خاص "هي".. ليندا غراتون تطلق كتابها الجديد Living the 100-Year Life: لا تسألي إن كان الوقت قد فات بل ما الذي يمكنكِ أن تبدئيه اليوم؟
نقضي سنوات طويلة من حياتنا في التخطيط للمستقبل، نرسم مساراتنا المهنية، ونسعى إلى تحقيق طموحاتنا، وننشغل بتلبية مسؤولياتنا اليومية. لكن، وسط كل هذه الخطط، كم مرة نتوقف لنسأل أنفسنا: هل الحياة التي نبنيها اليوم هي فعلًا الحياة التي نرغب في عيشها بعد عشر أو عشرين عامًا؟ وهل نمنح أحلامنا وعلاقاتنا واهتماماتنا الشخصية الاهتمام نفسه الذي نوليه لنجاحاتنا المهنية؟
بالنسبة إلى البروفيسورة ليندا غراتون، أستاذة الممارسات الإدارية، والمديرة الأكاديمية المشاركة لمعهد مؤسسة SARI للعمل والمسارات المهنية الصحة المستدامة في كلية لندن لادارة الأعمال، لا تكمن أهمية الحياة الأطول في عدد السنوات التي نعيشها، بل في الطريقة التي نختار أن نملأ بها هذه السنوات. فبعد نحو عقد على إصدار كتابها الشهير The 100-Year Life، الذي أعاد فتح النقاش حول تأثير ارتفاع متوسط العمر في مستقبل العمل والحياة، تعود غراتون بكتابها الجديد Living the 100-Year Life لتطرح سؤالًا أكثر ارتباطًا بتجربتنا الإنسانية: كيف نبني حياة لا نكتفي بعيشها طويلًا، بل نشعر بالرضا عنها أيضًا؟
في رؤيتها، لم تعد الحياة مسارًا مستقيمًا يبدأ بالتعليم، ويمر بالعمل، وينتهي بالتقاعد. بل أصبحت رحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، يمكننا خلالها إعادة اكتشاف أنفسنا، وتغيير اتجاهاتنا، والبدء من جديد في مراحل عمرية مختلفة. والأهم أن النجاح لا يُقاس بالإنجازات المهنية وحدها، بل أيضًا بالعلاقات التي نحافظ عليها، والصداقات التي نرعاها، والوقت الذي نخصصه لأنفسنا، والمساحة التي نتركها للتعلّم والتجارب الجديدة.
وفي حوار خاص مع "هي"، تتحدث ليندا غراتون عن علاقتنا بالزمن، وعن الخيارات الصغيرة التي قد تُحدث فارقًا كبيرًا في مستقبلنا، ولماذا لا ينبغي للمرأة أن تنظر إلى التوقف المهني أو تغيير المسار باعتباره تراجعًا عن طموحاتها. كما تدعونا إلى التحرر من فكرة أن لكل عمر خيارات محددة، وإلى إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي قد يدفعنا أحيانًا إلى تأجيل ما يمنح حياتنا معناها الحقيقي.
وبين الطموح والمسؤوليات، وبين ما نعيشه اليوم وما نطمح إلى أن نصبح عليه غدًا، تتركنا غراتون أمام سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا: أيّ نوع من الحياة نصنعه بالاختيارات التي نتخذها اليوم؟

في كتاب The 100-Year Life، دعوتم القرّاء إلى التأمل في معنى أن نعيش حياة أطول. أما في كتاب Living the 100-Year Life، فتطرحان سؤالًا أكثر قربًا من التجربة الإنسانية: كيف يمكننا أن نجعل هذه السنوات الإضافية جديرة بأن تُعاش؟ ما الذي تغيّر في طريقة تفكيركِ، ودفعكِ إلى طرح هذا السؤال الجديد؟
عندما ألّفتُ كتاب The 100-Year Life بالاشتراك مع أندرو ج. سكوت، كان السؤال المحوري الذي يشغلنا هو كيف يمكن لطول العمر أن يعيد تشكيل الطريقة التي ننظّم بها مساراتنا المهنية، وشؤوننا المالية، وأوقاتنا. لكنني، منذ ذلك الحين، أصبحت أكثر اهتمامًا بكيفية انعكاس هذه الخيارات على تجربتنا الحياتية من الداخل، وعلى ما نشعر به ونحن نعيشها. فالحياة الأطول تمنحنا مزيدًا من الوقت، غير أن الوقت وحده لا يضمن أن نحسن استثماره أو أن نجد فيه معنى حقيقيًا.
