اليوم العالمي للامتناع عن التدخين

التدخين: عادةٌ سيئة تسرقُ الصحة بصمت.. كيف نتغلبُ عليها؟

سؤالٌ يراود خاطري على الدوام، ولا أجدُ له إجابةً شافية: لماذا، وبالرغم من حملات التوعية والرسائل الخطيرة التي تحملها علب التبغ والمعسل وغيرها، وأيضًا رغم أن عدد الوفيات بسبب التدخين عالميًا وصل إلى 5.81 مليون في العام 2023؛ ما زال هناك الملايين حول العالم يدخَنون، ليس السيجارة وحدها فحسب بل الشيشة ومؤخرًا الفيب والأيكوس؟

لعل هذا السؤال يخطر في بال المدخنين أنفسهم، لكن نوعًا من الإدمان على "التدخين" يجعلهم يتجاهلونه، بل وقد يجنح بعضهم للإجابة أن لا بديل لهم عن السيجارة للتخفيف من العصبية أو الاستمتاع بالوقت. وقد تكون هذه الإجابات أكثر ما يستفزني، لكن الحقيقة تُقال أن إدمان التدخين يحتاج لمعالجةٍ جدية، تبدأ من التوعية وتنتهي بالحذر من المخاطر الصحية التي يُخلَفها التدخين على صحتنا ورفاهنا.

في 31 من شهر مايو كل عام، يتوقفُ العالم أمام واحدةٍ من أخطر المشكلات الصحية التي ما زالت تحصد أرواح الملايين رغم كل حملات التوعية والتحذير، ألا وهي التدخين. ويأتي اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، لنُجدَد فيه الدعوة إلى حماية الأفراد والمجتمعات من الآثار المدمرة للتبغ ومنتجات النيكوتين المختلفة، فصلًا عن تسليط الضوء على المخاطر الصحية التي قد تبدأ بسيجارة وتنتهي بأمراضٍ مزمنة أو إعاقاتٍ، أو حتى وفاة مبكرة.

ورغم التقدم الطبي الكبير والكم الهائل من المعلومات المتوفرة حول أضرار التدخين؛ لا يزال ملايين الأشخاص حول العالم يمارسون هذه العادة بشكلٍ يومي، فيما يتعرضُ ملايين آخرون للتدخين السلبي دون اختيارٍ منهم، الأمر الذي يجعل التدخين قضيةً صحية ومجتمعية تتجاوزُ حدود الفرد لتؤثر في الأسرة، المجتمع، الاقتصاد والنظام الصحي بأكمله.

الدكتور محمد الجذولي أخصائي طب الأسرة في مستشفى الشيخ سلطان بن زايد
الدكتور محمد الجذولي أخصائي طب الأسرة في مستشفى الشيخ سلطان بن زايد

التدخين ليس عادةً.. بل إدمان

هذا ما يؤكد عليه الدكتور محمد الجذولي، أخصائي طب الأسرة في مستشفى الشيخ سلطان بن زايد. ويضيف: "يُعتقد كثيرٌ من المدخنين أنهم قادرون على التوقف عن التدخين متى أرادوا؛ إلا أن الحقيقة العلمية تؤكد أن التدخين يرتبط بإدمان مادة النيكوتين التي تؤثر على مراكز المكافأة في الدماغ وتدفعُ الشخص إلى الرغبة المستمرة في التدخين."

ومع مرور الوقت، يعتادُ الجسم على وجود النيكوتين؛ وعند محاولة التوقف، تظهر أعراض الانسحاب مثل العصبية، التوتر، صعوبة التركيز، الصداع واضطرابات النوم، ما يجعل كثيراً من الأشخاص يعودون إلى التدخين مرةً أخرى إذا لم يحصلوا على الدعم المناسب.

آلاف المواد السامة في كل سيجارة

يحتوي دخان السجائر على أكثر من سبعة آلاف مادة كيميائية، منها مئات المواد السامة وعشرات المواد المعروفة بقدرتها على التسبَب في السرطان. ومع كل نفس يستنشقهُ المُدخن، تنتقل هذه المواد إلى الرئتين ومنها إلى مجرى الدم، لتصل إلى مختلف أعضاء الجسم.

تؤثر هذه المواد على القلب، الأوعية الدموية، الجهاز التنفسي، الكبد، الكلى، الدماغ وأجهزة الجسم المختلفة، مما يجعل التدخين أحد أكثر العوامل المُسببة للأمراض المُزمنة والوفيات التي يمكن الوقاية منها.

القلب والأوعية الدموية في دائرة الخطر

يُعتبر التدخين من أبرز أسباب أمراض القلب والشرايين حول العالم. فهو يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، زيادة معدل ضربات القلب وإحداث تغيراتٍ ضارة في جدران الأوعية الدموية، ما يُساهم في تسريع تصلَب الشرايين وتضيَقها.

كما يزيد التدخين بشكلٍ كبير من احتمالية الإصابة بالجلطات القلبية، السكتات الدماغية والذبحة الصدرية، حتى لدى الأشخاص في أعمارٍ أصغر مما كان متوقعاً في السابق. وقد أصبح من الشائع رؤية مرضى في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر، يقول الدكتور الجذولي، يعانون من أمراضٍ قلبية مرتبطة بشكلٍ مباشر بالتدخين.

الرئتان تدفعان الثمن الأكبر

تُعدَ الرئتان أكثر أعضاء الجسم تعرَضاً لأضرار التدخين، حيث يؤدي الاستنشاق المتكرر للدخان إلى تهيَج الشُعب الهوائية وإضعاف كفاءة الجهاز التنفسي.

ويرتبط التدخين ارتباطاً وثيقاً بمرض الانسداد الرئوي المزمن، انتفاخ الرئة والتهابات الشُعب الهوائية المزمنة، وهي أمراضٌ تؤثر بشكلٍ كبير في قدرة المريض على التنفس براحة وممارسة الأنشطة اليومية.

 

كما أن سرطان الرئة يظل أحد أخطر الأمراض المرتبطة بالتدخين، حيث تشيرُ الدراسات إلى أن غالبية حالات سرطان الرئة ترتبطُ باستخدام التبغ بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة.

 

A person smoking a cigarette

Description automatically generated

 

السرطان لا يقتصر على الرئة

 

من الأخطاء الشائعة، الاعتقاد بأن التدخين يُسبَب سرطان الرئة فقط. إنما في الواقع، يرتبطُ التدخين بزيادة خطر الإصابة بعددٍ كبير من أنواع السرطان الأخرى، بما في ذلك سرطان الفم، اللسان، الحنجرة، المريء، المعدة، البنكرياس، الكبد، الكلى، المثانة، القولون وعنق الرحم.

 

وتكمن الخطورة في أن بعض هذه السرطانات قد تتطور لسنواتٍ طويلة قبل ظهور الأعراض، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص وصعوبة العلاج في كثيرٍ من الحالات.

التدخين السلبي.. ضحاياه أبرياء

 

لا تقتصر أضرار التدخين على المُدخن نفسه، بل تمتد إلى أفراد أسرته والأشخاص المحيطين به. فالتدخين السلبي يُعرَض غير المُدخنين لاستنشاق المواد السامة نفسها الموجودة في دخان السجائر.

 

ويُعدَ الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بالتدخين السلبي، حيث تزدادُ لديهم احتمالية الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، الربو، الحساسية والتهابات الأذن المتكررة. كما ترتفعُ مخاطر الإصابة بأمراض القلب وسرطان الرئة لدى البالغين الذين يتعرضون بشكلٍ مستمر لدخان التبغ.

 

لهذا السبب، ينصحُ الأطباء بمنع التدخين تماماً داخل المنازل، السيارات والأماكن المغلقة لحماية أفراد الأسرة، خصوصاً الأطفال، الحوامل وكبار السن.

 

منتجات النيكوتين الجديدة... خطرٌ يتخفى خلف النكهات

 

شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لمنتجات النيكوتين البديلة، مثل السجائر الإلكترونية (الفيب) وأكياس النيكوتين، والتي يتمَ تسويقها بنكهاتٍ متعددة وتصاميم جذابة، تستهدف بصورةٍ خاصة فئة المراهقين والشباب. وقد ساهمت هذه المنتجات في خلق انطباعٍ خاطئ لدى البعض بأنها بديلٌ آمن أو أقل خطورة من السجائر التقليدية.

 

إلا أن الواقع الطبي يشير إلى أن العديد من هذه المنتجات يحتوي على نسبٍ مرتفعة جداً من النيكوتين، قد تتجاوز في بعض الأحيان ما تحتويه السجائر التقليدية؛ الأمر الذي يزيد من احتمالية الإدمان بشكلٍ كبير. كما يمكن أن تؤدي إلى تهيَج اللثة ومشكلات صحة الفم والأسنان، فضلاً عن تأثيراتها المحتملة على نمو الدماغ وتطوَره لدى المراهقين والشباب الذين لا تزال أجهزتهم العصبية في مرحلة النمو.

 

تثيرُ هذه المنتجات قلق المختصين أيضاً، بسبب احتوائها على مركباتٍ ومواد كيميائية لا تزال الآثار الصحية طويلة المدى لبعضها غير معروفة بصورة كاملة حتى الآن. لذلك لا ينبغي اعتبار السجائر الإلكترونية أو أكياس النيكوتين منتجاتٍ آمنة أو مناسبة لغير المُدخنين، بل يجب التعامل معها بحذرٍ شديد وتوعية الشباب بمخاطرها الحقيقية.

