الرضاعة الطبيعية صحة تمنحها الأم لطفلها وتستعيد بها عافيتها.. إليكِ فوائدها
الرضاعة الطبيعية وقاية وأمان، إذ يأتي الطفل إلى العالم وقد عرف صوت أمه قبل أن يرى وجهها، فيهدأ بين ذراعيها كأنه وجد امتداداً للأمان الذي أحاط به طوال أشهر الحمل. وفي أولى لحظات الرضاعة، لا تمنحه الأم غذاءه فحسب، بل تمنحه دفئها وقربها، وتطمئنه بدون كلمات بأنها إلى جانبه. لعلها لحظات قصيرة في عمرهما، لكنها تضع أساساً لصحة الطفل وتعافي الأم، وتمنح علاقتهما بداية لا تشبه أي بداية أخرى.
يحمل الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، الذي يقام من 1 إلى 7 أغسطس، رسالة تتجاوز التعريف بفوائد حليب الأم للطفل، لتسلط الضوء على المرأة التي تقف خلف هذه الرحلة. ويذكرنا هذا الأسبوع بأن الأم، خلال فترة الرضاعة، تمنح رضيعها الغذاء والمناعة والطمأنينة، بينما يواصل جسدها التعافي من آثار الحمل والولادة، وتتوقف تجربتها إلى حد كبير على ما تجده من رعاية ودعم وتفهم.
وبهذه المناسبة، يُسعدنا أن نسلط الضوء على أهمية الرضاعة الطبيعية من خلال إجابة الدكتورة فاطمة المزروعي، أخصائي رئيسي في الطفولة المبكرة وخبيرة في الصحة والتغذية لدى هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة على الأسئلة الشائعة حول الرضاعة الطبيعية.
ما الذي يجعل الرضاعة الطبيعية ضرورية للمولود بعد ولادته؟
أولًا: لأنها غذاء يواكب نمو الطفل. لا يخفى على أحد بأن جسم الأم يمتلك قدرة مدهشة على تلبية احتياجات طفلها منذ ولادته؛ إذ ينتج خلال الأيام الأولى اللبأ الغني بالبروتينات والفيتامينات والمعادن والأجسام المضادة لحماية المولود من العدوى، والمساهمة في تكوين بيئة صحية داخل أمعائه، لذلك يوصف بأنه اللقاح الطبيعي الأول للطفل.
ولا يبقى حليب الأم على حاله، بل تتغير تركيبته لتواكب احتياجات الطفل في كل مرحلة. يعقبه افمثلا لحليب الانتقالي ترتفع فيه نسبة الدهون واللاكتوز لدعم نمو الطفل ، ثم يأتي الحليب الناضج بتركيبة متوازنة توفر الطاقة والعناصر الغذائية اللازمة للنمو الجسدي والعقلي. كما تتغير مكونات الحليب حتى خلال الرضعة الواحدة؛ إذ يكون في بدايتها أكثر غنىً بالماء لإرواء عطش الطفل، بينما ترتفع نسبة الدهون تدريجياً في نهايتها لتعزيز الشعور بالشبع وتوفير الطاقة اللازمة للنمو. كما تتكيّف مكونات حليب الأم بصورة مستمرة مع عمر الطفل واحتياجاته، بما في ذلك احتياجات الأطفال الخدّج،
وتتجاوز فوائد الرضاعة الطبيعية تلبية احتياجات الطفل الغذائية؛ فهي تعزز مناعته، وتدعم تكوين ميكروبيوم صحي في أمعائه، وهو مجتمع من البكتيريا النافعة يرتبط بتحسين الهضم ودعم المناعة على المدى الطويل. وتمتد آثارها الإيجابية إلى مراحل لاحقة من حياته، إذ ترتبط بانخفاض احتمالية الإصابة بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني .
ثانيًا: لأن لها فوائد تبدأ منذ اللحظات الأولى للأمومة، في الوقت الذي ينمو فيه الطفل، يعمل جسد الأم على استعادة عافيته بعد الحمل والولادة، ويفرز أثناء الرضاعة هرمون الأوكسيتوسين الذي يساعد الرحم على الانقباض والعودة إلى حجمه الطبيعي بصورة أسرع، وقد يسهم في الحد من نزيف ما بعد الولادة ودعم التعافي خلال فترة النفاس. كما تحفز الرضاعة الطبيعية إفراز هرمون البرولاكتين والذي يعمل مع هرمون الأوكسيتوسين على استمرار إنتاج الحليب وإدراره بما يتناسب مع احتياجات الطفل، في مثال فريد على قدرة الجسم على التكيف مع متطلبات النمو.
كما يمكن أن تساعد الرضاعة الطبيعية على خسارة جزء من الوزن المكتسب خلال الحمل، إذ تستهلك عملية إنتاج الحليب قدراً إضافياً من الطاقة يومياً. بينما ترتبط فوائدها طويلة المدى بانخفاض احتمالية إصابة المرأة بسرطاني الثدي والمبيض، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، كما تشير دراسات إلى أنها قد تسهم في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من العمر.
ما هي أبرز تحديات الرضاعة الطبيعية؟
رغم فوائدها الكبيرة، ينبغي ألا نرسم للرضاعة الطبيعية صورة مثالية تضيف إلى الأم مزيداً من الضغوط. فقد ترافقها آلام جسدية، وصعوبات في التقام الطفل للثدي، وقلة في النوم، وقلق بشأن كمية الحليب، وهي تحديات لا تنتقص من قدرة الأم أو حرصها على طفلها، لأن الرضاعة تجربة تتعلمها الأم وطفلها معاً وهي ليست فطرية بالكامل، وقد تحتاج في بدايتها إلى الوقت والصبر ودعم الكوادر الصحية أو استشاريي الرضاعة. فاستمرار الرضاعة لا يعتمد على معرفة فوائدها فحسب، بل على توافر الدعم الذي يمكّن الأمهات من تجاوز التحديات العملية بثقة.
ما هي أفضل طرق التوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية؟
التوعية الحقيقية تبدأ بالاستماع، ربما يكون أكبر خطأ نرتكبه عند الحديث عن الرضاعة الطبيعية أننا نحولها إلى اختبار لنجاح الأم، بينما هي في الحقيقة مسؤولية مشتركة. ولذلك، لا ينبغي أن تضيف التوعية بالرضاعة الطبيعية عبئاً جديداً إلى مسؤوليات الأم، وإنما يفترض أن تساعدها على تجاوز العقبات التي قد تمنع استمرارها. فنجاح الرضاعة لا يعتمد على الأم وحدها، بل يتأثر أيضاً بالدعم الذي تتلقاه من الأسرة، والكوادر الصحية، وبيئة العمل، والمجتمع. ولذلك، فإن السؤال الأجدى ليس: لماذا لم تستمري؟، بل: ما الدعم الذي كان يمكن أن يساعدك؟
قد تحتاج الأم إلى استشارة بسيطة تساعدها على تصحيح وضعية الرضاعة، أو معلومة موثوقة تطمئنها بأن طفلها يحصل على حاجته، أو إلى بعض الراحة بينما يتولى الأب جانباً من مسؤوليات الرعاية. وتشير الدراسات إلى أن مشاركة الأب في دعم الأم خلال فترة الرضاعة، سواء من خلال المساندة العملية أو الدعم النفسي، ترتبط بزيادة احتمالية استمرار الرضاعة الطبيعية لفترة أطول. وأحياناً لا تحتاج الأم إلا إلى من يستمع إليها بدون إصدار أحكام، أو عقد مقارنات، أو إغراقها بالنصائح المتضاربة.
كيف يمكن أن يشارك الأب في تعزيز حصول الأم والطفل على فوائد الرضاعة الطبيعية؟
الأب شريك في رحلة الرضاعة، يبدأ دور الأب قبل ولادة طفله، حين يرافق زوجته في مواعيد متابعة الحمل، ويتعرف على الرضاعة الطبيعية وفوائدها والتحديات التي قد ترافقها. فكلما ازدادت معرفته بهذه المرحلة، أصبح أكثر قدرة على تقديم الدعم المناسب واتخاذ قرارات مشتركة مع الأم منذ الأيام الأولى بعد الولادة.
وبعد الولادة، يصبح حضوره اليومي جزءاً أساسياً من الدعم الذي تحتاجه الأم؛ فيشارك في تغيير الحفاضات وتهدئة الطفل وبعض مسؤوليات المنزل، ويحرص على حصولها على الطعام والماء والراحة، ويحميها من الضغوط والمعلومات غير الموثوقة. كما يسهم تشجيعه المستمر وتفهمه للتحديات التي قد تواجهها في تعزيز ثقتها بنفسها وتقليل شعورها بالإرهاق، بما يساعدها على الاستمرار في الرضاعة الطبيعية.
ولا يقتصر هذا الدعم على تخفيف الأعباء اليومية، بل تؤكد الدراسات بأن إشراك الآباء في التثقيف حول الرضاعة الطبيعية، وتقديمهم الدعم النفسي والعملي للأم، يسهم في تحسين معدلات الرضاعة الطبيعية وزيادة مدة استمرارها، إلى جانب تعزيز ثقة الأم بنفسها وتوفير بيئة أسرية أكثر هدوءاً وتعاوناً.

تحدثنا عن دور الأب بوصفه شريكًا أساسيًا للأم في رحلة الرضاعة الطبيعية، فماذا عن جهات العمل؟ وكيف يمكنها دعم الأم خلال هذه المرحلة الحساسة؟
يجب أن يمتد هذا الدعم إلى مكان العمل، لا سيما أن كثيراً من الأمهات يعدن إلى وظائفهن خلال فترة الرضاعة. ولا ينبغي أن تجد المرأة نفسها مضطرة إلى الاختيار بين مسؤولياتها المهنية والاستمرار في إرضاع طفلها، إذ يساعد توفير غرف ملائمة للرضاعة أو شفط الحليب، وإتاحة فترات استراحة مناسبة، واعتماد سياسات عمل مرنة، على حماية صحة المرأة وطفلها وتعزيز استقرار الأسرة.
وتؤكد كل من منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية أن توفير بيئة عمل داعمة للرضاعة الطبيعية، تشمل الوقت والمكان المناسبين لإرضاع الطفل أو شفط الحليب، يُعد من العوامل الرئيسة التي تساعد الأمهات على الاستمرار في الرضاعة الطبيعية بعد العودة إلى العمل، وتدعم تحقيق التوصيات الصحية المتعلقة بالرضاعة خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل.
ولا تمنح بيئة العمل الداعمة الأم امتيازاً خاصاً، بل تزيل من طريقها عقبات حقيقية قد تمنع استمرارها في الرضاعة. كما تشير الأدلة إلى أن المؤسسات التي تتبنى سياسات داعمة للأمهات المرضعات تستفيد أيضاً من انخفاض معدلات الغياب الوظيفي، وارتفاع رضا الموظفات وولائهن، وتحسين الإنتاجية والاحتفاظ بالكفاءات. وربما يأتي الفارق في قدرة الأم على مواصلة هذه الرحلة بثقة واطمئنان من مجرد فترة راحة مناسبة، أو معلومة صحيحة، أو يد تمتد للمساعدة. ويتجاوز أثر هذا الدعم الأم نفسها ليصل إلى طفلها وأسرتها والمجتمع، ويعكس ثقافة مؤسسية تدرك أهمية الاستثمار في الطفولة المبكرة.
ما هو الدور الذي تلعبه هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة في دعم صحة الأم والطفل منذ الحمل وحتى السنوات الأولى؟
يأتي الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية ليؤكد أن الرضاعة الطبيعية ليست مسؤولية الأم وحدها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب بيئة داعمة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى الكوادر الصحية وأماكن العمل وصنّاع السياسات.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تعمل هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة على دعم الأمهات والأسر من خلال مبادرات تعزز صحة الأم والطفل منذ الحمل وحتى السنوات الأولى. ففي عام 2023 أطلقت الهيئة برنامج متابعة صحة الأمهات والأطفال حديثي الولادة، الذي يرصد مؤشرات تشمل الرضاعة الطبيعية، والتغذية، والصحة النفسية للأم، وتوسع بحلول عام 2025 ليشمل 18 مستشفى وأكثر من 3,400 أم. كما أطلقت "حزمة الوالدين" لتزويد الأسر بمعلومات وإرشادات موثوقة حول الرضاعة الطبيعية وصحة الأم وتغذية الطفل، إلى جانب مواصلة جهودها في تشجيع المؤسسات على تبني بيئات عمل أكثر دعماً للوالدين من خلال "علامة الجودة لبيئة عمل داعمة للوالدين".

