كيف تخففين هرمون التوتر بطرق طبيعية بسيطة؟

خبيرة نفسية تنصحكِ عبر "هي": هكذا تخففين هرمون التوتر بطرق طبيعية بسيطة

في دراسةٍ جديدة أجرتها سيغنا العالمية للصحة عام 2025، أظهرت النتائج تحسنًا في مستويات الرفاه النفسي في الدولة وصلت إلى 64%، ما يؤشر إلى اكتساب قضايا الصحة والرفاه النفسي أولوية متزايدة في الدولة، يجعلها تتقدّم الرفاه الجسدي في كثيرٍ من الحالات.

هذه الأرقام، وعلى الرغم من إيجابيتها التي يمكن البناء عليها، لا تلغي هاجس وجود توترٍ متزايد عند الكثيرين؛ خصوصًا في الفترة الأخيرة، جراء الأزمة التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط وجعلتنا نعيشُ حالةً من عدم اليقين والتوجس من مستقبلٍ قاتم في ظل الحروب والأزمات.

تعاني النساء من مستويات توترٍ أعلى من الرجال عالميًا — وبفارقٍ واضح تدعمهُ الأرقام والعلوم. إذ تُظهر البيانات الحديثة أن التوتر، القلق، والحِمل النفسي أعلى لدى النساء عبر الثقافات والأعمار، مع أسبابٍ بيولوجية واجتماعية متشابكة.

لماذا النساء أكثر عرضةً للتوتر؟ سؤالُ يراود الكثيرات، والإجابة عنه في التالي:

إيلين مايتشين طبيبة نفسية ومعالجة متخصصة في علاج الصدمات في مركز يونيكلي يو للرفاه النفسي
إيلين مايتشين طبيبة نفسية ومعالجة متخصصة في علاج الصدمات في مركز يونيكلي يو للرفاه النفسي

كامرأة، تعانين عزيزتي من حساسية بيولوجية أعلى للتوتر؛ وتُظهر الأبحاث إلى أن دماغ المرأة يُظهر نشاطًا أكبر في المناطق العاطفية (اللوزة والحصين) عند التوتر. كما أن النساء أكثر حساسيةً لهرمون CRF المسؤول عن استجابة التوتر.

ناهيكِ عن العوامل الاجتماعية والهيكلية؛ فالنساء غالبًا يواجهنَ العبء المزدوج (العمل + مسؤوليات المنزل)؛ العمل في مهنٍ عالية الضغط (تعليم، تمريض، رعاية)؛ الحِمل الذهني (التخطيط، التذكّر، إدارة التفاصيل)، وتوقعات اجتماعية تزيد من الضغط العاطفي. وتشير دراسةٌ حديثة أُجريت عام 2024 لوجود اختلافٍ جذري في كيفية استجابة خلايا الدماغ للتوتر بين الجنسين، ما قد يُفسّر ارتفاع القلق والاكتئاب لدى النساء.

يؤدي التوتر لدى النساء إلى اضطراباتٍ نفسية أكثر؛ فالمرأة أكثر عرضةً لتطوير  اضطراب ما بعد الصدمة  PTSD، الاكتئاب، والقلق العام بعد التعرّض لنفس الضغوط مقارنةً بالرجال.

للتخفيف من التوتر الذي يُنغَص علينا الحياة، وننعم بالرفاه النفسي الذي ننشدهُ بقوة؛ تحدثت محررة صحة ورشاقة على موقع "هي" مع إيلين مايتشين، الأخصائية النفسية الأمريكية المرخصة من قبل هيئة تنمية المجتمع في دبي ومجلس المستشارين المهنيين في الولايات المتحدة، طبيبة نفسية ومعالجة مرخصة متخصصة في علاج الصدمات في مركز "يونيكلي يو" للرفاه النفسي في دبي.

كيف يؤثر هرمون التوتر في جسدنا وعقلنا، وما الذي يمكننا فعلهُ حيال ذلك؟

في عالمٍ يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، بات الضغط النفسي رفيقاً دائماً لكثيرٍ منّا. لكن ما يجهلهُ الكثيرون هو أنّ للتوتر المزمن وجهاً بيولوجياً صارخاً، يتجسّد في هرمونٍ يُفرز في صمت عميق داخل أجسادنا: الكورتيزول. وهنا لا بد من طرح السؤال المهم: ما هو هرمون الكورتيزول، كيف يؤثر فينا حين يُفقد توازنه؟ وما الذي يمكننا فعلهُ لمواجهته؟

الكورتيزول هو هرمون تفرزه الغدتان الكظريتان ضمن استجابة الجسم الطبيعية للتوتر، يساعد في تنظيم الطاقة، سكر الدم، الالتهابات، ودورة النوم والاستيقاظ. ورغم ارتباطه باسم "هرمون التوتر"، إلا أنه يعملُ بالتنسيق مع هرمونات أخرى مثل الأدرينالين والنورأدرينالين لتفعيل استجابة "الكرّ أو الفرّ".

في الظروف الطبيعية، يساعد الكورتيزول الجسم على التكيّف والحفاظ على التوازن؛ لكن استمرار ارتفاعه لفتراتٍ طويلة قد يرتبط بالإرهاق، اضطرابات النوم، صعوبة التركيز، وتقلبات المزاج، إلى جانب تأثيرات على المناعة. وتشير بياناتٌ ودراساتٌ عالمية إلى أن فئة الشباب بين 18 و24 عاماً تُسجّل مستوياتٍ أعلى من أعراض التوتر والقلق، مقارنةً بالفئات العمرية الأكبر، ما يعكس التأثير المتزايد لضغوط الحياة الحديثة وتغيّر أنماط المعيشة على الصحة النفسية والجسدية.

في ظل هذه الأرقام المُقلقة، لا بدَ لنا من التساؤل: لماذا أصبح ارتفاع الكورتيزول أكثر شيوعاً بين النساء اليوم؟

يرتبطُ ارتفاع مستويات الكورتيزول، لدى كثيرٍ من النساء اليوم، بتداخل مجموعةٍ من الضغوط اليومية، من بينها التوفيق المستمر بين المسؤوليات المهنية، والأدوار العاطفية والرعائية داخل الأسرة والعلاقات، إلى جانب التوقعات والضغوط الاجتماعية المتزايدة.

كما أن الاتصال الرقمي الدائم قلّص فترات الراحة الذهنية والتعافي النفسي خلال اليوم، ما قد يُبقي الجسم والجهاز العصبي في حالة تنبّهٍ مستمرة.

وتلعب التغيرات الهرمونية المرتبطة بمراحل مختلفة من الحياة، مثل الدورة الشهرية، الحمل وما قبل انقطاع الطمث، دوراً إضافياً في زيادة حساسية الجسم للتوتر، ما يجعل الاستجابة الفسيولوجية للضغوط أكثر وضوحاً لدى بعض النساء.

النساء أكثر عرضة للتوتر مقارنةً بالرجال
النساء أكثر عرضة للتوتر مقارنةً بالرجال

ما العلامات التي قد تشيرُ إلى أن مستويات التوتر لديَ أعلى من الطبيعي؟

لا يظهر التوتر المزمن دائماً بشكلٍ واضح، لكنه غالباً ما يتركُ مؤشراتٍ متكررة؛ مثل الشعور بالإرهاق رغم النوم الكافي، سرعة الانفعال أو التوتر المستمر، صعوبة التركيز، اضطرابات النوم، والصداع المتكرر، إضافةً إلى اضطرابات الجهاز الهضمي وزيادة الحساسية العاطفية.

وقد يلاحظُ بعض الأشخاص أيضاً، زيادة الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون، إلى جانب انخفاض الحافز والشعور بأن المهام اليومية أصبحت أكثر استنزافاً من المعتاد.

غالباً ما تعكسُ هذه المؤشرات بقاء الجهاز العصبي في حالة تأهّبٍ لفترة أطول مما يحتاجهُ الجسم، وهي من المُنبَهات التي ينبغي الالتفات إليها وعدم إغفالها.

بالانتقال إلى الحلول؛ كيف يمكن لروتين الصباح مثلًا أن يُخفّض مستويات هرمون التوتر؟

يرتفع الكورتيزول بشكلٍ طبيعي خلال ساعات الصباح الأولى، لمساعدة الجسم على الاستيقاظ واستعادة النشاط. لذلك، يمكن لروتين صباحي مُنتظم أن يدعم توازن الجهاز العصبي ويمنح الجسم بدايةً أكثر هدوءاً واستقراراً.

من العادات التي قد تساعد: التعرّض للضوء الطبيعي، شرب كمية كافية من الماء، ممارسة حركة خفيفة أو تمارين تمدَد، واعتماد تمارين تنفّس هادئة، إلى جانب تأخير استخدام الهاتف قدر الإمكان بعد الاستيقاظ لتجنّب التحفيز المبكر لمنظومة التوتر. هذه الخطوات البسيطة تساعدُ على توجيه طاقة الصباح بصورةٍ أكثر اتزاناً، بدلاً من الدخول مبكراً في حالة من التوتر أو الاستنزاف.

ما العادات الصغيرة الأخرى التي يمكن إضافتها خلال اليوم، للمساعدة على خفض الكورتيزول؟

في إدارة التوتر، غالباً ما تكون الممارسات الصغيرة المنتظمة أكثر فاعليةً من الحلول الكبيرة المؤقتة. ومن العادات التي يمكنكِ دمجها خلال اليوم: أخذ فترات مشي قصيرة، التمدَد بين المهام، تناول الوجبات بهدوء بعيداً عن العمل أو تصفح الهاتف، والحفاظ على الترطيب الجيد، إلى جانب تخصيص دقيقة أو دقيقتين للتنفس البطيء قبل الاجتماعات أو المواقف الضاغطة.

حتى لحظات الهدوء القصيرة يمكن أن ترسل إشاراتٍ بالأمان إلى الجهاز العصبي، ما يساعد على تقليل حالة التأهب والاستنفار المستمر.

هل يمكن لتقنيات التنفس أن تؤثر فعلاً في مستويات التوتر؟

نعم؛ يرتبط التنفس مباشرةً بالجهاز العصبي اللاإرادي المسؤول عن تنظيم وظائف حيوية مثل نبض القلب، التنفس والاستجابة للتوتر. وعندما يصبح التنفس أبطأ وأكثر انتظاماً، خصوصاً مع إطالة الزفير، يتم تنشيط الجهاز العصبي نظير الودي المسؤول عن الراحة والتعافي.

وقد ينعكس ذلك على الجسم من خلال خفض معدل ضربات القلب، تقليل التوتر العضلي، وتهدئة الاستجابة الهرمونية للتوتر، ما يساهم في تقليل مستويات الكورتيزول.

من أكثر التقنيات شيوعاً: التنفس الحجابي والتنفس المربّع  (Box Breathing)، إذ تساعد على نقل الجسم تدريجياً من حالة التأهب إلى حالة أكثر هدوءاً واتزاناً.

تمارين التمدد والتنفس في الصباح تُساعد على تخفيف التوتر
تمارين التمدد والتنفس في الصباح تُساعد على تخفيف التوتر

ما العلاقة بين جودة النوم وهرمون التوتر؟

يرتبط النوم والكورتيزول بعلاقةٍ تبادلية دقيقة، إذ يؤثر كلٌّ منهما في الآخر بشكلٍ مباشر. فارتفاع مستويات الكورتيزول قد يعيق الدخول في النوم أو يُقلّل من جودته، بينما يؤدي النوم غير الكافي أو المتقطع إلى رفع مستويات التوتر في اليوم التالي.

وتشير بياناتٌ صحية إلى أن نحو شخص واحد من كل ثلاثة بالغين، لا يحصل على قدرٍ كافٍ من النوم، وهو ما قد ينعكس على مستويات التوتر وجودة الحياة بشكل عام.

وعندما يتكرر اضطراب النوم، يبدأ الجسم بالتعامل معه كعامل ضغطٍ إضافي، ما يُعزَز حالة اليقظة ويُنشّط إفراز الهرمونات المرتبطة بالتوتر.

مع الوقت، قد تتشكل حلقةٌ متكررة: قلة النوم تؤدي إلى مزيدٍ من التوتر، والتوتر يؤدي إلى نومٍ أقل جودة، وهو ما قد ينعكس على المزاج، الأداء الذهني والصحة العامة.

كيف يمكن تهدئة الجسم قبل النوم؟

يُعدّ إعداد الجسم للنوم جزءاً أساسياً من استعادة التوازن العصبي، لذلك تساعدُ فترةٌ انتقالية هادئة قبل النوم، على دعم الاسترخاء وتهيئة الجسم للتعافي.

