د. عائشة سالم الخييلي

خاص: د. عائشة سالم الخييلي لـ"هي": شغفي بالطين قادني إلى بناء هوية فنية إماراتية

17 سبتمبر 2026

من عالم الأعمال إلى عالم الفن، اختارت د. عائشة سالم الخييلي أن تمنح شغفها بالفنون والحرف مساحة خاصة للتعبير، لتبدأ عام 2019 رحلة مختلفة مع الطين والفخار، سرعان ما تحولت من تجربة شخصية إلى مشروع يحمل رؤيتها وهويتها. في أعمالها، تلتقي الحرفة الإماراتية بالتجربة المعاصرة، فتستحضر رموزًا من الذاكرة المحلية، من السدو والتلي والنخيل والبحر والبيت الإماراتي، وتعيد صياغتها بلغة خزفية حديثة.

بالنسبة إلى الخييلي، لا يقتصر الفخار على صناعة قطعة جميلة، بل هو وسيلة للتعبير وحفظ الذاكرة وربط الأجيال بالمكان والهوية. ومن خلال Aisha AlKhyeli Arts، تواصل تطوير هذه الرؤية عبر أعمال وتجارب إبداعية تقرب الناس من الطين، وتمنح الحرفة حضورًا جديدًا في الحياة المعاصرة.

وفي حوار خاص مع «هي»، تتحدث د. عائشة سالم الخييلي عن بداياتها مع الفخار، وكيف تداخلت خبرتها في عالم الأعمال مع تجربتها الفنية، وعن علاقتها بالتراث الإماراتي والذاكرة والمنزل، كما تكشف رؤيتها لمستقبل مشروعها وطموحها لبناء علامة فنية إماراتية معاصرة تصل بجمال الحرف المحلية إلى جمهور أوسع، محليًا ودوليًا.

د. عائشة سالم الخييلي
د. عائشة سالم الخييلي
  • ماالذيدفعكإلىاكتشافعالمالفخاروالفنعام2019؟

بدأ شغفي بالفنون والحرف اليدوية منذ سنوات، وكنت دائماً أجد متعة خاصة في التفاصيل التي تصنعها اليد وفي المساحة التي يمنحها الفن للإنسان كي يعبر عن نفسه بعيداً عن إيقاع الحياة اليومية. لكن عام 2019 شكّل نقطة تحول حقيقية بالنسبة لي، حين اكتشفت الطين كوسيط مختلف للتعبير. كان هناك شيء مميز في التعامل معه؛ ملمسه، مرونته، وإمكانية تحويل مادة بسيطة إلى قطعة تحمل شكلاً وروحاً ومعنى.

مع الوقت، لم يعد الفخار بالنسبة لي مجرد تجربة فنية أو هواية جديدة، بل أصبح مساحة أعود إليها لأجد الهدوء والتركيز، وفي الوقت نفسه أختبر فيها قدرتي على الابتكار. كما أحببت فكرة أن العمل يبدأ من مادة خام وبسيطة، ثم يتطور تدريجياً من خلال اللمس والتشكيل والتجربة إلى أن يأخذ شكله النهائي.

والأجمل بالنسبة لي أن الفخار لم يأت بديلاً عن مسيرتي المهنية، بل أضاف إليها بعداً مختلفاً. فقد منحني توازناً جميلاً بين الجانب العملي والمنظم الذي رافقني في عالم الأعمال، وبين حاجتي إلى الإبداع والتجربة والعمل اليدوي. ومع مرور الوقت، أدركت أن هذه المساحة الإبداعية أصبحت جزءاً مهماً من حياتي، وليست مجرد نشاط أمارسه في أوقات الفراغ.

  • هلكانانتقالكإلىالفنقرارًامخططًا؟

لم يكن انتقالًا مفاجئًا أو تخليًا عن عالم الأعمال، بل مسارًا تطور تدريجيًا إلى جانب خبرتي المهنية. مع الوقت، اكتشفت في الفخار مساحة مختلفة للتعبير والإبداع، وجدت فيها تحديًا جديدًا يجمع بين الصبر والدقة والابتكار.

كما أنني وجدت أن كثيرًا من المهارات التي اكتسبتها في مسيرتي المهنية، مثل التركيز والالتزام والانتباه إلى التفاصيل، يمكن توظيفها في العمل الفني بطريقة مختلفة. لذلك جاء دخولي إلى عالم الفن امتدادًا طبيعيًا لتجربتي، وليس تحولًا جذريًا عنها.

  • متىأدركتِ أنالفنيستحقمشروعًايحملاسمك؟

حين شعرت أن أعمالي بدأت تعكس هويتي الخاصة، وأن ما أصنعه لم يعد مجرد تجربة أو هواية، بل أصبح يحمل رؤية ورسالة أريد أن أشاركهما مع الآخرين. مع الوقت، تطورت علاقتي بالفخار، وأصبحت أكثر وعيًا بالأسلوب الذي أريده وبالقيمة التي يمكن أن تحملها كل قطعة.

عندها شعرت أن هذا الشغف يستحق أن يأخذ إطارًا مهنيًا واضحًا، فكانت فكرة تأسيس مشروع يحمل اسمي خطوة طبيعية في هذه الرحلة. أردت أن يكون المشروع امتدادًا لتجربتي الشخصية، وأن يمنح أعمالي مساحة للنمو والتطور، مع الحفاظ على الجانب الإبداعي والإنساني الذي كان وراء بدايتها.

  • ماالذييجذبكإلىعناصرالتراثالإماراتي؟

تجذبني في عناصر التراث الإماراتي بساطتها وعمق دلالاتها في الوقت نفسه. فالسدو والتلي والنخيل والبحر والعمارة المحلية ليست مجرد تفاصيل بصرية، بل تحمل قصصًا وذاكرةً وهوية متجذرة في المكان. وهذا ما يجعلها بالنسبة لي مصدر إلهام غني ومتجدد.

أحب أن أتعامل مع هذه العناصر من زاوية معاصرة، فأستلهم تفاصيلها وأعيد صياغتها بأسلوبي الخاص في قطع خزفية تحمل روح التراث، ولكن بلغة فنية حديثة تتناسب مع الحاضر. بالنسبة لي، تكمن جمالية هذه التجربة في الحفاظ على ارتباط العمل بجذوره، مع منحه شكلاً جديدًا يتيح للتراث أن يستمر ويتطور.

الفخار  هو وسيلة للتعبير وحفظ الذاكرة وربط الأجيال بالمكان والهوية
الفخار  هو وسيلة للتعبير وحفظ الذاكرة وربط الأجيال بالمكان والهوية
  • كيفتحافظينعلىروحالتراثبأسلوبحديث؟

أحرص أولاً على الحفاظ على جوهر الرموز والعناصر المستوحاة من الحرف الإماراتية، لأنها تحمل القيمة والهوية التي أريد أن تبقى حاضرة في العمل. ثم أعيد تقديمها من خلال خطوط وألوان وتكوينات أكثر معاصرة، بحيث لا تبدو القطعة نسخة من الماضي، وإنما قراءة جديدة له.

ما يهمني هو إيجاد توازن بين الأصالة والحداثة؛ أن يبقى التراث واضحًا في روح القطعة وتفاصيلها، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على الانسجام مع المنزل الحديث والتحدث إلى أجيال وثقافات مختلفة. بهذه الطريقة، يصبح التراث جزءًا حيًا من الحاضر، وليس مجرد استعادة لشكل قديم.

  • كيفتبدأفكرةالقطعةالفنية؟

غالبًا ما تبدأ الفكرة لدي من إحساس أو صورة أو تفصيل يلفتني، وقد يكون مصدره الطبيعة أو الذاكرة أو حتى مشهد بسيط من الحياة اليومية. أبدأ من هذا الإحساس وأحاول أن أترجمه إلى شكل وتكوين من خلال الطين.