أردتُ أن أطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكننا أن نصوغ حياة لا تقتصر على امتداد سنواتها، بل تتّسم أيضاً بثرائها وعمق التجربة فيها؟ فالسؤال لا يتمثّل ببساطة في: "ماذا سأفعل طوال هذه السنوات الإضافية؟"، بل في سؤال أكثر جوهرية: "أيّ حياة أريد أن أعيشها حقًا؟".
تصفين الحياة الطويلة كنسيج نحيكه من خيوط متعدّدة؛ يرتبط بعضها بالإنجاز والإنتاجية، فيما يتصل بعضها الآخر بالصداقة، والحميمية، والسكينة، وروح المغامرة. برأيكِ، ما الخيوط التي نهملها في أغلب الأحيان، وما الثمن الذي ندفعه مقابل هذا الإهمال مع مرور الوقت؟
أستخدم صورة النسيج لأنها تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى التقدّم في الحياة. فالسُلّم يدعونا إلى النظر نحو الأعلى: ما المنصب التالي الذي نسعى إليه؟ وما الإنجاز الذي نطمح إلى تحقيقه؟ أما النسيج، فيدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة الحياة التي ننسجها لأنفسنا مع مرور الوقت.
تخيّلي الخيوط التي تتداخل في تفاصيل أيامكِ: عملكِ، والأشخاص الذين تحبّينهم، والمعارف والمهارات التي تكتسبينها، والوقت والطاقة اللذين تخصّصينهما لنفسكِ. فهذه الجوانب لا تعيش في مساحات منفصلة؛ إذ قد تقلّص فترة مكثّفة من العمل الوقت المتاح للصداقة أو السكينة، في حين تمنحنا صداقة متينة الشجاعة لخوض تجربة جديدة.
إنّ نسج الحياة بوعي يقتضي أن ننتبه إلى الخيوط التي تزداد متانةً، وتلك التي بدأت تضعف وتصبح أكثر هشاشة. فعندما نمضي في حياتنا بصورة آلية، من دون تأمّل أو مراجعة، يسهل أن تطغى المتطلبات الأكثر إلحاحًا على تلك الجوانب التي تمنح حياتنا التوازن والاستمرارية.
ومن خلال حواراتي مع الآخرين والعمل الذي أقوم به لتشخيص أنماط الحياة وتحدّياتها، ألاحظ أنّ السكينة غالبًا ما تكون من أكثر هذه الخيوط هشاشة. كما تتعرّض الصداقة والحميمية لضغوط متزايدة مع تراكم أعباء العمل ومسؤوليات رعاية الآخرين.
ولا تقتصر كلفة هذا الإهمال على تقلّص الوقت الذي نخصّصه لأنفسنا؛ فهذه الخيوط هي في جوهرها مصادر قوّتنا واستقرارنا. تمنحنا الصداقة الشعور بالانتماء والدعم، وتتيح لنا الحميمية أن نشعر بأنّ هناك من يعرفنا على حقيقتنا ويفهمنا بعمق، فيما تمنحنا السكينة مساحة للتأمّل والتفكير بوضوح. وحين تضعف هذه الخيوط، لا يقتصر أثر ذلك على جانب واحد من حياتنا، بل يمتدّ ليطال سائر جوانبها.
اعتدنا أن ننظر إلى الحياة بوصفها رحلة تمرّ بثلاث مراحل رئيسية: التعليم، والمسيرة المهنية، ثم التقاعد. لماذا لم يعد هذا النموذج كافيًا في ظلّ ارتفاع متوسط العمر المتوقع؟ وكيف يمكن أن تبدو الحياة حين تصبح مساراتها أكثر مرونة وانفتاحًا على التغيير؟
يفترض نموذج المراحل الثلاث أنّنا نتعلّم في سنواتنا الأولى، ثم نواصل العمل بصورة متواصلة طوال مرحلة البلوغ، قبل أن نتقاعد في سنّ محدّدة. لكن هذا التصوّر لم يكن يومًا انعكاسًا دقيقًا لمسارات حياة كثير من النساء؛ إذ غالبًا ما تتداخل متطلبات العمل ومسؤوليات رعاية الأسرة ، وتشهد المسارات المهنية فترات من التوقّف أو الانقطاع، فضلًا عن الحاجة إلى التكيّف مع تغيّر متطلبات الأسرة وظروفها.
ومع امتداد العمر، تتزايد محدودية هذا النموذج، ليس بالنسبة إلى النساء فحسب، بل للجميع. فقد نحتاج، في مراحل مختلفة من حياتنا، إلى اكتساب معارف ومهارات جديدة، أو الإسهام في المجتمع بطرق مختلفة، أو تحمّل مسؤوليات الرعاية، أو إعادة توجيه مساراتنا المهنية والشخصية.
أما الحياة الأكثر مرونة، فهي التي تستوعب هذه التحوّلات وتمنحها مساحة طبيعية، من دون أن تنظر إلى كل فترة توقّف أو تغيير في الاتجاه باعتبارها تراجعًا أو تأخّرًا عن الآخرين. إنها حياة تتيح لنا إعادة ترتيب أولوياتنا، وتغيير خياراتنا، وبدء فصول جديدة كلما اقتضت الظروف ذلك، من دون الشعور بأنّنا خرجنا عن المسار الصحيح.
تجد كثير من النساء أنفسهنّ يستثمرن قدرًا كبيرًا من وقتهنّ وجهدهنّ في مسيرتهنّ المهنية وأسرهنّ، بينما يؤجّلن اهتماماتهنّ الشخصية وصداقاتهنّ وطموحاتهنّ إلى وقت لاحق. كيف يمكننا أن نضمن أن تتيح لنا الحياة التي نبنيها اليوم مساحةً أيضًا لنصبح الشخص الذي نطمح إلى أن نكونه في المستقبل؟
غالباً ما اضطرت النساء إلى التوفيق بين طموحاتهنّ ومتطلبات الحياة المتعددة، وأحيانًا في غياب نماذج ملهمة تُظهر لهنّ المسارات والخيارات الأخرى الممكنة.
لذلك، لن أطلب من النساء أن يصبحن أكثر كفاءة أو أن يسعين إلى تحقيق توازن مثالي بين مختلف جوانب حياتهنّ، بل سأدعوهنّ إلى أخذ ذواتهنّ المستقبلية على محمل الجد. ما الذي تأملين أن تظلّي قادرة على تعلّمه أو الاستمتاع به أو الإسهام فيه في المستقبل؟ وما العلاقات والاهتمامات التي ترغبين في أن تظلّ جزءًا من حياتك مع مرور الوقت؟
قد لا تتمكنين من إحداث تغيير كبير الآن، لكن بإمكانك الحفاظ على خيط يصل بينكِ وبين ما تطمحين إليه: أن تخصّصي وقتًا لصداقة تعني لكِ الكثير، أو أن تحمي ساعة من يومكِ لشيء تحبينه، أو أن تخطي خطوة صغيرة نحو عمل يثير اهتمامكِ. فهذه الخيارات، مهما بدت بسيطة، ليست سوى وعود تقطعينها على نفسكِ، للإنسانة التي ما زلتِ في طور التحوّل إليها.
إذا كنا نعلم أن أمامنا أربعين أو خمسين عاماً أخرى من الحياة، فكيف ينبغي أن يغيّر ذلك نظرتنا إلى الخيارات المهنية، وإعادة اكتشاف الذات، وخوض المخاطر؟ وهل يفوت الأوان حقًا للبدء من جديد؟
بالنسبة إلى كثير من النساء اللواتي يتحمّلن مسؤوليات الرعاية أو مررن بفترة انقطاع عن مسيرتهنّ المهنية، قد تجعلهنّ هذه الاستراحة أو النقلة المهنية الجانبية يشعرن وكأن الطريق قد أُغلق أمامهنّ. لكن امتداد العمر يمنحنا أفقًا مختلفًا؛ فالتجارب التي اكتسبناها والمهارات التي بنيناها يمكن أن ترافقنا وتظلّ رصيدًا نستند إليه في المرحلة التالية من حياتنا.
لا ينبغي للعمر أن يحدّد نوع العمل الذي يمكننا القيام به. فمن الممكن أن تبدئي في الثلاثين أو الستين ببناء مسيرة مهنية متعددة المسارات، أو بإطلاق مشروعكِ الخاص، كما يمكن أن تخوضي تجربة التفرّغ لعام لاكتشاف العالم أو استكشاف اهتمامات جديدة، سواء كنتِ في السابعة عشرة أو الخمسين. يمكننا التحرّر من فكرة أن لكل مرحلة عمرية خيارات محدّدة لا يحقّ لنا تجاوزها.
ولا يعني ذلك أن جميع النساء يتمتّعن بالقدر نفسه من الحرية في خوض المخاطر؛ فالقدرة المالية، ومسؤوليات الرعاية، والدعم المتاح في بيئة العمل، كلها عوامل مؤثّرة. لكن إعادة اكتشاف الذات لا تستلزم بالضرورة خطة كبرى أو تغييرًا جذريًا في الحياة. فكثيرًا ما تبدأ الرحلة بملاحظة أمر يثير اهتمامنا، أو لقاء شخص يجعلنا نتخيّل مستقبلًا مختلفًا، أو خوض تجربة صغيرة تحمل شيئًا من المغامرة. وقد تكون محادثة، أو دورة تدريبية، أو مشروع بسيط كفيلة بأن تكشف لنا ما قد يناسبنا ويفتح أمامنا آفاقًا جديدة.
لذا، فالسؤال ليس: هل فات الأوان؟، بل: ما الإمكانية التي يمكنني استكشافها الآن؟
تعتبرين الصداقة والحميمية والسكينة من الركائز الأساسية لحياة طويلة حافلة بالرضا والمعنى. فلماذا يسهل علينا التضحية بهذه العلاقات والجوانب الهادئة من الحياة لصالح الإنتاجية والإنجاز؟
أعتقد أن التضحية بهذه الجوانب من حياتنا أمر يسهل الوقوع فيه لأنها أقل وضوحاً وملموسية من الإنجازات. فالعمل يرتبط بمواعيد نهائية وأهداف محددة وتوقعات يضعها الآخرون، كما أن مسؤوليات الرعاية والأعباء اليومية اللازمة لاستمرار الحياة تفرض علينا مطالب آنية لا تحتمل التأجيل. أما الصداقة والحميمية والسكينة، فقد تبدو وكأنها أمور يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق.
لكن الصداقة والحميمية والسكينة ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها في رحلة حياة طويلة، بل هي عناصر أساسية تمنحنا القدرة على الصمود ومواصلة المسير وسط التغيّرات. فالصداقة تمنحنا أشخاصًا يعرفوننا على حقيقتنا، بعيدًا عن الأدوار التي نؤديها في الحياة؛ والحميمية تُبقي روابطنا الإنسانية حيّة وتعزّز شعورنا بالتواصل مع الآخرين؛ أما السكينة، فتمنحنا مساحة للإصغاء إلى أفكارنا والتنبّه إلى ما قد يحتاج إلى تغيير في حياتنا.
لسنا مضطرين إلى تغيير حياتنا بين ليلة وضحاها. يمكننا أن نبدأ بخطوة بسيطة، كإجراء مكالمة هاتفية، أو تخصيص بعض الوقت لأنفسنا والحفاظ عليه، أو ابتكار طقس صغير نتشاركه مع شخص نحبه.
لكن السؤال الأعمق هو: كيف يمكننا أن نُشكّل حياتنا وعلاقاتنا وبيئات عملنا على نحو يجعل الاهتمام بهذه الجوانب من ذواتنا جزءاً طبيعياً من الحياة، بدلًا من أن يتحوّل إلى عبء إضافي يُتوقّع من النساء أن يتحمّلن مسؤوليته بمفردهنّ؟
وأنتِ اليوم في العقد السابع من عمركِ، تخوضين هذه التساؤلات ليس بصفتكِ باحثة فحسب، بل من خلال تجربتكِ الحياتية أيضًا. فهل غيّرت كتابة هذا الكتاب نظرتكِ إلى الفصل التالي من حياتكِ؟
نعم، وبدرجة كبيرة. لقد فتحت لي كتابة هذا الكتاب آفاقاً واسعة من التساؤلات التي أجدها جديرة بالاهتمام. وكلما تعمّقت في الكتابة، وأصغيت أكثر إلى تجارب الآخرين، ازداد وضوحًا لديّ أن هذه التساؤلات لا تقتصر على الجانب الشخصي، بل تمتد لتشمل المؤسسات والمجتمع أيضًا. كيف يمكننا أن نتيح للناس مواصلة التعلّم والعطاء والتطوّر طوال مسيرة مهنية أطول؟ وكيف نضمن أن تمنحنا الحياة الأطول فرصًا وإمكانات أوسع، بدلًا من أن تعني ببساطة سنوات إضافية من الضغوط والأعباء؟
وقد قادني ذلك إلى محطة جديدة ومهمة في الفصل التالي من حياتي، تتمثّل في إتاحة الفرصة لي لتولّي منصب المدير الأكاديمي المشارك لمعهد مؤسسة SARI للعمل والمسارات المهنية وطول العمر في كلية لندن لادارة الأعمال، بالشراكة مع الأستاذة هيرمينيا إيبارا.
وسنعمل من خلال هذا المعهد على استكشاف الكيفية التي تعيد بها الحياة الأطول تشكيل عالم العمل والمسارات المهنية، وكيف يمكن للأبحاث أن تساعد الأفراد والمؤسسات وصنّاع السياسات على الاستجابة لهذه التحوّلات والاستعداد لها.
حين تنظرين إلى مسيرتكِ في الحياة، هل هناك ما تتمنّين لو أنكِ منحتِه مزيدًا من وقتكِ أو طاقتكِ في مراحل مبكرة من حياتكِ، سواء أكان علاقة إنسانية، أم اهتمامًا شخصيًا، أم مهارة، أم ببساطة وقتًا تخصّصينه لنفسكِ؟
لا أعتقد أن هناك شيئاً أتمنّى لو أنني فعلته على نحو مختلف. فقد نُسجت حياتي من الخيارات التي اتخذتها، والفرص التي اغتنمتها، والأشخاص الذين أحببتهم، والتجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيتي.
أنا أميل إلى التطلّع إلى الأمام أكثر من الالتفات إلى الوراء. فنسيج الحياة لا يكتمل أبدًا؛ إذ تظل هناك دائمًا أنماط جديدة لننسجها، وخيوط جديدة لنضيفها. وما زلت أشعر بالفضول والشغف لمعرفة ما الذي يحمله لي الفصل القادم من حياتي.
إذا كنتِ توجّهين حديثكِ إلى شخص يشعر بالإنهاك تحت وطأة العمل والأسرة ومسؤوليات الحياة اليومية، فما التغييرات الثلاثة البسيطة التي يمكنه البدء بها اليوم، والتي قد تُحدث فارقًا حقيقيًا في شكل الحياة التي سيعيشها بعد عشر أو عشرين عامًا؟
أولًا، خصّصي بضع دقائق للتأمّل في جوانب حياتكِ التي تستحوذ على النصيب الأكبر من وقتكِ واهتمامكِ، وتلك التي تشعرين بأنها أُهملت. ثم حدّدي جانبًا واحدًا ترغبين في تنميته وتعزيزه.
ثانياً، احرصي على تخصيص وقت منتظم، ولو كان قصيرًا، لهذا الجانب من حياتكِ. قد يكون ذلك محادثة مع صديقة، أو وقتًا للمشي أو القراءة، أو فترة وجيزة تتفرّغين فيها لتعلّم شيء يثير فضولكِ. فالخطوات الصغيرة تكتسب قيمتها الحقيقية من الاستمرارية والمواظبة عليها.
ثالثاً، تحدّثي مع شخص ما عمّا بدأتِ تلاحظينه في حياتكِ. فقد تساعدكِ صديقة مقرّبة، أو شريك حياتكِ، أو زميل تثقين به، على رؤية إمكانات وآفاق جديدة قد يصعب عليكِ اكتشافها بمفردكِ.
إذا كان بإمكانكِ أن تتركي قرّاءنا مع سؤال واحد يطرحونه على أنفسهم كلما واجهوا قرارًا مهمًا، فما السؤال الذي تودّين أن يكون؟
سأطرح عليهم السؤال التالي: أيّ نوع من الحياة سيساعدني هذا الاختيار على نسجه مع مرور الوقت؟