أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقط

خاص - القيّمة الفنية والمقتنية أمل الركابي لـ"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقط

22 مايو 2026

في هذا الحوار الخاص مع Amal Rakibi Gallery، تكشف أمل ركابي، المديرة والقيمة الفنية والمقتنية، عن رؤية تتقاطع فيها الفنون مع القانون، وتمتزج فيها الهوية بالتجربة الشخصية والحس الإبداعي. فمن خلال رحلة مهنية انطلقت من عالم القانون المؤسسي قبل أن تتجه إلى الفن المعاصر، كونت مقاربة خاصة تنظر إلى الفن بوصفه امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية، وليس عالمًا منفصلًا عنها.

ومن خلال تجاربها في العيش والعمل بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والجزائر والكونغو وماليزيا والإمارات، تشكلت لديها نظرة متعددة الثقافات انعكست بوضوح على رؤيتها الفنية وطريقتها في تقديم الفن كخبرة متكاملة تتجاوز حدود العرض التقليدي. فبالنسبة إليها، لا يقتصر الفن على الأعمال المعلقة داخل المعارض، بل يمتد ليصبح جزءًا من المكان والذاكرة وأسلوب العيش.

في هذا الحوار، نتعرف إلى ملامح هذه المقاربة، وإلى الطريقة التي يمكن للفن من خلالها أن يتحول من عمل يشاهد إلى تجربة تعاش بكل تفاصيلها.

خاص- أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقطتتنقلين بين عالمين: القانون المؤسسي والفن المعاصر. كيف تؤثر هاتان الهويتان في رؤيتك اليومية والإبداعية؟

لا أرى القانون والفن كعالمين متعارضين، بل أعتبرهما طريقتين مختلفتين لفهم الطبيعة الإنسانية وتعقيداتها. فقد علمني القانون التنظيم والانضباط ومهارات التفاوض، إضافة إلى كيفية التعامل مع الضغوط بوضوح وتركيز. أما الفن، فمنحني الحدس والإحساس والحرية لاستكشاف المساحات الرمادية بدل السعي الدائم لإيجاد حلول نهائية لها.  أعتقد أن الجمع بين هذين العالمين أسهم في تشكيل نظرتي الحالية إلى الحياة. حتى في الفن، أجد نفسي منجذبة إلى الأعمال التي تحمل توترًا سرديًا وطبقات متعددة من المعاني، وتكشف ما هو أبعد من الظاهر. وربما لأنني آتي من بيئة مؤسسية شديدة التنظيم، أصبحت أقدر أكثر المساحات والتجارب الفنية التي تنبض بالحياة والمشاعر وتحمل عنصر المفاجأة.

خاص- أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقطعشت في بلدان وثقافات متعددة، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والجزائر، والكونغو، وماليزيا، والإمارات. كيف أثرت تجربة الاغتراب والتنقل المستمر في فهمك للجمال والهوية والسرد البصري؟

العيش وسط ثقافات مختلفة غير بشكل عميق علاقتي بمفهوم الهوية. فعندما يتنقل الإنسان باستمرار، يتوقف عن النظر إلى الهوية كشيء ثابت، بل يراها حالة متغيرة ومتطورة باستمرار.  كما جعلتني تجربة الاغتراب أكثر ارتباطًا بفكرة الذاكرة. لم أعد أبحث عن الجمال   “المثالي”، بل أصبحت أنجذب إلى الأماكن والأشياء والأعمال الفنية التي تحمل قصة أو تناقضًا أو حتى قدرًا من الهشاشة الإنسانية.أعتقد أن التنقل يعلم الإنسان كيف يراقب العالم بطريقة مختلفة، إذ يصبح أكثر انتباهًا للتفاصيل والطقوس والتباينات، وحتى للغة العاطفية غير المرئية التي تميز كل مكان. وهذا ينعكس بشكل مباشر اليوم على الطريقة التي أختار بها المساحات والتجارب التي أقدمها وأبنيها بصريًا.

من خلال الغاليري الخاص بك، لا تتعاملين مع الفن كعنصر بصري فقط، بل كتجربة حسية متكاملة. ما هو الشعور أو الأثر الذي تطمحين لتركه لدى الزوار؟
لا أريد أن يكتفي الناس بـ”مشاهدة” الفن، بل أن يشعروا وكأنهم منغمسون داخل عالم كامل، بالنسبة لي، لا يمكن فصل الفن عن المكان، أو الضوء، أو الموسيقى، أو الحوار، أو التصميم، أو الحركة، أو الإحساس. ما يهمني هو خلق تجارب أقرب إلى الطابع السينمائي، مشحونة بالعاطفة، أكثر من كونها مجرد تجارب جمالية. فإذا خرج الزائر وهو يشعر بأنه تأثر، أو استلهم، أو حتى شعر بشيء من الارتباك أو عدم القدرة على تفسير ما اختبره بالكامل، عندها أعتبر أن التجربة نجحت. فغالبًا ما تبقى أقوى التجارب الفنية معنا على المستوى العاطفي طويلًا بعد انتهائها.

بصفتك مقتنية وقيمة فنية، ما الذي يلفتك أولًا في العمل الفني؟

غالبًا ما يكون التفاعل الأول حدسيًا وعاطفيًا قبل أي قراءة فكرية. بعض الأعمال تخلق استجابة جسدية شبه فورية مثل التوتر والصمت او الانبهار. أنا لست مهتمة بالفن الزخرفي بقدر ما يهمني الفن الذي يغير طاقة المكان ويخلق حوارًا داخله. أحب الأعمال التي تقف في المساحة الفاصلة بين الجمال والتوتر، بين الأناقة والاضطراب.

خاص- أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقطكثيرًا ما تتحدثين عن العلاقة بين الفن والتصميم الداخلي. كيف يمكن للفن المعاصر أن يغير هوية وطاقة أي مساحة؟

الفن يغير تمامًا طريقة اختبارنا للمكان. فهو ليس مجرد عنصر يضاف إلى الغرفة، بل يصبح جزءًا من البنية العاطفية للمساحة نفسها. العمل الفني القوي يمكن أن يخلق توترًا، أو دفئا أو غموضًا، أو حتى صمتًا. كما يغير طريقة حركة الناس وتفاعلهم وإحساسهم داخل المكان. أؤمن أن المساحات الداخلية يجب ألا تكون مثالية أو مصطنعة أكثر من اللازم، بل يجب أن تبدو حية. وغالبًا ما يكون الفن هو ما يمنح المكان روحه وشخصيته وعمقه العاطفي.

أصبحت دبي نقطة التقاء عالمية للفن والثقافة. كيف ترين تأثير المدينة على مستقبل الفن المعاصر وثقافة الاقتناء في المنطقة؟

تلعب دبي دورًا فريدًا لأنها تقع عند تقاطع ثقافات وأسواق وتأثيرات إبداعية متعددة. ما يجعلها مدينة مثيرة للاهتمام هو انفتاحها وسرعة إيقاعها، إذ تتيح مساحة للتجريب وبناء سرديات جديدة وتحدي النماذج التقليدية. كما أعتقد أن جيلًا جديدًا من المقتنيين بدأ يظهر في المنطقة، جيل أكثر ارتباطًا بالعاطفة، وأكثر فضولًا، وأكثر اهتمامًا بالعيش مع الفن بدل اعتباره مجرد رمزية اجتماعية. فالمنطقة اليوم أصبحت أكثر ثقة في صياغة لغتها الثقافية الخاصة بدل الاكتفاء بالاعتماد على المؤسسات الغربية كمرجعية.

يجمع عالمكِ بين الفن، التصميم، الضيافة، ونمط الحياة. ما الذي دفعك إلى كسر الحدود التقليدية بين هذه المجالات ودمجها في رؤية واحدة؟

لأنني لم أتعامل يومًا مع الفن كشيء منفصل عن الحياة. بالنسبة لي، الفن حاضر في طريقة عيشنا، واستقبالنا للآخرين، وسفرنا، وتصميم مساحاتنا، وبناء الحوارات، وصناعة الأجواء. بعض أقوى التجارب الفنية تحدث حول طاولة، داخل منزل، خلال عشاء، أو ضمن بيئة مصممة بعناية.أنا مهتمة بالعوالم العاطفية أكثر من التصنيفات. وأعتقد أن الناس اليوم يبحثون عن تجارب غامرة وشخصية وذات معنى، لا عن تقسيمات جامدة بين التخصصات.