لكنني لا أتعامل مع الفكرة باعتبارها نتيجة محددة سلفًا؛ فالطين نفسه له حضوره ودوره في العمل. أترك له مساحة للتفاعل والمفاجأة، وأحيانًا يقودني إلى نتيجة مختلفة عما تخيلته في البداية. وهذا التفاعل بين ما أخطط له وما تفرضه الخامة هو، بالنسبة لي، جزء أساسي من متعة العمل وجمال النتيجة النهائية.

  • كيف ينعكس مفهوم المنزل على أعمالك؟

أرى المنزل أكثر من مجرد مساحة نعيش فيها؛ هو مكان تتكون فيه الذكريات وتبقى فيه التفاصيل التي تحمل قصصنا. لذلك أصمم قطعًا لا تكتفي بتزيين المكان، بل تضيف إليه دفئًا ومعنى، وتخلق حضورًا يشعر به من يعيش فيه.

وأؤمن بأن القطعة المصنوعة باليد تحمل خصوصية مختلفة، لأنها تجمع بين الحرفة والإحساس، ويمكن مع الوقت أن تصبح جزءًا من ذاكرة المنزل، تحتفظ بها العائلة وتنتقل من جيل إلى آخر.

د.عائشةالخييلي_أن ما أصنعه لم يعد مجرد تجربة أو هواية، بل أصبح يحمل رؤية ورسالة
د.عائشةالخييلي_أن ما أصنعه لم يعد مجرد تجربة أو هواية، بل أصبح يحمل رؤية ورسالة 
  • هل غيرت العائلة نظرتك إلى الفن والذاكرة؟

بالتأكيد. كوني أمًا لثلاثة أبناء وجدة جعلني أكثر وعيًا بقيمة التفاصيل الصغيرة التي نحتفظ بها في منازلنا، وكيف يمكن لأشياء بسيطة أن تصبح مرتبطة بذكريات عميقة مع مرور الوقت.

ومن هنا أصبحت أنظر إلى الفن كوسيلة لا تقتصر على الجمال، بل يمكن أن تكون أيضًا وسيلة لربط الأجيال وصون الذكريات، خصوصًا عندما تكون القطعة جزءًا من حياة العائلة وتنتقل معها عبر الزمن.

  • هل هناك قطعة تحمل ذكرى شخصية خاصة؟

كل قطعة تحمل جانبًا من رحلتي، سواء من خلال الفكرة أو التفاصيل أو اللحظة التي صنعت فيها. لكن الأعمال المستوحاة من النخلة والبيت الإماراتي تبقى الأقرب إلي، لأنها ترتبط بمعان أعمق بالنسبة لي، مثل الجذور والعطاء  والانتماء.

أجد في هذه الرموز شيئًا من الذاكرة والهوية، ولذلك أحب أن أعيد تقديمها بأسلوب معاصر، بحيث تبقى حاضرة في حياتنا ومنازلنا بصورة جديدة.

  • ماذا يعني لك اختيارك ضمن حملة Made By Her؟

أعتز كثيرًا بكوني جزءًا من مبادرة Made By Her التي تقدمها Home Centre وتحتفي بإبداع المرأة الإماراتية ودورها في مجالات الفن والحرف. بالنسبة لي، المشاركة فيها تمثل فرصة للوصول إلى جمهور أوسع والتعريف بالتجربة التي أقف خلفها وبالقيمة التي يمكن أن تحملها الحرفة اليدوية.

كما أرى في المبادرة تأكيدًا على أن الحرفة لم تعد تقتصر على الجانب التقليدي، بل يمكن أن تكون مجالًا حقيقيًا للإبداع والتعبير وريادة الأعمال، وأن إبداعات المرأة الإماراتية قادرة على أن تجد حضورها في المشهد المعاصر.