 

A person holding a broken cigarette

Description automatically generated

 

التدخين: تأثيرات على المظهر وجودة الحياة

 

قد لا تظهر بعض الأمراض الخطيرة المرتبطة بالتدخين سوى بعد سنواتٍ طويلة، إلا أنه ثمة تأثيراتٍ يومية يمكن ملاحظتها بشكلٍ أسرع لهذه الآفة.

 

فالتدخين يُسبَب اصفرار الأسنان وتصبَغها، ويؤدي إلى رائحة فمٍ غير مستحبة؛ كما يُساهم في ظهور التجاعيد المُبكرة، فقدان نضارة البشرة وتسريع علامات الشيخوخة (تحذيرٌ إضافي للسيدات اللاتي يبحثنَ عن أفضل وأسرع الوسائل لتأخير الشيخوخة: ربما عليكنَ نزع تلك السيجارة من أيديكنَ).

 

كذلك، يعاني كثيرٌ من المُدخنين من ضعف اللياقة البدنية وضيق التنفس أثناء النشاط البدني والشعور بالتعب والإرهاق بصورة متكررة، الأمر الذي يؤثر على جودة الحياة والإنتاجية اليومية.

 

التدخين.. الخصوبة والحمل

 

تشيرُ الأبحاث إلى أن التدخين يؤثر سلباً على الخصوبة لدى الرجال والنساء على حد سواء. فهو قد يُضعف جودة الحيوانات المنوية لدى الرجال، كما يؤثر على فرص الحمل لدى النساء.

 

أما خلال الحمل، فيرتبطُ التدخين بزيادة خطر الإجهاض، الولادة المبكرة، انخفاض وزن المواليد عند الولادة ومضاعفاتٍ صحية أخرى قد تؤثر على الأم والطفل. لذا إن كنتِ زوجةً تتطلع للإنجاب قريبًا، من الضروري لكِ أولًا الامتناع عن التدخين، لتحسين فرصكِ في الحمل والولادة.

 

فوائد الإقلاع تبدأ فوراً

 

الخبر الجيد هو أن الجسم يبدأ بالاستفادة من قرار الإقلاع عن التدخين، منذ اللحظات الأولى، أمرٌ رائع أليس كذلك؟

 

فبعد ساعاتٍ من التوقف، تبدأ مستويات الأكسجين بالتحسن وينخفض تأثير أول أكسيد الكربون في الدم. وخلال أسابيع من الامتناع عن التدخين؛ تتحسنُ الدورة الدموية ووظائف الرئتين، فيما تنخفضُ مخاطر الإصابة بأمراض القلب بشكلٍ تدريجي خلال السنوات التالية. كذلك تتراجعُ احتمالات الإصابة بالعديد من أنواع السرطان مع مرور الوقت.

 

وتؤكد الدراسات أن الإقلاع عن التدخين في أي عمرٍ، يُحقق فوائد صحية كبيرة، وأن الوقت لا يكون متأخراً أبداً لاتخاذ هذه الخطوة المهمة.

 

الإقلاع بنجاح: خطوات ليست مستحيلة

 

يحتاج الإقلاع عن التدخين، بادىء الأمر، إلى قرارٍ حقيقي وخطة واضحة. كذلك من المهم تحديد موعدٍ للتوقف، التخلص من السجائر فورًا، والابتعاد عن المُحفزات المرتبطة بالتدخين.

كما يمكن الاستفادة من برامج الإقلاع عن التدخين، العلاجات الدوائية وبدائل النيكوتين، التي تُساعد في تخفيف أعراض الانسحاب وزيادة فرص النجاح في هذه المهمة التي لا تُعدَ مستحيلةً بحسب الدكتور الجذولي. ويلعب الدعم الأسري والمجتمعي دوراً أساسياً في مساعدة المُدخن على الاستمرار وعدم العودة إلى هذه العادة الضارة.

اليوم العالمي للامتناع عن التدخين - رئيسية
اليوم العالمي للامتناع عن التدخين

في الختام؛ يُمثَل اليوم العالمي للامتناع عن التدخين فرصةً حقيقية لتجديد الالتزام بحماية الأفراد من أخطار التبغ وتعزيز ثقافة الوقاية والصحة العامة. فكل شخصٍ يُقلع عن التدخين لا يحمي نفسهُ فقط، بل يساهم أيضاً في حماية أسرته ومجتمعه من الآثار السلبية لهذه الآفة.

إن الاستثمار الحقيقي في الصحة يبدأ بالوقاية، ويُعدَ الإقلاع عن التدخين واحداً من أهم القرارات الصحية التي يمكن أن يتخذها الإنسان، من أجل حياةٍ أطول، صحةٍ أفضل ومستقبلٍ أكثر إشراقاً.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".