خولة المجيني لـ"هي": المرأة الإماراتية انتقلت من المشاركة في المشهد الإبداعي إلى المساهمة في تشكيله
بين الموهبة والقدرة على تحويلها إلى مسيرة مهنية مستدامة، مساحة تحتاج إلى التعلم والتجربة، وإلى من يمنح الأفكار فرصة للنمو. ومن هذه المساحة، تنطلق خولة المجيني في رؤيتها للعمل الثقافي، حيث يرتبط نجاح المؤسسات بما تتيحه للمبدعين من فرص، وما تساعدهم على تحقيقه من أثر يتجاوز المشاركة في الفعاليات.
في حوارها مع «هي»، تتحدث المجيني عن تحوّل حضور المرأة الإماراتية من المشاركة في المشهد الإبداعي إلى المساهمة في تشكيله، وعن جيل جديد يستلهم حكاياته من التراث ويعيد تقديمها بأدوات معاصرة. كما تسلط الضوء على دور مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والقصص المصورة في تقريب المواهب الشابة من الخبرات العالمية والفرص المهنية، وتشاركنا ما تعلمته عن القيادة وتمكين الآخرين من عملها عن قرب مع سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، ورسالتها إلى كل شابة تتردد في منح موهبتها فرصة الانطلاق.

من خلال تجربتكِ في العمل الثقافي، كيف ترين تطوّر حضور المرأة في المجالات الإبداعية في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما التغيير الأكثر لفتاً لانتباهكِ؟
حين نتحدث عن المجالات الإبداعية، فنحن في الحقيقة نتحدث عن مساحة كانت المرأة دائماً في صميمها؛ لأنها لم تكن يوماً بعيدة عن الحكاية أو الصورة أو الكلمة. لذلك، ما يلفتني اليوم ليس أن المرأة الإماراتية أصبحت أكثر حضوراً، وإنما أن طبيعة حضورها نفسها تغيّرت. انتقلت من أن تكون صاحبة العمل الإبداعي فقط، إلى أن تكون صاحبة المشروع والرؤية والمنصة التي تمنح الآخرين أيضاً فرصة للإبداع.
وهذا بالنسبة إليّ هو التحول الأهم؛ لأننا لم نعد نقيس حضور المرأة بعدد الكاتبات أو الفنانات أو المصممات، بل بما تصنعه من أثر حولها. نراها اليوم تدير مؤسسة ثقافية، وتبني مشروعاً إبداعياً، وتختار برامج، وتقود فرقاً، وتفتح أسواقاً وفرصاً لمبدعين آخرين. أي إنها انتقلت من المشاركة في المشهد إلى المساهمة في تشكيل المشهد نفسه. وهذه مرحلة أكثر نضجاً وأهمية من الاكتفاء باتساع الحضور.
ما أبرز التحديات التي تواجه المبدعات اليوم، خصوصاً عند تحويل الموهبة إلى مسار مهني مستدام؟
ربما أختلف قليلاً مع صيغة السؤال؛ لأن التحدي الأول هنا ليس تحدياً نسائياً، بل تحدي كل موهبة تريد أن تتحول إلى مهنة. أن تكون رساماً موهوباً شيء، وأن تعرف كيف تسعّر عملك، وتحمي حقوقك، وتدير مشروعك، وتبني شبكة علاقاتك، وتفهم السوق وتستمر لسنوات، شيء آخر تماماً. كثير من المبدعين لا تنقصهم الموهبة، وإنما تنقصهم المعرفة بما يحدث بعد الموهبة، وهذه إحدى القضايا الأساسية التي تواجه الصناعات الإبداعية.
أما بالنسبة إلى المرأة الإماراتية، فأعتقد أن التحدي تغيّر هو الآخر. نحن لم نعد في مرحلة إثبات أن المرأة قادرة؛ فقد أثبتت ذلك في مجالات يصعب حصرها. التحدي اليوم هو: ماذا ستفعل بكل هذه الفرص؟ وكيف تحول نجاحها إلى مسيرة، ومسيرتها إلى مشروع، والمشروع بدوره إلى أثر؟ ارتفاع سقف الفرص يعني أيضاً ارتفاع سقف التوقعات والمنافسة، ولذلك أرى أن الاستدامة أصبحت أهم من مجرد الوصول.
ما الذي يضيفه الجيل الجديد إلى المشهد الفني والثقافي؟ وهل تلمسين اختلافاً في القضايا التي يطرحها وطرق التعبير عنها؟
لا يبدأ أي جيل من الصفر، وإنما يأخذ شيئاً ممن سبقه، ثم يعيد النظر فيه بعيونه وأدواته. وهذا ما يثير اهتمامي في الجيل الإماراتي الجديد؛ فهو يستمد من تراثه وتاريخه رصيداً غنياً من الحكايات والأفكار، ويعيد تقديمه برؤيته وأدواته المعاصرة، لتتحول تلك الحكايات إلى رواية مصورة، أو فيلم تحريك، أو لعبة، أو شخصية، أو عالم بصري جديد. وهكذا، يبقى الماضي حاضراً في إبداعنا، لا بوصفه جزءاً من ذاكرتنا فحسب، بل مصدراً نستلهم منه ما نصنعه للمستقبل.
ولهذا أعتقد أن الاختلاف الحقيقي ليس في القضايا التي يطرحها هذا الجيل فقط، وإنما في طريقة التفكير في العمل الإبداعي نفسه. الشاب اليوم قد يبدأ بفكرة، والأفكار مهمة نعم، ولكن على صاحب الفكرة ألا يسأل فقط: ماذا سأقول؟ بل: بأي وسيلة سأقوله؟ قد تبدأ الفكرة نصاً وتنتهي فيلماً أو قصة مصورة أو تجربة رقمية. وهنا يبرز التحدي في اعتقادي؛ من الممكن أن تكون ترجمة الفكرة إلى قصة مصورة أقوى تأثيراً من تحويلها إلى كتاب مقروء، وقد يكون اختبارها ككتاب ثم قصة مصورة أسهل للوصول إلى شاشات السينما، بحيث تكون المراحل السابقة "حقل تجارب" لمدى إقبال الجمهور عليها. وهذا ما نجده واقعاً في الكثير من القصص التي تحولت إلى أفلام سينمائية.
كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تمنح الشباب مساحة للمشاركة في تصميم البرامج وصناعة المحتوى، إلى جانب حضور الفعاليات؟
أعتقد أن دور المؤسسات الثقافية اليوم يتجاوز تقديم البرامج للجمهور، إلى خلق فرص حقيقية للشباب ليكونوا جزءاً من هذه البرامج ومن القرارات التي تشكّلها. وهذا يتطلب أن نستمع إليهم، ونفهم اهتماماتهم، ونمنحهم مساحة لتقديم أفكارهم وتجربتها وتحويلها إلى مشاريع فعلية.
في مجال الرسوم المتحركة والقصص المصورة تحديداً، هناك مواهب كثيرة لا تحتاج فقط إلى منصة تعرض أعمالها، بل إلى بيئة تساعدها على التطور، والتواصل مع أصحاب الخبرة، والتعرّف إلى الفرص المهنية المتاحة أمامها. لذلك، من المهم أن تتيح المؤسسات مساحات للتجريب، ومختبرات لتطوير الأفكار، وفرصاً يشارك الشباب من خلالها في تصميم المحتوى وتنفيذه.
وبالنسبة لنا، لا تقتصر أهمية هذه المشاركة على إشراك الشباب في الفعاليات، بل تمتد إلى بناء مجتمع إبداعي يستطيع أفراده أن يتعلموا من بعضهم، ويطوّروا أفكارهم، ويجدوا طريقهم إلى الصناعة. فالمؤسسة تنجح عندما لا تكون مجرد مساحة يلتقي فيها المبدعون، بل نقطة انطلاق تساعدهم على تحويل شغفهم إلى فرص ومشاريع حقيقية.

من خلال مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والقصص المصورة، كيف يمكن لمثل هذه المنصات أن تساعد المواهب الشابة على تطوير مهاراتها، والتواصل مع خبرات عالمية، وتحويل شغفها إلى فرص مهنية حقيقية؟
نقول دائماً إن الشغف بداية رائعة، لكنه لا يكفي لبناء مهنة. بين الشاب الذي يحب الرسوم المتحركة وبين المحترف الذي يستطيع أن يعيش من موهبته مسافة يتخللها تدريب وممارسة ونقد وعلاقات ومعرفة بالصناعة والسوق. وهذه تحديداً من أهم ما نعمل عليه في مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والقصص المصورة، بأن نختصر هذه المسافة، ونضع الموهبة الشابة في احتكاك مباشر مع الخبرات العالمية، لا بوصفها متفرجة عليها وإنما متعلمة ومحاورة لها.
وهذه الفكرة تنتمي إلى مشروع الشارقة الثقافي؛ فمن خلال رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتوجيهات سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، تعلمنا أن الثقافة لا تُبنى بالفعاليات وحدها، بل ببناء الإنسان والمنظومة معاً. وفي هيئة الشارقة للكتاب ننظر إلى المؤتمر بهذه الروح؛ بوصفه مجتمعاً للإبداع، يضم ورشاً وخبرات ولقاءات وعلاقات مهنية وفرصاً تجعل المبدع يفهم كيف تتحول الفكرة إلى مشروع. نحن لا نريد للشاب أن يغادر المؤتمر أكثر حماساً فقط، بقدر ما نريده أن يغادر أكثر قدرة وإنتاجية.
مع تطوّر مجالات الرسوم المتحركة والقصص المصورة والسرد الرقمي، ما الذي تسعون إلى تقديمه من خلال المؤتمر لدعم الجيل الجديد من المبدعين وتعزيز حضور هذه الصناعات في المنطقة؟
يشهد قطاع الرسوم المتحركة والقصص المصورة تحولات متسارعة، لا تقتصر على تطور أدوات الإنتاج، بل تشمل أيضاً طرق التعلم والتعاون والوصول إلى الجمهور. وهذه التحولات تفتح أمام المبدعين الشباب فرصاً أوسع لتطوير مهاراتهم وأعمالهم وبناء حضورهم في الصناعة.
ومن خلال المؤتمر، نريد أن نقرّب هذه الفرص من المبدعين في منطقتنا. لذلك نجمع بين التعلم المباشر من فنانين وخبراء عالميين، والتجارب العملية التي تتيح للمشاركين تطوير مهاراتهم، والمساحات التي تمنحهم فرصة عرض أعمالهم وبناء علاقات مهنية مع العاملين في الصناعة.
ومع إضافة القصص المصورة وإطلاق السوق المتخصص هذا العام، نوسّع نطاق هذه الفرص لتشمل مجالات جديدة من التعاون والإنتاج. ما يهمنا هو أن يغادر المبدع المؤتمر ليس فقط بأفكار جديدة، بل بمعرفة اكتسبها، وعلاقات بناها، وفرص يستطيع أن يواصل العمل عليها بعد انتهاء الحدث.
كيف غيّرت المنصات الرقمية فرص ظهور المواهب النسائية والشابة؟ وما الذي تحتاج إليه هذه المواهب لتحويل الانتشار إلى أثر ثقافي مستمر؟
أحدثت المنصات الرقمية تحولاً مهماً في فرص ظهور المواهب النسائية والشابة، إذ أتاحت للمبدعين تقديم أعمالهم مباشرة إلى الجمهور، وبناء مجتمعات مهتمة بما يقدمونه، والوصول إلى فرص للتعاون تتجاوز الحدود الجغرافية. والأهم أنها منحت الكثير من الأصوات الإبداعية مساحة أكبر للتعبير عن نفسها، وتقديم قصصها وتجاربها بأساليبها الخاصة.
لكن الوصول إلى الجمهور لا يعني بالضرورة بناء حضور مستدام. فالانتشار قد يحقق شهرة سريعة، بينما يتطلب الأثر الثقافي عملاً متواصلاً، ومحتوى أصيلاً، وهوية إبداعية واضحة تتطور مع الوقت. كما تحتاج المواهب إلى فرص للتعلم والتطوير، وشبكات مهنية تساعدها على تحويل نجاحها الرقمي إلى أعمال ومشروعات قادرة على الاستمرار.
وأعتقد أن دور المؤسسات والمنصات الثقافية اليوم لا يقتصر على اكتشاف المواهب أو تسليط الضوء عليها، بل يمتد إلى مساعدتها على بناء مسيرتها المهنية. فالنجاح الحقيقي ليس فقط في عدد الأشخاص الذين يشاهدون عملاً إبداعياً، بل في قدرته على التأثير، وفتح آفاق جديدة لصاحبه، والبقاء في ذاكرة الجمهور.
على المستوى الشخصي، ما التجربة التي شكّلت رؤيتكِ للقيادة في العمل الثقافي والإبداعي؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها إلى شابة تمتلك موهبة، لكنها تتردد في اتخاذ خطوتها الأولى؟
من أكثر التجارب التي أثّرت في رؤيتي لدور القائد عملي عن قرب مع سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب. فقد أتاحت لي هذه التجربة أن ألمس كيف يجمع القائد بين الرؤية الطموحة والقدرة على تمكين فريقه، من خلال منحه الثقة والمساحة للمبادرة وتحويل الأفكار إلى واقع. وتعلمت من سموها أن القيادة لا تُقاس بالقرارات التي نتخذها والإنجازات التي نحققها فحسب، بل أيضاً بالأثر الذي نتركه في الآخرين، وبالفرص التي نمنحهم إياها لاكتشاف قدراتهم، وتطوير إمكاناتهم، وتحمل مسؤوليات أكبر.
أما رسالتي إلى كل شابة تمتلك موهبة وتتردد في اتخاذ خطوتها الأولى، فهي ألا تنتظر حتى تشعر بأنها مستعدة تماماً، فالكثير من الخبرات والمهارات نكتسبها من خلال التجربة ومواجهة التحديات. والإيمان بالموهبة مهم، لكن الأهم هو منحها الفرصة للنمو والتطور، والاستفادة من خبرات الآخرين، والتحلي بالشجاعة لخوض تجارب جديدة. فقد لا تقودنا الخطوة الأولى مباشرة إلى ما نطمح إليه، لكنها تمنحنا خبرات وتفتح أمامنا فرصاً لم نكن لنكتشفها لو لم نبادر.