لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين: غريزة إنسانية طبيعية.. لكن علم النفس يجيب
لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟ سؤال عميق حول سلوك إنساني شائع جدًا بيننا. ما دفعني إلى البحث وراء هذا السلوك من منظور علم النفس.
وبما أن علم النفس يقدم عدة تفسيرات، تشتمل على عوامل تطورية ومقارنات متفاوتة، ولا ننسى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه المقارنات في عصرنا الحالي.
لذا سأجيب على هذا السؤال مع ربطه بأمثلة حياتية؛ على سبيل المثال: "كيف نقارن أنفسنا بمن نعتقد أنهم أفضل (مقارنةًّ لأعلى) أو أسوأ (لأسفل)، وكيف يؤثر ذلك على تقدير الذات؟.
من هذا المنطلق، دعينا نتعرف معًا عبر موقع "هي" على الإجابة من منظور علم النفس؛ بناءً على توصيات استشارية الطب النفسي الدكتورة لبنى عزام من القاهرة.
الأسباب الأساسية للمقارنة الاجتماعية

ووفقًا للدكتورة لبنى عزام، نظرية المقارنة الاجتماعية لعالم النفس ليون فيستنغر (1954) هي الأكثر شيوعًا والنظرية الرائدة لتفسير أسباب مقارنة أنفسنا بالآخرين، والتي تُشير إلى التالي:
- الحاجة للتقييم الذاتي: عندما لا تتوفر معايير موضوعية، نلجأ لمقارنة أنفسنا بالآخرين لمعرفة مدى قدراتنا وآرائنا.
- الدافع للتحسين: نريد أن نعرف أين نقف لنحدد أهداف التطور الشخصي.
- البحث عن الأمان النفسي: المقارنة تؤكد لنا أن مشاعرنا وتجاربنا "طبيعية".
أما عن الآليات التطورية لنظرية عالم النفس ليون فيستنغر ( المقارنة الاجتماعية) فكانت ضرورية للوصول إلى التالي:
- تحديد المكانة الاجتماعية: معرفة موقعنا في التسلسل الهرمي للجماعة.
- تقييم التهديدات والفرص: فهم من هم أقوى أو أضعف منا.
- تجنب العزلة: التأكد من أننا ضمن معايير المجموعة.
أما وجهة نظر العالم النفسي ليون فيستنغر فكانت مرتبطة بأنواع المقارنات النفسية من خلال الأمثلة التالية:
المقارنة التصاعدية.. مع الأفضل
- تأثير سلبي: قد تُسبب الإحباط، تدني تقدير الذات، والحسد.
- تأثير إيجابي: قد تحفز على التطور وتحسين الأداء.
المقارنة التنازلية.. مع الأسوأ
تأثير إيجابي: تُعزز الثقة بالنفس والشعور بالامتنان.
تأثير سلبي: قد تؤدي إلى الغرور أو الرضا السلبي.
أما العوامل النفسية المؤثرة التي توصلت إليها نظرية المقارنة الاجتماعية فهي كالتالي:
-
تقدير الذات
يميل الأشخاص ذو التقدير "المنخفض لأنفسهم" إلى المقارنات التصاعدية المتكررة؛ والتي قد تؤدي إلى دورة سلبية من انخفاض تقدير الذات.
-
الكمالية العصابية
يجعل السعي للكمال الشخص يبحث باستمرار عن "معايير" لمقارنة نفسه بها، ما يؤدي إلى الإحساس الدائم بالنقص رغم الإنجازات.
-
القلق الاجتماعي
يزيد الخوف من الرفض حدّة المقارنات، والتركيز المفرط على آراء الآخرين.
أما عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي من وجهة نظرعلم النفس القديم (نظرية المقارنة الاجتماعية)، فهي:
- واجهات مثالية غير واقعية: نرى النسخة المعدلة من حياة الآخرين.
- زيادة فرص المقارنة: مليارات الصور والقصص للمقارنة.
- تأثير الفرصة/الخسارة: نرى إنجازات الآخرين من دون رؤية إخفاقاتهم.
وبالنسبة للآثار النفسية السلبية للمقارنة المفرطة فهي:
- الاكتئاب والقلق: الشعور الدائم بعدم الكفاية.
- الإرهاق النفسي: استنزاف الطاقة العقلية.
- اضطرابات الأكل: خاصة عند مقارنة المظهر الجسدي.
- الشعور بالفشل المهني: حتى مع وجود نجاحات موضوعية.
- تآكل العلاقات: تحويل الآخرين لمنافسين بدلًا من داعمين.
لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين.. من وجهة نظر علم النفس الحديث

وتابعت دكتور لبنى، تمثل المقارنة الاجتماعية اليوم محورًا بحثيًا حيويًا في علم النفس الحديث، وقد تطورت النظرية الأصلية إلى إطار أكثر تعقيدًا يتوافق مع تعقيدات الحياة المعاصرة. فالرؤية الحديثة تتبنى منهجيات متقدمة وتكشف الآليات العصبية، ما يسمح بفهم دقيق للظاهرة وبتطوير تدخلات علاجية مخصصة.
وكما تعرفنا سلفًا أن فهم جذور هذه الظاهرة علميًا يعود إلى نظرية ليون فيستنغر (1954)، التي افترضت وجود دافع فطري لدى البشر لتقييم آرائهم وقدراتهم، خاصة في غياب معايير موضوعية، من خلال مقارنة أنفسهم بالآخرين.
ومع ذلك، تجاوز علم النفس الحديث هذه النظرة المبسطة، معترفًا بأن المقارنة الاجتماعية ليست جيدة أو سيئة بذاتها، بل تعتمد نتائجها على سياقها والآليات النفسية الوسيطة. فقد توسعت النظرية لتشمل دوافع متعددة، مثل تعزيز الذات، وتوسعت لدراسة أنواع مختلفة من المقارنات (الصاعدة والهابطة) وآثارها المعقدة؛ وتشتمل على التالي:
التحول في مناهج البحث نحو التعقيد
أبرز تطورات علم النفس الحديث في هذا المجال هو التحول في منهجية البحث؛ من خلال التالي:
- الانتقال من الدراسات المقطعية: اعتمدت الأبحاث السابقة بشكل كبير على الدراسات المقطعية (Cross-sectional)، التي تلتقط صورة واحدة في وقت محدد، ما يجعل من الصعب فهم مسارات السببية والآليات الدقيقة للظاهرة.
- تبني المنهجيات الديناميكية: تتجه الأبحاث الحديثة نحو استخدام أساليب التقييم المكثف، مثل "التقييم البيئي اللحظي" (Ecological Momentary Assessment)، الذي يتتبع المقارنات في الوقت الفعلي داخل بيئة الفرد الطبيعية. هذا يكشف تقلبات المقارنات وتأثيراتها قصيرة وطويلة المدى التي تختلف من شخص لآخر. وهذا يفسر سبب شعور شخصين مختلفين بالضغط أو التحفيز بعد مقارنة أنفسهما بنفس النموذج.
الرؤية العصبية والدماغية (Neuroscience)
تكشف أبحاث علم الأعصاب الحديثة الأساس البيولوجي للمقارنة الاجتماعية. إذ تُشير إحدى الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب والقلق الاجتماعي يُظهرون نشاطًا متزايدًا في شبكة الوضع الافتراضي للدماغ (Default Mode Network - DMN) أثناء المقارنات التصاعدية. ترتبط هذه الشبكة بالتفكير الاستبطاني والتركيز على الذات، ما قد يٌفسر استجابتهم العاطفية السلبية الأكثر حدة عند مقارنة أنفسهم بمن هم أفضل منهم. هذا يفتح الباب لفهم كيف يمكن أن تتحول المقارنة إلى حلقة سلبية معززة ذاتيًا لدى بعض الأفراد.
تأثير العصر الرقمي لتفسير الظاهرة في علم النفس الحديث
أوضحت دكتورة لبنى، أن ظاهرة مقارنة أنفسنا ببالآخرين تمثل أحد أهم محاور البحث النفسي اليوم. لأن وسائل التواصل الاجتماعي توفر مساحة غير مسبوقة للمقارنات، لكنها تقدم أيضًا عروضًا مثالية وغير واقعية لحياة الآخرين، ما يضخم عادة آثار المقارنة السلبية، من خلال الدلائل العلمية التالية:
- التأثيرات على الصحة النفسية: أظهرت دراسة تحليلية شاملة (Meta-analysis) عام 2024، شملت 83 دراسة بأكثر من 55 ألف مشارك، وجود ارتباط معتدل بين المقارنة الاجتماعية عبر الإنترنت وزيادة المخاوف بشأن صورة الجسد (r = 0.45) وأعراض اضطرابات الأكل (r = 0.36).
- تأثير المقارنات التصاعدية: يُعتقد أن المقارنات التصاعدية (مع من هم أفضل) هي الآلية الأكثر ضررًا، حيث ترتبط بانخفاض تقدير الذات وزيادة أعراض الاكتئابب. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن الاستخدام المتكرر لوسائل التواصل قد يؤدي إلى مقارنات تصاعدية أقل حدة، ما قد يخفف جزئيًا من التأثير السلبي للحالات المتطرفة.
رؤى جديدة وتدخلات محتملة في عصرنا الحالي
وأضافت دكتورة لبنى، تقترح دراسات حديثة حلولًا إبداعية. فمثلًا، كشفت دراسة من جامعة ستانفورد أن تأكيد الذات عبر التفاعل مع محتوى شخصي (كتصفح ملفك على إنستغرام أو كتابة منشور عن نفسكِ) قبل مقارنة نفسك بآخرين أكثر نجاحًا، يمكن أن يكون بمثابة "درع واقٍ" يُقلل بشكل كبير من مشاعر الحسد الناتجة عن المقارنة.
الابتكار في العلاجات والتدخلات لتفسير الظاهرة
وتابعت دكتور لبنى، لم يقتصر تقدم علم النفس الحديث على التشخيص، بل امتد لتطوير علاجات فعالة؛ وذلك على النحو التالي:
- علاجات نفسية مثبتة: أظهرت تجربة سريرية عشوائية أن علاج القبول والالتزام (ACT) يُحقق تحسنًا ملحوظًا في تقليل حساسية الرفض القائمة على المظهر الجنسي والمقارنة الاجتماعية لدى الشباب، مع استمرار هذه الفوائد لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.
- تقنيات تغيير السلوك: تُستخدم المقارنة الاجتماعية نفسها كأداة لتغيير السلوك، وقد حللت دراسة تلوية فعاليتها في مجالات متعددة، من تحسين الصحة إلى تبني سلوكيات صديقة للبيئة.
أما عن الاتجاهات البحثية المستقبلية فقد أكدت دكتورة لبنى، أن البحث الحالي يتجه نحو استكشاف آفاق جديدة، أبرزها:
- المقارنة الزمنية: التركيز على مقارنة الذات الحالية بالذات السابقة، حيث تشير الأبحاث إلى أن هذا النوع من المقارنة قد يكون له تأثيرات مختلفة ومهمة على الصحة النفسية تستحق الدراسة المتعمقة.
- التحليل العابر للثقافات: دراسة كيف تختلف تأثيرات المقارنة الاجتماعية باختلاف السياقات الثقافية والاقتصادية حول العالم.
- المقارنة مع الذكاء الاصطناعي: فهم التأثيرات النفسية الناشئة عن مقارنة أنفسنا بالأنظمة الذكية، وهو مجال بحثي جديد ومهم.
على الهامش.. استراتيجيات صحية للتعامل مع المقارنة بصفة عامة

بعد أن تعرفنا على إجابة سؤالنا "لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين" من وجهة نظر علم النفس القديم والحديث؛ تؤكد دكتورة لبنى على اتباع الاستراتيجية التالية كخطوات عملية ستُساهم في مساعدة كل امرأة على تخطي مقارنة نفسها بالآخرين؛ وذلك على النحو التالي:
الخطوة الأولى.. الوعي الذاتي
- تعرفي على لحظات المقارنة كإشارة لاحتياجات غير ملباة.
- حوّلي تركيزكِ من "ما ينقصني" إلى "ما يمكن تطويره".
الخطوة الثانية.. المقارنة الهادفة
- ركّزي على الجوانب القابلة للتطوير.
- قارنّي ذاتكِ بحالة سابقة لكِ بدلًا من الآخرين.
الخطوة الثالثة.. الامتنان العملي
- التزمي بتدوين 3 أشياء تشعرين بالامتنان لها يوميًا.
- قّللي من حاجتكِ للمقارنة.
الخطوة الرابعة.. تقنين وسائل التواصل
- حدّدي أوقات محددة لاستخدام المنصات.
- تابعّي حسابات واقعية وتجنبي المثالية المفرطة.
الخطوة الخامسة.. العلاج المعرفي السلوكي
- تحدّي أفكاركِ غير المنطقية المرتبطة بالمقارنات.
- استبدّلي "يجب أن أكون مثلهم" بـ "أنا في رحلتي الخاصة".
وأخيرًا، يؤكدعلم النفس الحديث أن المقارنة الاجتماعية غريزة إنسانية طبيعية، لكنها باتت مفرطة في عصرنا الحالي؛ بسبب وفرة المواد المعروضة للمقارنة، الطبيعة الافتراضية غير الواقعية لتلك المواد، والعزلة الاجتماعية التي تزيد من الاعتماد على المقارنات. وبالتالي المفتاح ليس إلغاء المقارنة بل توجيهها نحو نمو صحي بدلًا من تدمير نفسي، مع الوعي أن ما نراه من الآخرين هو جزء صغير من حقيقة معقدة غير مكتملة.