تحرص د.عائشة على الحفاظ على جوهر الرموز والعناصر المستوحاة من الحرف الإماراتية
تحرص د.عائشة على الحفاظ على جوهر الرموز والعناصر المستوحاة من الحرف الإماراتية
  • كيف تصبح القطع الفنية هدايا مميزة للمناسبات؟

أعتقد أن قيمة الهدية لا تكمن في جمالها فقط، بل في قدرتها على التعبير عن المناسبة والشخص الذي نقدمها له. عندما تحمل القطعة تصميمًا خاصًا أو تفاصيل مرتبطة بالمناسبة، تصبح أكثر خصوصية، وتتحول من هدية جميلة إلى ذكرى تحمل قيمة عاطفية وفنية وثقافية تدوم مع الوقت. وهنا تكمن جمالية القطع المصنوعة يدويًا؛ فكل عمل يحمل طابعًا خاصًا ويمكن أن يروي قصة مرتبطة بلحظة أو مناسبة معينة.

  • ما الذي تنصحين العروسين بمراعاته عند اختيار قطعة فنية؟

أن يختارا قطعة تعبر عن ذوقهما وعن قصتهما الخاصة، وألا يكون الاختيار قائمًا على الشكل فقط، بل أيضًا على الجودة والأصالة والقيمة التي يمكن أن تضيفها القطعة إلى منزلهما.

كما أن تخصيص العمل يمكن أن يمنحه معنى أكبر؛ سواء من خلال اختيار ألوان معينة، أو إضافة رمز يحمله معنى خاص لهما، أو تضمين تاريخ المناسبة. بهذه التفاصيل، تتحول القطعة إلى عمل فني يحمل جزءًا من قصتهما ويظل مرتبطًا بهما مع مرور السنوات.

  • ما الرسالة التي أردت تقديمها من خلال المشروع؟

أردت أن أثبت أن الحرف الإماراتية قادرة على التطور والحضور في الحياة المعاصرة، من دون أن تفقد أصالتها وروحها. بالنسبة لي، التراث ليس شيئًا ثابتًا، بل مصدر إلهام يمكن إعادة قراءته وتقديمه بطرق جديدة تناسب الحاضر.

ومع تطور المشروع، توسعت رؤيتي لتشمل إلى جانب القطع الفنية، المنتجات والتجارب الإبداعية التي تقرّب الناس من الطين ومن عالم الحرفة، وتمنحهم فرصة لاكتشاف هذا الفن بطريقة أكثر تفاعلاً وشخصية.

  • ما الإحساس الذي تتمنين أن تحمله أعمالك؟

أتمنى أن تمنح أعمالي من يراها أو يقتنيها شعورًا بالدفء والسكينة والانتماء. أحب أن يشعر الشخص بأن القطعة ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما عمل صنع بعناية ويحمل خلفه إحساسًا وفكرة وقصة.

وبالنسبة لي، أجمل ما يمكن أن تحققه القطعة الفنية هو أن تترك أثرًا يتجاوز لحظة اقتنائها، وأن تصبح مع الوقت جزءًا من المكان ومن الذكريات التي تتكون حولها.

  • كيف تتخيلين مستقبل Aisha AlKhyeli Arts؟

أتطلع إلى بناء علامة فنية إماراتية معاصرة يكون لها حضور محلي ودولي، وتستطيع أن تقدم تجربة تجمع بين الأصالة والابتكار. أريد أن يستمر المشروع في التطور، سواء من خلال الأعمال الفنية أو التجارب الإبداعية، مع الحفاظ على ارتباطه بالتراث الإماراتي.

وطموحي الأكبر هو أن تصل هذه الأعمال إلى جمهور أوسع، وأن تساهم في التعريف بجمال الحرف الإماراتية وما تحمله من قصص وهوية، ولكن بلغة فنية حديثة قادرة على التواصل مع العالم.

مسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس