هل انخفضت وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية في الإمارات؟ خبيرة تجيب عبر "هي"
كلَ من كان يعاني من مشكلاتٍ نفسية معينة، ضئيلة كانت أم جسيمة، لم يكن يجرؤ في السابق على البوح بها.
لماذا؟ لأن التعب النفسي غالبًا ما كان يُربط بالجنون؛ فكل شخص لدية مشكلة نفسية معينة، هو بالتأكيد مجنون، كما كان يفكر كثيرون سابقًا. لهذا لم تكن زيارة الطبيب النفسي بالأمر المُستحب، خاصةً في المجتمعات التقليدية والمحافظة. ما جعل كثيرين يعانون من تداعيات الصحة النفسية السيئة، ويكبتون ما يشعرون به، إلى أن يتراكم ويُهدد حياتهم الصحية والنفسية.
أما اليوم، والحمدلله؛ فقد ازداد الوعي بالصحة النفسية وأهمية الاعتناء بها. ولم تعد وصمة العار الخاصة بالأمراض النفسية بذات القدر السيئ كما في السابق؛ هي ما زالت موجودة بالتأكيد، لكنها تغيّرت في الشكل، العمق والسياق. وفي دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، بات ثقل العبء النفسي أقل وطأةً على المرضى ومحيطهم، بعدما أصبحت واحدةً من أكثر القطاعات تطوَرًا في المنطقة، مدعومةً بسياسات حكومية واضحة، بنية خدمات متقدمة، وتحوّل ثقافي حقيقي في نظرة المجتمع للاضطرابات النفسية.
تُعتبر الصحة النفسية الإمارات في 2026 أولويةً وطنية وليست مجرد خدمة علاجية. وقد أطلقت الدولة استراتيجيات، أنشأت عيادات متخصصة، فعّلت خطوط دعمٍ مجانية، ودمجت الصحة النفسية في المدارس، أماكن العمل، والمجتمع. ولكن ورغم هذا التقدم، ما زالت الوصمة، التكلفة، والخصوصية تُشكَل عوائق أمام طلب العلاج.

وهو ما يطرح السؤال المهم: هل انخفضت وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية في الإمارات؟ هذا ما تُجيبنا عليه ريتا فيغيريدو، أخصائية علم النفس السريري في Peninsula Psychology (مركز متخصص في علم النفس والاستشارات للبالغين والأزواج) في مقالة اليوم.
وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية في الإمارات
هناك أسبابٌ وجيهة تدعو للتفاؤل بشأن طريقة مناقشة الصحة النفسية في الإمارات العربية المتحدة اليوم. فالناس يمتلكون لغةً أكثر تنوعًا لوصف ما يمرون به، ويُذكر العلاج النفسي بحرية أكبر، فيما يبدو أن الأجيال الشابة تشعرُ بالراحة أكثر عند الحديث عن القلق، الصدمات النفسية والإرهاق. كما تُشجع أماكن العمل على تعزيز الصحة النفسية، وتُناقش المدارس الصحة النفسية للأطفال؛ وقد عزَزت الدولة حماية الأشخاص الذين يتلقون الرعاية النفسية.
فاللغة تساعد الناس على إدراك معاناتهم، والاعتراف العام يجعل طلب المساعدة أمرًا ممكنًا.
تقول فيغيريدو: "أجدُ صعوبة في القول إن الوصمة الاجتماعية تتلاشى ببساطة، لأن هذا الوصف يوحي بأن المجتمع بأكمله يسيرُ في اتجاهٍ واحد وبوتيرة واحدة. لكن الواقع الذي أواجههُ في العمل السريري يبدو أكثر تعقيدًا وأكثر إنسانية؛ فقد يُخبر أحدهم أصدقاءه بأنه يتلقى علاجًا نفسيًا ويُخفيه عن والديه، أو يُشجع زميلًا على طلب المساعدة ويخشى الكشف عن تشخيصه لمديره، أو يتحدثُ بصراحة عن قلقه ويخشى أن يتفاعل شريك حياته المستقبلي بشكلٍ مختلف مع تاريخه المرضي بالاكتئاب. إن الوصمة الاجتماعية حاضرةٌ في هذه القرارات وفي الخوف من أن طلب المساعدة قد يُغيَر نظرة الآخرين إلى كفاءته أو إيمانه أو مدى ملاءمته للزواج."

وتُضيف دولة الإمارات العربية المتحدة تعقيدًا خاصًا للمسألة، نظرًا لتنقَل الأفراد يوميًا بين أنظمة ثقافية متعددة. فقد ينتمي الشخص نفسهُ إلى بيئة عمل متعددة الجنسيات، أو مجتمع وافد، أو جماعة دينية، أو عائلة تعيش هنا أو في مكانٍ آخر، ولكل منها مفاهيمها الخاصة حول الخصوصية، القدرة على التكيف، والرعاية النفسية. تُوفر هذه العلاقات شعورًا بالانتماء، لذا يتعلم الأفراد تعديل ما يكشفونه وفقًا لمكان وجودهم ومن يستمع إليهم. وقد تصبح المحادثات العامة أكثر انفتاحًا قبل أن يشعر الأفراد بالأمان الكافي للكشف عن صعوباتهم.
العائلة وأثرها على الصحة النفسية في الإمارات
في بعض العائلات، تُفهم الصعوبات العاطفية على أنها أمورٌ يجب أن تبقى داخل الأسرة. وقد يشعرُ المرء عند التحدث إلى معالجٍ نفسي بأنه يكشف سرًا جماعيًا، لأن قصة شخصٍ ما تتضمن حتمًا أجزاءً من قصص الآخرين. كما قد يخشى العملاء من أن وصف ديناميكياتٍ أسرية مؤلمة، يُعدَ خيانة لأحد الوالدين أو الزوج أو المجتمع. وتعكس الأبحاث التي أُجريت مع طلاب الجامعات في الإمارات هذا التوتر، إذ تربط بين المواقف تجاه المساعدة المهنية والمخاوف من الوصم الاجتماعي، المكانة الاجتماعية، ومشاركة المشاكل الشخصية خارج نطاق الأسرة.
كما يؤثر الدين في كيفية فهم المعاناة، ويؤكد على استحقاقها للرعاية في هذا السياق. فالإيمان يُمكن أن يُوفر المعنى، الأمل والانتماء خلال الفترات العصيبة. "لقد عملتُ مع عملاء كانت معتقداتهم الدينية محورية في تعافيهم؛ كما التقيتُ بأشخاصٍ فهموا الاكتئاب أو القلق على أنهما ضعفٌ في الإيمان، أو نقصٌ في الامتنان، أو فشل شخصي، مما جعلهم يحملون ألمًا عاطفيًا مصحوبًا بالخجل من الإصابة بهما. يجب أن تُفسح خدمات الصحة النفسية في الإمارات العربية المتحدة المجال للدين كجزء من هوية الفرد وفهمه للشفاء" تضيف فيغيريدو.
تؤثر الأنظمة الأوسع نطاقًا على هذه المعتقدات الشخصية. فالقوانين، ممارسات الرعاية الصحية والاستجابات المؤسسية تُعلّم الناس التجارب التي يمكن الإفصاح عنها بأمان، وتلك التي قد تُعرّضهم للتدقيق، أو فقدان السيطرة، أو الأحكام المسبقة. وفي الإمارات، لا يزال بعض الناس قلقين من أن الإفصاح عن أفكارٍ حول عدم الرغبة في الحياة، أو التحدث بصراحة عن تعاطي المخدرات، قد يُعرّضهم لعواقب قانونية أو مؤسسية؛ فيما تستغرق التغييرات في السياسات وقتًا لتغيير المخاوف السائدة داخل الأُسر والمجتمعات. ويجلب الناس هذه التوقعات إلى جلسات العلاج من خلال ما يشعرون بالقدرة على كشفه، مما يُظهر كيف يتطور الوصم من خلال المعتقدات الشخصية والهياكل التي تعلَموا التعامل معها.

الصحة النفسية في مجال العمل
تُضيف أماكن العمل طبقةً أخرى من الحذر. إذ تضمُ الإمارات شركاتٍ متعددة الجنسيات، لديها برامج راسخة للرفاهية، شركات عائلية، مؤسسات هرمية، ومنظمات تُبقي الصحة النفسية سرية. وبالنسبة للعديد من المغتربين، يرتبطُ العمل ارتباطًا وثيقًا بالإقامة والاستقرار المالي. قد تبدو مبادرات الصحة النفسية مُشجعة، إلا أن الموظفين سيتعلمون مدى أمان الانفتاح من خلال مراقبة ما يحدث عندما يحتاج زميل إلى إجازةٍ مرضية أو مرونة في العمل أو فترة نقاهة أطول. وتُشكَل هذه التجارب بعض المخاوف بشأن السرية، الترقية والنظرة إليهم على أنهم غير جديرين بالثقة.
"كما أدى نمو محتوى الصحة النفسية إلى تغيير التشخيصات المقبولة" تقول فيغيريدو. "في الممارسة السريرية، قابلتُ أشخاصًا يشعرون بالراحة عند استكشاف احتمال إصابتهم باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فيما يتفاعلون بشكلٍ مختلف تمامًا عندما يشير التقييم إلى الاكتئاب. قد يُنظر إلى اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على أنه تفسيرٌ مرتبط بنمو الدماغ، مما يُخفَف سنواتٍ من لوم الذات. بينما قد يُنظر إلى الاكتئاب على أنه دليلٌ على ضعف الشخص أو عدم رضاه عن حياته أو عجزه عن التأقلم. كلاهما ينطوي على عملياتٍ بيولوجية، نفسية واجتماعية، ولا يحمل أي منهما مسؤوليةً أخلاقية. ويشير اختلاف كيفية استقبال الناس لهما إلى أننا طوَرنا تسلسلًا هرميًا للتشخيصات، حيث يقدم بعضها تفسيرًا أكثر قبولًا للمعاناة."
يُساهم المحتوى الإلكتروني في ترسيخ هذا التسلسل الهرمي. فعلى سبيل المثال، ساعدت المناقشات حول اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، التوحد، والصدمات النفسية، الناس على إدراك تجارب لم تُذكر صراحةً، والسعي للحصول على تقييماتٍ مفيدة. كما شجع المحتوى المُبسط على استخدام المصطلحات الطبية، لوصف طيفٍ واسع من التجارب اليومية.
ومع ازدياد شيوع هذه المصطلحات، بدأ البعض يشككَ فيها، وينظرون إلى التشخيصات على أنها مجرد تسميات رائجة أو أعذار لسماتٍ شخصية أخرى. قد يقاومُ من يعاني من صعوبات حقيقية التقييم، لأنه لا يرغبُ في الانتماء إلى فئةٍ يعتقد أن الآخرين سيتجاهلونها؛ وقد أدى ازدياد وضوح هذه المصطلحات إلى دمج الاعتراف والتشكيك في الحوار نفسه.

لا يزال بعض الناس متشككين في العلاج النفسي نفسه. فقد يبدو التحدث إلى شخصٍ غريب عن تجارب شخصية أمرًا ضعيفًا، أو غير مُخلص، أو غير علمي بما فيه الكفاية. كما قد تتفاقم هذه المخاوف عندما يكون المعالج من خلفية ثقافية مختلفة؛ إذ يخشى العملاء أن تُفسَر معتقداتهم الدينية، أو زواجهم، أو علاقاتهم الأسرية، أو أدوارهم الجندرية وفقًا لقيمٍ لا تنتمي إليهم. قد يخشون أيضًا أن يُساء فهم أنماط حياتهم المبنية على الأسرة، المجتمع والترابط، أو أن تُعامل على أنها غير صحية. يكتسب العلاج ثقة المريض عندما يظل المُعالج مهتمًا بعالم المريض، ويُدرك الطرق المشروعة المتعددة للعيش، التواصل وفهم الحياة الكريمة.
في الختام؛ لقد تغيَر شكل الوصمة الاجتماعية في الإمارات، ويبرز بشكلٍ جليّ عندما يستمر الألم النفسي ويبدأ بالتأثير سلبًا على عمل الشخص، علاقاته وأدائه اليومي. قد يؤدي الخوف من الأحكام المسبقة إلى تأخير العلاج، ودفع الناس إلى إخفاء ما يمرون به عن عائلاتهم، أصدقائهم وأصحاب العمل، وتحديدًا عندما تشتدَ الحاجة إلى الدعم.
لذا يُعدّ الحوار العام المتزايد حول هذا الموضوع بالغ الأهمية، وسينعكس التقدم في قدرة الناس على طلب الرعاية مبكرًا، التحدث بصراحة في مختلف جوانب حياتهم، وتلقي الدعم دون أن تُفسّر صعوباتهم على أنها ضعف أو عدم جدارة بالثقة أو فشل شخصي.
https://www.peninsulapsychology.com/