز الرقمي غير المسبوق. وعلى عكس الأجيال السابقة، لم يختبر الكثيرون فترة المراهقة بدون الهواتف الذكية، وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الذي تتنافس عليه الخوارزميات باستمرار. إنهم يدركون تمامًا التكلفة العاطفية للاتصال الدائم؛ ويشعر الكثير منهم بالإرهاق الذهني على الرغم من انخراطهم الرقمي طوال اليوم، وهو ما ساهم على الأرجح في تزايد رغبتهم في مساحةٍ نفسية وهدوءٍ ذهني.
هل يُعدّ نمط الحياة منخفض الدوبامين مجرد موضة، أم آلية للتأقلم، أم تحولًا طويل الأمد في نمط الحياة؟
قد يكون مزيجًا من الثلاثة، وغالبًا ما تنشأ اتجاهات الصحة النفسية حول احتياجاتٍ نفسية حقيقية.
في البداية، قد يتعامل البعض معها على أنها موضة رائجة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن وراء ذلك يكمن شيءٌ أعمق: يبحث العديد من الشباب عن طرقٍ لاستعادة الشعور بالسيطرة على الانتباه، الطاقة والرفاهية العاطفية.
أعتقدُ أن المصطلحات قد تتطور، لكن الرغبة في علاقاتٍ صحية مع التكنولوجيا ستبقى قائمة.

هل يمكن لعاداتٍ منخفضة الدوبامين أن تُساعد جيل زد على كسر دوامات إدمان الهاتف والإفراط في التحفيز؟
ربما نعم، مع أنني أتجنبُ وصفه بـ"الإدمان" في كل الأحوال. صُممت الهواتف لجذب الانتباه، والمكافآت المتقطعة للإشعارات والمحتوى اللامتناهي تخلق حلقاتٍ سلوكية قوية. يمكن للتغييرات الصغيرة المقصودة، مثل إزالة الإشعارات، أو تخصيص فتراتٍ خالية من الشاشة، أو إدخال أنشطة أكثر فائدة خارج الإنترنت، أن تساعد في كسر الأنماط التلقائية وإعادة بناء الانتباه بمرور الوقت.
كيف يؤثر تقليل ارتفاع الدوبامين على القلق، التركيز والاستقرار العاطفي؟
يصف الكثير من الناس شعورهم بالهدوء عند تقليل التحفيز المستمر. لم تُصمم أدمغتنا وأجهزتنا العصبية للتعامل مع المعلومات الجديدة والمتواصلة. عندما يكون هناك تدفقٌ مستمر من التنبيهات، الأخبار والمحتوى، يتشتت الانتباه؛ وقد تُستنزف الموارد العاطفية.
قد يؤدي تقليل التحفيز إلى صفاءٍ ذهني أكبر، تحسين التركيز، وتقليل الشعور بالإرهاق العاطفي. ومع ذلك، من المهم عدم تقديم هذا كحلٍ سحري، خاصةً عندما يكون القلق ذا أهمية سريرية أكبر.
هل يمكن أن تساعد أنماط الحياة منخفضة الدوبامين جيل زد على إدارة التعب الناتج عن الأزمات والإرهاق من تصفح الأخبار السلبية؟
نعم. لقد نشأ العديد من الشباب في ظل حالة من عدم اليقين العالمي: الأوبئة، الضغوط الاقتصادية، المخاوف المناخية، والصراعات المستمرة. وغالبًا ما يتطور تصفَح الأخبار السلبية لأن الدماغ يعتقد خطأً أن المزيد من المعلومات سيخلق المزيد من السيطرة.
في الواقع، يمكن أن يؤدي التعرض المفرط إلى زيادة اليقظة المفرطة والإرهاق العاطفي. لذا فإن وضع حدودٍ حول استهلاك الأخبار، وبناء أنماط حياةٍ مريحة، يمكن أن يدعم تنظيم الجهاز العصبي.
هل يُحسّن نمط الحياة منخفض الدوبامين الانضباط الذاتي، أم يُخاطر بأن يصبح ضغطًا آخر؟
هنا تكمن أهمية التوازن. يمكن أن تُعزز أنماط الحياة الصحية التنظيم الذاتي، ولكن هناك خطر تحويل ممارسة أخرى للرفاهية إلى مقياس أداءٍ صارم.
أرى بشكلٍ متزايد الشباب يشعرون بالضغط لتحسين كل جانب من جوانب حياتهم من نومهم، إنتاجيتهم، ممارسة الرياضة، وحتى الراحة نفسها. إذا أصبح نمط الحياة منخفض الدوبامين معيارًا آخر يشعرُ الناس بأنهم عاجزون عن تحقيقه، فإنه يُخاطر بإحداث تأثيرٍ معاكس.

ما هي العادات التي تتوافق بشكلٍ طبيعي مع نمط الحياة منخفض الدوبامين لدى جيل زد؟
تميلُ العادات الأكثر استدامة إلى أن تكون بسيطة بشكلٍ مُدهش: روتين نوم منتظم، نشاط بدني، قضاء بعض الوقت في الهواء الطلق، هوايات إبداعية، علاقات وجهاً لوجه، وأنشطة تتطلب التواجد الذهني بدلاً من الاستهلاك السلبي.
يبدو أن التمارين الرياضية مفيدةٌ بشكلٍ خاص؛ كونها تدعم تنظيم المزاج وتقليل التوتر مع تحسين الانتباه والمرونة العاطفية.
كيف يؤثر نمط الحياة منخفض الدوبامين على علاقة جيل زد بالإنتاجية والراحة؟
يتساءلُ العديد من الشباب عن ضرورة أن تكون كل لحظة مثمرة؛ إذ يبدو أن هناك إدراكًا متزايدًا بأن الراحة ليست كسلًا، بل هي ضرورة نفسية. قد تساعد أنماط الحياة منخفضة الدوبامين على تحويل الناس من الإنتاج المستمر إلى إيقاعاتٍ أكثر وعيًا، حيث يتعايش التركيز والراحة بدلًا من أن يكونا متناقضين.
هل يتبنى جيل زد عاداتٍ منخفضة الدوبامين للشعور بالمزيد من الاستقرار، أم للهروب من فرط التحفيز؟
ربما كلاهما. أظن أن الكثيرين يحاولون خلق استقرارٍ نفسي في عالمٍ غالبًا ما يكون شديد التحفيز ومُرهقًا عاطفيًا. قد لا يتعلق الأمر بالهروب من الحياة، بقدر ما يتعلق بتقليل الضوضاء الذهنية التي تمنع الناس من الشعور بالحضور فيها.

هل سيصبح نمط الحياة منخفض الدوبامين حركةً صحية سائدة لجيل زد؟
أعتقد أننا سنشهد على الأرجح، نقاشاتٍ متزايدة حول الحدود الرقمية، الانتباه والصحة النفسية. إن مدى شيوع عبارة "العيش بمستوياتٍ منخفضة من الدوبامين" أقل أهمية مما تُمثَله: تحوَل ثقافي أوسع نحو حماية الصحة النفسية. ويكمن التحدي في ضمان استنادها إلى أدلةٍ علمية بدلاً من أن تصبح معياراً مثالياً آخر لنمط الحياة.