خاص بـ "هي": نمو نفسي صحي ومستدام.. مع الأخصائية النفسية الإكلينيكية سجى العتيبي
النمو النفسي هو تغيّر داخلي ومستدام في بنية الشخصية والعلاقات ووعي الشخص عن ذاته، وهو مرتبط ببناء موارد نفسية داخلية وخارجية.. لنغوص أكثر في هذا المفهوم كان لنا هذا الحديث مع الأخصائية النفسية الإكلينيكية المرخصة "سجى العتيبي"، الحاصلة على درجة الماجستير بعلم النفس الإكلينيكي، والتي تعمل مع البالغين (18 سنة فما فوق) باستخدام نهج علاجي تكاملي يستند إلى عدة مدارس علاجية، أبرزها العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والعلاج السلوكي الجدلي(DBT)، حيث يتم تكييف هذا النهج بما يتناسب مع احتياجات وأهداف كل عميل بشكل فردي، والتي بدأت رحلتها المهنية في عام 2018 في مجال علم النفس والإدارة، حيث طوّرت مهاراتها القيادية والتنظيمية ومهارات التواصل التي أسهمت بعمق في تشكيل هويتها المهنية، فيما ركزت في عام 2020 بشكل أكبر على العمل في مجال الصحة النفسية وتداخل خبرتها الإدارية مع شغفها بالنمو الإنساني والرفاه النفسي، لتمارس اليوم عملها كأخصائية نفسية إكلينيكية تقدم جلسات علاج فردي وجماعي، فيما تؤمن بأن النمو الحقيقي يتجلى من خلال التواصل العميق مع الآخرين وهذا بالنسبة لها هو جوهر العلاقة العلاجية.. والتي كشفت لنا من خلال هذا الحوار المُلهم أسرار وقواعد تحقيق نمو نفسي صحي ومستدام:

كيف تفسّرين مفهوم النمو النفسي، وما الفرق بينه وبين مجرد تطوير المهارات أو النجاح الظاهري؟
النمو النفسي في الأدبيات العلمية يُعرف بأنه تغيّر داخلي ومستدام في بنية الشخصية والعلاقات ووعي الشخص عن ذاته فهي عملية مستمرة من النمو الداخلي وليس مجرد تحسن للأداء أو نجاح ظاهري.
النمو النفسي مرتبط ببناء موارد نفسية داخلية وخارجية، مثل زيادة القدرة على التأقلم أو التكيف وبالتالي يصبح لدى الشخص مرونة نفسية عالية، النمو يكون منعكس على تغير في كيفية فهم الذات والمسؤولية الذاتية للتغيير، تعلم التنظيم الانفعالي بحيث يصبح لديه قدرة على فهم وإدارة مشاعره، القدرة على التعلم من الخبرات والتجارب الصعبة وإيجاد معنى للحياة.
الشخص قد ينجح مهنيًا أو يطوّر مهاراته دون أي تحسّن في تنظيمه الانفعالي أو علاقاته أو فهمه لذاته ولكن لا يكون هناك اتساق بين داخله وخارجه مما يظهر تغير لحظي غير ملموس أو منعكس على جوانب الحياة الأخرى.
ما دور الوعي بالذات في تحقيق نمو نفسي صحي ومستدام؟
الوعي بالذات هو حجر الأساس للنمو النفسي لأنه يسمح للشخص بفهم مشاعره، أفكاره، ودوافعه، ويقلل من التلقائية في التصرفات.
بحسب مراجعة أدبية حديثة، الوعي بالذات يُعدُّ عملية تعليمية وتطورية يمكن تنميتها عبر التأمل الذاتي، التغذية الراجعة، والتدريب على الانتباه الواعي أو اليقظة الذهنية، وهذا يساعد على تقليل الاندفاعات وزيادة الاتزان النفسي.
هذا الوعي ليس مجرد معرفة سطحية عن النفس بل تشكّل منظومة داخلية تساعد الشخص على فهم أنماط تكرار المشاعر والسلوكيات مما يدعم اتخاذ قرارات متسقة مع القيم والأهداف الشخصية.
بدون وعي الشخص عن ذاته يكون التغيير شكلياً أو ظاهرياً ومن السهل العودة للأنماط القديمة الغير فعالة في طريقة التفكير والمشاعر والعلاقات كذلك.
كيف تؤثر التجارب الصعبة والضغوط الحياتية على مسار النمو النفسي، وهل يمكن تحويلها إلى أدوات للتنمية الذاتية؟
هناك مصطلح يطلق عليه نمو ما بعد الصدمة، وهو مصطلح يعبر عن مفهوم تحويل التجارب الصعبة أو المؤلمة إلى فرصة للنمو النفسي بشرط أن تتوفر مهارات التنظيم الانفعالي، وفي مرور الشخص بمثل هذه التجارب يكون الشخص بحاجة للحصول على العلاج والدعم النفسي ووجود دائرة دعم اجتماعي حوله.
ما العلامات التي تدل على أن الشخص يسير في طريق نمو نفسي حقيقي وليس تغيّرًا مؤقتًا؟
النمو النفسي الحقيقي ينعكس على وعي الشخص بمشاعره فيقوم بتسميتها من غير إنكار أو تضخيم مما يسمح بالاستجابة من غير الوصول لردود فعل سريعة واندفاعية، زيادة قدرة التحمل وقت المحن والأزمات.
بالإضافة لقدرة الشخص على إدارة علاقات صحية وناضجة مبنية على احترام الذات والآخرين وأخيراً اتساق بين القيم والسلوكيات اليومية.
التغيير المؤقت يكون سريع فقد تظهر كفاءة ظاهرية لدى الشخص في وقت قصير جداً وتكون لغة الشخص غير متسقة مع تعبيره وانفعالاته فالظاهر لا يتوافق مع الداخل بالإضافة قابلية أعلى للانفعالات وقت الضغوطات.
من منظوركِ كأخصائية نفسية، ما أول خطوة عملية تنصحين بها من يسعى للتنمية الذاتية من الداخل لا من الخارج؟
خطوة عملية مدعومة علمياً هي ممارسة التأمل الذاتي المنتظم مع تدوين اليوميات. كممارسة هي ليست مجرد كتابة عابرة بل تدوين منظم يركز على:
- ما شعرتِ به؟
- ما الفكرة التي صاحبت هذا الشعور؟
- ما السلوك الناتج؟
- ما الدليل الذي يدعم أو يناقض هذه الفكرة؟
البحوث تشير إلى أن هذا النوع من الانعكاس الذاتي المنظّم يقوّي المرونة النفسية ويقلل من الاستجابات التلقائية غير المدروسة وبالتالي يعزز نمو نفسي مستدام وأن إدراك الشخص عن ذاته عملية مستمرة.
بالإضافة لهذه الممارسة اليومية أن تدعم بجلسات علاجية وهذا يزيد من فعالية التغيير الداخلي على عكس اعتماد الحلول الخارجية فقط.
وأحب أختم المقالة بجملة تعني لي ودائماً تعكس أثر العلاج والعملية العلاجية:
نحن ننمو من خلال الآخر وهذا النمو حتى نصل له بشكل آمن لا يحدث إلا في العلاقة العلاجية.