انطلاقًا من خلفيتك في القانون والعمل المؤسسي، هل شعرت يومًا بأن عليك الاختيار بين الاستقرار والإبداع، أم أنك كنت تؤمنين دائمًا بإمكانية التعايش بينهما؟
أعتقد أن المجتمع غالبًا ما يقدم الاستقرار والإبداع كخيارين متناقضين، خصوصًا للنساء في مواقع القيادة. لكنني لم أؤمن يومًا بهذا الفصل بشكل كامل. بالتأكيد كانت هناك لحظات من الإرهاق أو الشك. فبناء مسار مهني مؤسسي متطلب إلى جانب تطوير عالم إبداعي يحتاج إلى انضباط وتضحيات. لكنني أؤمن أيضًا أن الإبداع ليس نقيضًا للصرامة، بل يحتاج إليها في كثير من الأحيان.

خاص- أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقطكيف توازنين بين الأمومة، المسؤوليات المهنية، ومشاريعك الفنية والإبداعية دون فقدان شغفك الشخصي؟

بصراحة، لا أؤمن بفكرة “التوازن المثالي”. الحياة تتحرك في مراحل، والأولويات تتغير باستمرار. ما يهمني هو البقاء على اتصال بما يمنحني طاقة حقيقية على المستوى الإبداعي والعاطفي. أطفالي، مهنتي، وعالمي الفني ليست هويات منفصلة تتنافس فيما بينها، بل هي أجزاء من الشخص نفسه. كما تعلمت أن الشغف لا يترك للوقت المتبقي، بل يجب حمايته بوعي. حتى في أكثر فترات عملي المؤسسي ضغطًا، كنت أحرص دائمًا على مساحة للفن والجمال والأفكار والخلق، لأنها ما تبقيني متوازنة داخليًا.


من خلال “Amal Rakibi Gallery”، هل تميلين أكثر لدعم الأسماء المعروفة أم لاكتشاف أصوات فنية صاعدة برؤى جديدة؟
كلاهما يهمني، لكنني متحمسة بشكل خاص للفنانين الذين يملكون بصمة فكرية أو لغة شعورية مختلفة. الفنانون الكبار يضيفون عمقًا وحوارًا مع تاريخ الفن، بينما يقدّم الفنانون الصاعدون حرية ومخاطرة وطاقة مختلفة. ما يهمني في النهاية هو الأثر العاطفي. فأنا أقل اهتمامًا بالاتجاهات، وأكثر اهتمامًا بالأعمال التي تغير الإدراك أو تترك أثرًا لا ينسى.

خاص- أمل الركابي ل"هي": أعيد تعريف الفن كمساحة للعيش لا للمشاهدة فقطحضورك اليوم يحظى باهتمام متزايد في عالم الفن والتصميم ونمط الحياة. كيف تنظرين إلى هذا التقدير، وماذا يعني لك شخصيًا ومهنيًا؟

أراه أقرب إلى “صدى” وليس مجرد “ظهور”.  ما يهمني ليس أن أكون مرئية فقط، بل أن أخلق شيئًا يتفاعل معه الناس على مستوى شعوري. أعتقد أن هذا الاهتمام يأتي من كون عالمي شخصيًا جدًا، وغير مبني على الصيحات أو القوالب الجاهزة.

مهنيًا، يفتح هذا الاهتمام حوارات وفرص تعاون ومساحات لتوسيع الرؤية. أما شخصيًا، فهو     تذكير بأن الناس أصبحوا أكثر انجذابًا إلى الأصالة والعوالم التي تبنى بوعي وهدف.

ما الرؤية أو الأثر الذي ترغبين أن تتركه “Amal Rakibi Gallery” على مشهد الفن والتصميم المعاصر على المدى البعيد؟

أطمح أن تساهم الغاليري في تقديم مقاربة أكثر حسية وواقعية و”معيشة” للفن. ليس الفن كشيء بعيد أو مرعب، بل كجزء متصل بالطريقة التي نعيش بها، اي في المساحات، والعلاقات، والحوار، والحياة اليومية.أتمنى أن تعرف الغاليري ليس فقط بالفنانين الذين تدعمهم، بل بطريقة جديدة للعيش مع الفن، تكون جريئة، متعددة الطبقات، حميمة، وإنسانية بعمق.

مسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس