هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي، ومدرّبة علم الوجود (الأنطولوجيا)، والمعالجة بالفن المقيمة في دبي

هل تعانين من الاحتراق الوظيفي؟ هيا البيطار تشرح لـ"هي" لماذا أصبح القاعدة بين أصحاب الأداء العالي

اليوم أكثر من أي وقت مضى، أصبحت الإنتاجية مرادفًا للنجاح، حيث لم يعد الإرهاق مجرد حالة عابرة، بل أصبح واقعًا يعيشه الكثير من أصحاب الأداء العالي. فبين السعي المستمر للإنجاز، وتوقّعات العمل المتزايدة، والضغط للحفاظ على صورة النجاح، يتسلّل الاحتراق الوظيفي بهدوء، ليس فقط كإرهاق جسدي، بل كحالة أعمق من الانفصال الداخلي.

كذلك، لم يعد "الاحتراق الوظيفي" ظاهرة استثنائية، بل أصبح القاعدة بين كثير من القيادات وأصحاب الأداء العالي. فما الذي يقف خلف هذا الاستنزاف الصامت؟ وهل يرتبط فقط بضغط العمل، أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

في هذا السياق، أجرينا حوارًا مع هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي، ومدرّبة علم الوجود (الأنطولوجيا)، والمعالجة بالفن المقيمة في دبي، لفهم الأسباب الحقيقية وراء الاحتراق الوظيفي، ولماذا يعاني منه تحديدًا أصحاب الأداء العالي.

الاحتراق الوظيفي... متى تصبح الهوية مرتبطة بالإنجاز؟

توضح البيطار أن المشكلة تبدأ غالبًا من الطريقة التي نُعرّف بها أنفسنا من خلال العمل، قائلة: "غالبًا ما نُسيء فهم ما يقف خلف ما نسميه الاحتراق الوظيفي. الموضوع لا يتعلق فقط بكم نعمل، بل بمن نعتقد أننا نكون أثناء العمل." وتضيف أن أصحاب الأداء العالي غالبًا ما يربطون هويتهم بالإنتاجية، لافتة  الى أن "تكون دائمًا حاضرًا، يعتمد عليك الجميع، وتتحمّل المسؤولية… لم يعد هذا مجرد سلوك، بل أصبح تعريفًا للذات."

ومن هنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي. فحين تُبنى الهوية على الإنجاز، تضيق مساحة السكون، وتصبح الراحة شعورًا غريبًا، حتى عندما يطلب الجسد التوقف.

ثقافة القمم وتجاهل ما بين اللحظات

تلفت البيطار إلى أننا نعيش اليوم في ثقافة تحتفي باللحظات الكبرى فقط: "نحن نعيش في زمن يركّز على extremes.نبحث عن لحظات القمة، عن الإنجازات الكبيرة، عن اللحظات التي تُرى وتُحتفل بها."

لكن المشكلة، كما تقول، أن معظم الحياة لا تحدث هناك: "الحقيقة هي أن معظم الحياة تحدث في اللحظات الهادئة، العادية، غير الملفتة… اللحظات التي نتجاوزها بسرعة أو نحاول تجاهلها."

وترى البيطار  أن هذه اللحظات هي التي تحمل المعنى الحقيقي: "هذه اللحظات تحمل الحقيقة."

الاحتراق كحالة انفصال

تشرح البيطار أن الاحتراق الوظيفي قد يكون أعمق من مجرد إرهاق: "ما ألاحظه كثيرًا هو أن ما نسميه احتراقًا قد يكون أعمق من مجرد إرهاق: هو نوع من الانفصال. انفصال ليس فقط عن الراحة، بل عن الحضور".

وتضيف أن هذه اللحظات العادية تطلب منا شيئًا مختلفًا: "تتطلب منا أن نبطئ. أن نشعر. أن نلاحظ. لكن هذا ليس سهلاً دائمًا، لأن الصمت يكشف ما نحاول تجنّبه، في هذه اللحظات الهادئة، يخفّ الضجيج الخارجي، ويعلو صوت داخلي… فكرة أو شعور ربما كنا نتجنبه.

التحوّل لا يحدث فقط في اللحظات الكبرى

ترى البيطار أن النمو الحقيقي لا يرتبط دائمًا باللحظات الكبيرة: "النمو الحقيقي لا يحدث فقط في القمم أو الانخفاضات… أحيانًا، يحدث بهدوء في المساحات بين اللحظات."

وتشارك من تجربتها الشخصية: "في كل مرة أتجاوز فيها هذه اللحظات العادية، أشعر بانفصال… حتى لو كنت أحقق."

كيف نعيد الاتصال؟

بدلًا من التغييرات الجذرية، تدعو البيطار إلى خطوات بسيطة، تبدأ بما تسميه "البحث عن الجمال":ابدأ بأن تصبح ما أسميه باحثًا عن الجمال… في لحظة عادية، أثناء الانتظار أو بين اجتماع وآخر، توقّف وابحث عن شيء بسيط لكنه حقيقي."

ثم تدعو إلى التوجّه إلى الداخل: "ما هو الشيء البسيط غير المريح هنا؟ ما هي الحقيقة التي تحاول أن تظهر عندما يهدأ كل شيء؟".

وتنصح بالجلوس مع هذه المشاعر دون محاولة إصلاحها: "بدل أن تحلّلها أو تتفاعل معها، فقط اجلس معها… دون حكم."

في النهاية، تعيد البيطار تعريف الاحتراق الوظيفي كإشارة: "الاحتراق الوظيفي، في كثير من الأحيان، هو إشارة… لأننا فقدنا الاتصال مع الأجزاء من حياتنا التي لا تتطلب أداءً."

وتختتم بفكرة عميقة حول التغيير الحقيقي: "ربما التغيير ليس في أن نفعل أقل أو أكثر… بل أن نكون أكثر حضورًا مع ما هو موجود بالفعل."

وفي عالم يسير بسرعة متزايدة، قد تكون هذه المساحات بين اللحظات، تلك التي نعتبرها عادية، هي بالضبط ما نحتاجه لاستعادة التوازن، وإعادة الاتصال بأنفسنا، قبل أن يتحوّل النجاح إلى استنزاف صامت.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.