من الخطوات المفيدة في هذا السياق: تخفيف الإضاءة تدريجياً، الانخراط في أنشطة هادئة كالقراءة، أو الاستحمام بماء دافئ، أو ممارسة تمارين تمدد خفيفة، إلى جانب تجنّب العمل أو النقاشات المجهدة في الساعة الأخيرة قبل النوم.

ويُلاحظ اليوم أن أحد أكثر التحديات شيوعاً، يتمثل في زيادة وقت الشاشة قبل النوم، سواء عبر تصفَح وسائل التواصل الاجتماعي أو الاستمرار في مشاهدة المحتوى لفترةٍ أطول من المخطط، ما يُبقي الدماغ في حالة تنبّه ويؤخر الانتقال الطبيعي إلى الراحة.

كيف تؤدي الشاشات والضوء الأزرق إلى زيادة التوتر دون أن نشعر؟

يؤثر الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الإلكترونية في إنتاج الميلاتونين، الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم، ما يؤخر الشعور بالنعاس ويرفع مستوى اليقظة. كما أن التعرّض المستمر لمحتوى مُحفّز ذهنياً أو عاطفياً، مثل البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي، يُبقي الدماغ في حالة نشاط حتى أثناء الراحة، ويؤخر الانتقال الطبيعي إلى الاسترخاء.

ويمتد أثر ذلك إلى بيئات العمل التي تتطلب ساعاتٍ طويلة أمام الشاشات، إذ يرتبط هذا النمط بزيادة التوتر المزمن، ما ينعكس على الأداء والاستقرار المهني. وتشير بيانات عالمية إلى أن الموظفين الذين يعانون من مستوياتٍ مرتفعة من التوتر، هم أكثر عرضةً بنسبة 60% للغياب عن العمل، وأكثر احتمالاً بنسبة 25% لترك وظائفهم، فيما تُمثَل الاضطرابات النفسية نحو 25% من أيام الإجازات المرضية عالمياً.

كيف تخففين هرمون التوتر بطرق طبيعية بسيطة؟ - رئيسية
كيف تخففين هرمون التوتر بطرق طبيعية بسيطة؟

كيف تساعد ممارسات اليقظة الذهنية في تقليل التوتر؟

تقوم اليقظة الذهنية (Mindfulness) على تدريب الانتباه، للتركيز على اللحظة الحالية دون إصدار أحكام، ما يساعد على تقليل التفكير المفرط والقلق الاستباقي، وهما من العوامل المرتبطة بارتفاع التوتر المزمن.

ومع الممارسة المنتظمة، يمكن أن تُسهم اليقظة الذهنية في تحسين تنظيم الانفعالات، رفع الوعي المبكر بإشارات التوتر، وتعزيز القدرة على التعامل مع الضغوط قبل تفاقمها.

أيضًا، ما دور الامتنان والكتابة اليومية في تهدئة الذهن؟

تساعد ممارسات الامتنان والكتابة التأملية على إعادة توجيه الانتباه من التركيز على المشكلات والتهديدات إلى رؤيةٍ أكثر توازناً للتجارب اليومية، ما يُخفَف من استجابات التوتر.

كما أن تدوين الأفكار يُخفَف الحمل الذهني، من خلال نقلها من دائرة الاجترار الداخلي إلى مساحة خارجية أكثر وضوحاً وتنظيماً، وهو ما يجعل الضغوط تبدو أقل ثقلاً وأكثر قابلية للإدارة.

لماذا يُخفَف التواصل الاجتماعي الحقيقي من التوتر؟

سؤالٌ مهم في الحقيقة؛ يلعب التواصل الإنساني المباشر دوراً أساسياً في تنظيم الجهاز العصبي عبر ما يُعرف بالتنظيم المشترك (Co-regulation)، حيث تُساعد التفاعلات الآمنة والداعمة على خفض مستويات الكورتيزول وتعزيز إفراز الأوكسيتوسين، المرتبط بالشعور بالأمان، الترابط والاسترخاء.

كما أن عناصر التواصل غير اللفظية مثل نبرة الصوت، تعابير الوجه، والحضور الجسدي تمنح الدماغ إشاراتٍ بالأمان، ما يساعد الجسم على الانتقال من حالة الاستنفار إلى حالةٍ أكثر هدوءاً واتزاناً.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".