خاص "هي": العيد في زمن الـFOMO… كيف سرقت المقارنة متعة الإجازات؟
مع اقتراب عطلة عيد الأضحى، تبدو الصورة مثالية على وسائل التواصل الاجتماعي: مطارات مزدحمة، حقائب سفر فاخرة، وجهات أوروبية ومنتجعات استوائية تتكرر في كل زاوية رقمية. لكن خلف هذه الصور اللامعة، تعيش كثير من العائلات تجربة مختلفة تماماً؛ تجربة يختلط فيها الشعور بالمسؤولية المالية مع ضغط المقارنة الاجتماعية، والخوف من أن تكون العائلة “تفوّت” شيئاً ما.
فالعيد، الذي يُفترض أن يكون مساحة للراحة والتواصل العائلي، أصبح لدى البعض موسماً مثقلاً بالتوقعات. ليس فقط بسبب تكاليف السفر المرتفعة، بل أيضاً بسبب الضغط النفسي الناتج عن رؤية الآخرين يعيشون تجارب تبدو أكثر إثارة وكمالاً.
بحسب الدكتورة ريتا فيغيريدو Rita Figueiredo، الأخصائية في علم النفس السريري والمديرة الإدارية لمركز Peninsula Psychology، فإن هذا النوع من القلق أصبح يتكرر بشكل واضح داخل العائلات خلال مواسم الإجازات الطويلة، خصوصاً في بيئة سريعة الإيقاع مثل الإمارات، حيث ترتبط المناسبات غالباً بصورة "الاحتفال الكبير" والسفر والتجارب الاستثنائية.

عدم السفر في العيد… قرار عملي أم عبء نفسي؟
توضح الدكتورة ريتا أن كثيراً من العائلات لم تعد تختار عدم السفر لأسباب مالية فقط، بل أيضاً بسبب تصاعد التوترات العالمية، فقد باتت فكرة السفر نفسها مرتبطة لدى البعض بالقلق أكثر من الراحة.
لكن المشكلة لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في المعنى النفسي الذي يُعطى له. فعندما يشعر الأهل أن البقاء في المنزل "تضحية مفروضة" وليس خياراً واعياً، يبدأ الإحساس بالخسارة بالتسلل تدريجياً. وهنا يظهر ما يُعرف نفسياً بـ"الخوف من فوات التجارب" أو الـFOMO، حيث تتحول صور الآخرين إلى مصدر للتشكيك الداخلي: هل اتخذنا القرار الصحيح؟ هل حرمنا أبناءنا من ذكريات جميلة؟ هل أصبحنا أكثر حذراً من اللازم؟
الأطفال.. المقارنة تنتقل إلى داخل المنزل
الضغط لا يبقى خارج المنزل طويلاً. فالأطفال، بطبيعتهم، يلتقطون أحاديث أصدقائهم ومحتوى وسائل التواصل بسرعة كبيرة. وبين رحلة إلى "ديزني لاند" وصور المنتجعات الصيفية، يعود السؤال إلى طاولة الطعام بطريقة مباشرة وصادقة: "لماذا لا نسافر نحن أيضاً؟". ورغم براءة السؤال، قد يشعر الأهل بثقل عاطفي كبير تجاهه، خصوصاً إذا كانوا يحاولون أصلاً إدارة ضغوط مالية أو نفسية معقدة. وهنا تبدأ دائرة الشعور بالذنب، إذ يربط بعض الآباء والأمهات بين قدرتهم على توفير السفر وبين قيمتهم كأهل ناجحين أو "كافين".
لكن الواقع النفسي مختلف تماماً!

الذاكرة العاطفية أهم من الوجهة
في علم النفس التنموي، لا ترتبط ذكريات الأطفال الأكثر رسوخاً غالباً بالمكان، بل بالشعور. الشعور بالأمان، والاهتمام، والوجود الحقيقي مع العائلة. قد تتحول ليلة بسيطة لصناعة الحلوى في المنزل، أو جلسة ألعاب عائلية، أو حتى رحلة قصيرة داخل الإمارات، إلى ذاكرة أكثر دفئاً وتأثيراً من رحلة مكلفة إلى الخارج.
وتشير الدكتورة ريتا إلى أن المشكلة الأساسية اليوم ليست في "البقاء" بحد ذاته، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى هذا القرار. فحين يتم التعامل مع الإجازة المحلية كخيار ناقص، تنتقل هذه المشاعر تلقائياً إلى الأطفال. أما عندما تُقدَّم كفرصة مختلفة للتواصل والهدوء واكتشاف تفاصيل جديدة داخل الدولة، تتغير التجربة النفسية بالكامل.
وسائل التواصل… المقارنة التي لا تنتهي
ربما أصبح الضغط الرقمي اليوم أحد أكبر مصادر الإرهاق النفسي خلال المواسم والأعياد. فوسائل التواصل لا تعرض الحياة كما هي، بل كما يريد الآخرون أن تبدو. لحظات منتقاة بعناية، تُخفي خلفها ضغوطاً مالية وتعباً ومشاكل لا تظهر في الصورة.
لهذا، تنصح الدكتورة ريتا بضرورة وضع حدود صحية للاستهلاك الرقمي خلال العطلات، خصوصاً إذا كانت بعض الحسابات أو المحتويات تثير مشاعر النقص أو القلق أو الندم. فحماية المساحة النفسية للعائلة لا تقل أهمية عن حماية استقرارها المالي.
كيف تعبر العائلات عطلة العيد بسلام نفسي؟
تؤكد الدكتورة ريتا أن البداية تكون عبر ممارسة التعاطف مع الذات، والتوقف عن ربط قيمة العائلة بما تستهلكه أو تنفقه خلال العيد. ومن الخطوات التي تساعد على تخفيف الضغط النفسي خلال الإجازة:
- تقليل المقارنة الرقمية ووضع حدود لاستخدام وسائل التواصل.
- التعامل مع مشاعر الأطفال بتفهّم بدلاً من الدفاعية أو التبرير المفرط.
- خلق طقوس عائلية بسيطة لكن ذات معنى.
- إعادة اكتشاف البلد الذي تعيش فيه من خلال "مغامرات صغيرة".
التركيز على جوهر العيد كمساحة للامتنان والتواصل والراحة، لا كموسم للاستهلاك والاستعراض.
العيد ليس سباقاً
في النهاية، قد تكون أكبر هدية تقدمها العائلة لأفرادها اليوم هي الشعور بالأمان النفسي، لا عدد الرحلات أو الصور المنشورة على الإنترنت. فوسط عالم يربط السعادة دائماً بالمزيد، ربما تصبح القدرة على الاكتفاء، والهدوء، والحضور الحقيقي مع من نحب، شكلاً نادراً من الرفاهية العاطفية.
وفي عيد يبدو فيه الجميع منشغلين باللحاق بما يفعله الآخرون، قد يكون القرار الأكثر شجاعة هو أن تختار العائلة ما يناسبها فعلاً… بعيداً عن ضغط المقارنة.