رأس المال الاجتماعي: كيف تصنع العلاقات المهنية فارقاً في سوق العمل؟
تتطلب المنافسة في سوق العمل الحديث تطوير مزيج متوازن من المهارات الشخصية والتقنية والقيادية التي تعزز حضور المرأة وقدرتها على التقدم المهني. ومن هذه المهارات الأساسية التي يجب التركيز عليها بناء الشبكات المهنية Networking وتوسيع دائرة العلاقات المهنية وحضور الفعاليات للتعرف على فرص جديدة ومتبادلة.
إن شبكة العلاقات المهنية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي المحرك الأساسي للتمكين والتقدم المهني للمرأة في سوق العمل الحديث. كما أن توسيع دائرة العلاقات وحضور الفعاليات يمنح المرأة مزايا استراتيجية تسهم بشكل مباشر في تخطي التحديات التقليدية وتحقيق التطور المستدام من خلال اكتشاف سوق الوظائف، والعثور على الموجهين والرعاة، وتعزيز الحضور الرقمي والواقعي والحصول على الدعم النفسي والتمكين الجماعي.
اكتشاف "سوق الوظائف الخفي"

تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الوظائف المرموقة والقيادية لا يتم الإعلان عنها علناً؛ بل تُسند عبر التزكيات والترشيحات الداخلية. وبالتالي فإن حضور الفعاليات والمناسبات يتيح للمرأة معرفة التوجهات الجديدة في الشركات والوظائف الشاغرة قبل طرحها للعامة. ثم عندما يبني أصحاب القرار ثقة مهنية مع المرأة في شبكات التواصل، يصبحون أكثر ميلاً لتزكيتها عند ظهور فرص تناسب مؤهلاتها.
العثور على "الموجهين" و"الرعاة المهنيين"

ثمة فرق جوهري بين الموجه والراعي، والشبكات المهنية هي البيئة الخصبة لإيجاد الاثنين. فالتوجيه يوفر للمرأة نصائح استراتيجية حول كيفية التعامل مع التحديات المهنية، وتطوير المهارات، وتجنب الأخطاء الشائعة. أما الرعاية المهنية فالراعي هو شخص ذو نفوذ داخل المؤسسة أو القطاع، يتحدث نيابة عن المرأة في "الغرف المغلقة" ويدفع باسمها نحو الترقيات والمشاريع الكبرى.
تعزيز الحضور والظهور الرقمي والواقعي

لا شك أن التميز في الأداء وحده لم يعد كافياً؛ بل يجب أن يصاحبه "ظهور ذكي". وذلك من خلال بناء الهوية المهنية والمشاركة في النقاشات خلال الفعاليات أو عبر منصات مثل LinkedIn تجعل كفاءة المرأة مرئية لرواد الأعمال والمستثمرين. أيضًا كسر الصور النمطية بالتواجد الفعّال للمرأة في المحافل المهنية يعزز صورتها كعنصر قيادي ومؤثر في قطاعها.
خلق فرص المنفعة المتبادلة

يشير معظم خبراء التوظيف إلى أن الشبكات المهنية الناجحة تقوم على تبادل القيمة وليس المصلحة الفردية. فقد تلتقي المرأة بزميلات أو شركاء لتأسيس مشاريع مشتركة أو التعاون في مبادرات تدعم تمكين المرأة. كما قد توفر هذه الشبكات منصة لتبادل الأفكار، والتعرف على أفضل الممارسات في مجالات العمل المختلفة، والاطلاع على أحدث التقنيات.
الدعم النفسي والتمكين الجماعي

مشاركة النساء في شبكات مهنية نسائية أو مختلطة تمنحهن شعوراً بالدعم الفكري والنفسي. كما أن مناقشة التحديات المشتركة مثل تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، أو فجوة الأجور تساعد في إيجاد حلول جماعية مبتكرة. كذلك رؤية نساء أخريات يتقلدن مناصب قيادية يرفع من سقف طموح المرأة ويزيد من ثقتها في قدرتها على الوصول لنفس المكانة.
فالاستثمار في بناء العلاقات ليس رفاهية، بل هو رأس مال اجتماعي ومهني يختصر للمرأة سنوات من المحاولة والخطأ، ويفتح أمامها أبواباً قد تظل مغلقة بدونه.
عقبات وحلول

ثمة عقبات قد تعترض طريقك في بناء الشبكات المهنية. وعلى رأس هذه العقبات: الخجل وضيق الوقت وقلة الفعاليات. وهي التحديات الأكثر شيوعًا التي تواجه المهنيين، وخاصة النساء، عند البدء في بناء شبكة علاقاتهن المهنية.
وثمة استراتيجيات عملية ومجربة لتفكيك كلٍ من هذه العقبات وتحويلها إلى نقطة انطلاق. فعقبة الخجل والرهبة الاجتماعية أو إذا كنتِ شخصية خجولة أو انطوائية، فإن سر النجاح يكمن في التحضير المسبق والتركيز على الجودة لا الكمية. ولعلمك فإن الانطوائيبن يبدعون في اللقاءات الفردية مقارنة بالمجموعات الكبيرة. فاستخدمي منصة LinkedIn للتواصل مع شخص واحد تثير مسيرته إعجابكِ، واطلبي منه "مقابلة استشارية قصيرة" لمدة 15 دقيقة عبر زووم.
أو عند حضورك فعالية واقعية، لا تضعي هدفًا بالتعرف على القاعة بأكملها. حددي هدفًا بسيطًا: "سأتحدث مع 3 أشخاص فقط اليوم ثم يمكنني المغادرة". هذا يرفع عنكِ الضغط النفسي. وجهّزي خطاب المصعد Elevator Pitch واحفظي تعريفاً مختصراً ومشوقاً عن نفسكِ لا يتجاوز 30 ثانية (من أنتِ، ماذا تفعلين، وماذا تطمحين إليه). حيث إن وجود نص جاهز في عقلكِ يقلل من التوتر بشكل كبير. ثم اطرحي الأسئلة ودعي الطرف الآخر يتحدث فالناس يحبون التحدث عن أنفسهم. بدلاً من التفكير في "ماذا سأقول؟". فجهزي أسئلة ذكية مثل: "ما هو أكبر تحدٍ يواجه قطاعنا اليوم برأيك؟". أو "كيف بدأتِ رحلتكِ في هذا المجال؟".
إدارة ضيق الوقت

بناء العلاقات لا يتطلب ساعات طويلة أسبوعيًا؛ بل يتطلب الاستمرارية والذكاء في دمج التواصل مع روتينكِ الحالي. فمثلاً خصصي 15 دقيقة فقط يومياً أو ساعة واحدة نهاية الأسبوع لتصفح LinkedIn. وتفاعلي مع منشورات زملائكِ في المجال، واكتبي تعليقاً قيماً، أو شاركي مقالاً مفيداً. هذا يبقيكِ "مرئية" دون استهلاك وقتكِ.
كذلك استغلي أوقات الغداء أو القهوة في العمل للتعرف على أشخاص من أقسام أخرى داخل شركتكِ. وهذا يسمى Internal Networking وهو لا يتطلب وقتاً إضافياً خارج ساعات العمل. وإذا التقيتِ بشخص ما، أرسلي له رسالة شكر قصيرة في نفس اليوم. فالحفاظ على علاقة قائمة أسهل بكثير ويأخذ وقتاً أقل من بناء علاقة جديدة من الصفر.
محيط فقير

إذا كان مجالكِ يفتقر للأنشطة على أرض الواقع، أو كنتِ تعيشين في منطقة تقل فيها المؤتمرات واللقاءات والأمسيات العامة، اصنعي بيئتكِ بنفسكِ رقمياً. فانضمي إلى مجموعات LinkedIn التخصصية، ومجتمعات Slack، أو إلى منصات مثل Clubhouse وX. حيث تُعقد مساحات صوتية ونقاشات دورية بين المحترفين في مجالكِ.
واحرصي على حضور الويبنارات Webinars بفاعلية. فعند حضور ورشة عمل أو ندوة عبر الإنترنت كـZoom، لا تكوني مستمعة صامتة. بل شاركي في خانة التعليقات Chat، واطرحي أسئلة على المحاضر، وضعي رابط حسابكِ على LinkedIn لتتواصلي مع الحاضرين الآخرين. كذلك بادري بالتنظيم إذا لم تجدي فعاليات، فبادري بدعوة 4 أو 5 زميلات في نفس المجال لـ"جلسة عصف ذهني" أو قهوة افتراضية عبر الإنترنت لمناقشة كتاب في مجالكن أو ظاهرة جديدة في السوق. المبادرة تضعكِ تلقائياً في موقف القيادة والتميز.
واعلمي أن علاقة مهنية واحدة متينة ومبنية على الاحترام المتبادل وتبادل القيمة، أفضل بكثير من مئات كروت العمل أو المتابعات الوهمية التي لا طائل منها. ابدئي بخطوات صغيرة تناسب طبيعتكِ ووقتكِ.
الصور من pinterest