لماذا يُعتبر الذكاء العاطفي مهارة قيادية أساسية للقيادات التنفيذية اليوم؟

خاص "هي".. الذكاء العاطفي في المناصب القيادية: المهارة التي لا يمكن تزييفها

هناك لحظة في حياة كل قيادية لا تعود فيها الخبرة وحدها كافية. فكلما ارتقت المرأة في السلم المهني، أصبحت التحديات أقل ارتباطاً بالمعرفة وأكثر اتصالاً بالقدرة على إدارة ما لا يُقال: التوتر الذي يسبق قراراً مصيرياً، الديناميكيات الخفية داخل فرق العمل، التوقعات المتناقضة التي تُفرض على النساء في مواقع النفوذ، والضغوط التي تتراكم خلف صورة القائدة الواثقة التي يراها الجميع.

في هذه المساحة تحديداً، حيث تتداخل السلطة مع الإنسانية، والحزم مع التعاطف، يبرز الذكاء العاطفي كأحد أكثر العوامل تأثيراً في نجاح القيادات واستدامتها. فهو ما يمنح القادة القدرة على قراءة المشهد كاملاً، وفهم ما يحدث داخلهم وحولهم في الوقت نفسه، واتخاذ قرارات واضحة من دون أن يفقدوا اتصالهم بالآخرين أو بأنفسهم.

شهناز حمادة، المدربة التنفيذية وأخصائية علم النفس المتخصصة في تطوير القيادات وتعزيز المرونة العاطفية، ترى أن الذكاء العاطفي لم يعد مهارة تكميلية في عالم الأعمال الحديث، بل أحد أكثر أشكال القوة القيادية تأثيراً. وفي حديثها لـ"هي"، تشرح كيف يمكن لهذه المهارة أن تصنع الفارق بين قائد يحقق النتائج وقائد يترك أثراً طويل المدى داخل المؤسسات والأفراد على حد سواء.

1
شهناز حمادة، المدربة التنفيذية وأخصائية علم النفس المتخصصة في تطوير القيادات وتعزيز المرونة العاطفية

المشاعر جزء من القرار

ترى حمادة أن الذكاء العاطفي في المناصب التنفيذية العليا لا يتعلق بالسعي إلى إرضاء الجميع أو تجنب الخلافات، وإنما بالقدرة على التعامل مع التعقيد الإنساني الذي يرافق كل قرار قيادي. وتوضح أن القادة الأكثر تأثيراً هم أولئك الذين يستطيعون الحفاظ على هدوئهم عندما تُختبر قراراتهم، وقراءة التوتر في الغرفة قبل أن يتحول إلى أزمة، واتخاذ مواقف حاسمة حتى في أكثر الظروف حساسية.

العبء غير المرئي الذي تتحمله القياديات

وتلفت حمادة إلى أن النساء في المناصب العليا يواجهن في كثير من الأحيان طبقات إضافية من التوقعات المهنية والاجتماعية. فإلى جانب مسؤوليات القيادة التقليدية، يُنتظر منهن إدارة العلاقات، واحتواء التوترات، ودعم الفرق خلال فترات التغيير، مع المحافظة على صورة الثبات والاتزان. وترى أن الذكاء العاطفي يمنح القياديات القدرة على التعامل مع هذه الضغوط من موقع الوعي لا الاستنزاف، ومن موقع الاختيار لا رد الفعل.

عادات صغيرة تصنع فرقاً كبيراً

ومن واقع عملها مع القيادات التنفيذية، تؤكد حمادة أن تطوير الذكاء العاطفي لا يحتاج إلى تغييرات جذرية بقدر ما يحتاج إلى ممارسات يومية واعية. وتشير إلى أهمية التوقف للحظات قبل الرد في المواقف الحساسة، وفهم المشاعر التي تحرك ردود الأفعال قبل اتخاذ القرار، واختيار نبرة التواصل بوعي بما يخدم الهدف من الحوار.

كما تشدد على أهمية الوضوح خلال المحادثات الصعبة، موضحة أن القائد الذي يمتلك لغة هادئة ومباشرة ينجح غالباً في توجيه النقاش نحو الحلول بدلاً من الانشغال بالخلافات.

التوقف قبل الرد
من أبسط العادات القيادية وأكثرها تأثيراً ممارسة التوقف المتعمد قبل الاستجابة. قبل الإجابة على سؤال صعب، أو الرد على انتقاد، أو اتخاذ قرار مهم، امنح نفسك لحظة قصيرة للتوقف. حتى ثانيتان فقط كفيلتان بنقلك من رد الفعل العاطفي إلى التصرف الواعي والمدروس.
ومن الأسئلة المفيدة التي يمكن طرحها على النفس: "ما النتيجة التي أريد تحقيقها من هذه المحادثة؟".
هذه الممارسة البسيطة تساعد على ضمان أن تكون الاستجابات منسجمة مع الأهداف الاستراتيجية بدلاً من الانفعالات اللحظية.


تحديد الشعور قبل إدارة الموقف
يبدأ الذكاء العاطفي بالوعي الذاتي. لا يحتاج القادة إلى الإعلان عن مشاعرهم أمام الجميع، لكنهم بحاجة إلى التعرف عليها وفهمها. سواء كان الشعور إحباطاً أو خيبة أمل أو قلقاً أو استعجالاً أو ضغطاً، فإن تسمية الشعور داخلياً تساعد على التعامل معه بفاعلية أكبر. فعندما يفهم القائد ما يشعر به، يصبح أقل عرضة للسماح لتلك المشاعر بالتأثير بشكل غير واعٍ على قراراته أو تفاعلاته.

التعمّد في اختيار نبرة الحديث
غالباً ما تشكل نبرة القائد المناخ العاطفي للمحادثة بأكملها. قبل التحدث، فكّر فيما إذا كان الموقف يتطلب الحزم أو الفضول أو الطمأنينة أو السرعة في اتخاذ القرار. فالقادة الفاعلون لا يسمحون للأجواء العاطفية السائدة بأن تحدد أسلوب تواصلهم، بل يختارون بوعي النبرة التي تخدم النتيجة التي يسعون إليها.
وفي كثير من الأحيان، تكون النبرة مؤثرة بقدر أهمية الرسالة نفسها.

استخدام لغة واضحة أثناء المحادثات الصعبة
في النقاشات المتوترة، تُعد الوضوح من أقوى أدوات القيادة.
ومن العبارات التي تساعد على تهدئة الحوار وتوجيهه بشكل بنّاء:
•    "دعونا نفصل بين الحقائق والافتراضات".
•    "هذا ما أسمعه منكم، أخبروني إن كان هناك ما فاتني".
•    "يمكننا أن نختلف في الرأي ونواصل التقدم. دعونا نحدد القرار الذي نحتاج إلى اتخاذه".
هذه العبارات لا تُضعف سلطة القائد كما يعتقد البعض، بل تعززها وتمنح النقاش مزيداً من التركيز والفاعلية.

تعلّم فن إصلاح العلاقات
حتى أكثر القادة خبرة قد يسيئون التعبير أحياناً أو يتفاعلون بسرعة أو يخلقون توتراً غير مقصود. وما يميز القادة ذوي الذكاء العاطفي ليس الكمال، بل استعدادهم لإصلاح العلاقات عندما تستدعي الحاجة ذلك. فالإقرار بسوء الفهم، أو توضيح رسالة سابقة، أو دعوة الآخرين لتقديم وجهات نظرهم، كلها ممارسات تعكس النضج القيادي وتعزز الثقة داخل الفرق.

القيادة لا تحتاج إلى الكمال

وتؤكد حمادة أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً يتمثل في الاعتقاد بأن القادة الأذكياء عاطفياً لا يخطئون. فالحقيقة، بحسب رأيها، أن النضج القيادي يظهر في القدرة على إصلاح العلاقات بعد سوء الفهم، والاعتراف بالأخطاء عند حدوثها، وإعادة بناء الثقة عندما تتعرض للاهتزاز.

الثقة قبل الشعبية

وفي نهاية المطاف، تلفت حمادة الى أن الذكاء العاطفي لا يجعل القائد أكثر قبولاً فحسب، وإنما أكثر جدارة بالثقة. فالقادة الذين يتمتعون بوعي عاطفي عالٍ يصبحون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، وخلق بيئات عمل مستقرة، وبناء ثقافات مؤسسية قائمة على الاحترام والوضوح.

وتختم بالقول إن أكثر القادة تأثيراً ليسوا أولئك الذين يخفون مشاعرهم أو يسعون إلى تقديم صورة مثالية عن أنفسهم، وإنما الذين يفهمون ذواتهم بعمق، وهو ما يتيح لهم قيادة الآخرين بثقة ومصداقية واتزان على المدى الطويل.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.